هل يستعد “حزب الله” اللبناني، لفتح جبهة جديدة ضد إسرائيل من خلال مطار عسكري سرّي في جنوب لبنان، أم أن إسرائيل تحاول خلق حالة من الذعر والضغط على الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي للتصدي لتوسع نفوذ إيران في المنطقة، هذه هي التساؤلات التي تطرحها الإفصاحات الأخيرة عن وجود مطار “الجبور”، الذي تقول تل أبيب إنه يخدم أغراضا عسكرية لـ”حزب الله” وإيران.

لا شك أن هذا الموضوع يستحق الاهتمام والتحليل، فهو يتعلق بأزمة إقليمية متفجرة، تشمل دولا وفصائل مسلحة لديها تاريخ طويل من الصراعات والتوترات، كما أنه يتعلق بأسئلة حساسة تتعلق بالسيادة الوطنية، والتدخل الخارجي، والأسلحة غير التقليدية، والإرهاب. 

ففي عالم يعجّ بالتوترات والصراعات الإقليمية، تظهر منافسات القوى والمصالح بوضوح، مما يجعلنا ننظر إلى المستقبل بحذر وتوقع، ومن هذا المنطلق، تتصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، مع ظهور مطار “الجبور” كمحور جديد للتوتر والمنافسة بين إسرائيل و”حزب الله”، ولكن ما هي الأهداف المحتملة لـ “حزب الله”اللبناني، في بناء هذا المطار، وكيف يمكن أن يؤثر بناء هذا المطار على العلاقات بين لبنان وإسرائيل، وإلى ماذا تسعى إيران من بناء “مطار الجبور”.

مطار يهدد المنطقة

على مرّ العقود الأخيرة، شهد الشرق الأوسط تصاعدا للتوترات والنزاعات الإقليمية التي لم تكن تلك المنطقة بحاجة إليها، فتصاعدت التوترات بين إسرائيل وإيران، وبين إسرائيل و”حزب الله”، مما خلق توترا متجددا يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وفي هذا السياق، تبرز قضية مطار “الجبور” كجزء من الصراع الإقليمي الأكبر.

أمران يزيدان من التعقيدات حول مطار “الجبور” هما؛ الأول هو القدرة العسكرية المحتملة لهذا المطار وكيفية استخدامه، والثاني هو الجدل السياسي الذي يحيط به والتأثيرات المحتملة لكشف إسرائيل عن وجوده.

مطار “حزب الله”، أو ما بات يصطلح على تسميته مطار “الجبور”، شغل اهتمامات اللبنانيين على مدى اليومين الماضيين، بعد أن كشفت إسرائيل بشكل مفاجئ عن خرائط وصور جوية تثبت قيام “حزب الله”، ومن خلفها إيران، بإنشاء مطار للاستخدامات العسكرية جنوبي لبنان، يسمح بشنّ هجمات جوية على إسرائيل.

وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، كان قد كشف عن هذا المطار، خلال كلمة له في المؤتمر السنوي لمعهد “سياسة مكافحة الإرهاب” في جامعة “رايخمان” في هرتسليا، في 11 أيلول/سبتمبر الجاري، حيث أكد أن إيران تبني هذا المطار لأغراض إرهابية في منطقة “قلعة جبور”، التي تبعد 20 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية. 

التقارير العسكرية الإسرائيلية تؤكد بوضوح أن مطار “الجبور” يُستخدم بشكل أساسي لأغراض عسكرية، حيث يمكن استخدامه كمنصة لشنّ هجمات جوية على إسرائيل، وهذا لا يشكل تهديدا مباشرا للأمن الإسرائيلي وقدرتها على الدفاع عن نفسها، بل على المنطقة بأسرها، فالتّصاعد العسكري في المنطقة يزيد من توتر الوضع، وكل ذلك يقع ضمن بقعة جنوبي الليطاني وهي منطقة انتشار قوات “الطوارئ” الدولية (اليونيفيل).

الأعمال في المطار العسكري بحسب صور الأقمار الاصطناعية، بدأت في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2022، وبدأ وضع الأسفلت في تموز/يوليو الفائت، وذكرت قناة “كان” الإسرائيلية أنه خلال شهر آب/أغسطس الفائت، بحسب صور الأقمار الاصطناعية، تم الانتهاء من أعمال رصف المدرج وبناء مهبط للطائرات العمودية، ومنذ حوالى أسبوعين فقط تم طلاء المدرج بعلامات الطيران‌‌.

رواية لا ينفيها “حزب الله”

في سياق ذات صلة، أفاد موقع “صوت لبنان” بأن المطار العسكري يقع في معسكر “الجبور” الذي يتبع “حزب الله”، ويقع هذا المعسكر في جبل الريحان، الذي يشكل جزءا من سلسلة جبال لبنان الغربية، بين منطقة التفاح في الغرب وشرق البقاع الغربي، ووفقا للمصادر كان القيادي السابق في الحزب عماد مغنية هو الشخص الذي أشرف على إنشاء هذا المعسكر التدريبي بعد حرب تموز/يوليو عام 2006.

المطار بحسب أهالي المنطقة، يقع بالقرب من بحيرة اصطناعية تعرف محليا باسم بركة “جبور”، ويتوسط منطقة جبلية في جنوب لبنان تشمل قضاء جزين وتحديدا بين بلدات ميدون وكفرحونة ومزرعة داريا، وتمتد هذه المنطقة على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1200 متر فوق سطح البحر.

حاليا يتعذر الحصول على تفاصيل دقيقة حول طول المدرج ومحتويات المستودعات الموجودة في المكان، ومع ذلك ووفقا لتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، فإن هذا المطار قد يكون مُخصصًا لاستخدام الطائرات متوسطة الحجم أو المسيّرات، ونظرًا لمعلومات متوفرة تُفيد بأن إيران تصنع وتصدر مسيّرات إلى عدة دول، بما في ذلك روسيا، فإن هناك استفسارات حول الأغراض الحقيقية لهذا المطار، بالإضافة إلى مخاوف بشأن انتهاكه للسيادة اللبنانية والقرارات الدولية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 1701.

وكالة “رويترز” من جهتها نقلت عن مصدر غير إسرائيلي مطلع على الموقف قوله إن المطار يمكن أن يستوعب طائرات مسيرة كبيرة، بعضها مسلحة ومشابهة لتلك التي تُنتجها إيران، وهذه الطائرات المسيرة التي يمكن أن تُشغل من هذا الموقع وتستخدم في أنشطة عملياتية سواء داخل لبنان أو خارجه، إلا أنه أشار إلى أن طبيعة المدرج الجوي واتجاهه يشيران إلى أنه من المرجح استخدامه لأغراض داخلية بشكل رئيسي.

تجدّر الإشارة إلى أن صمت “حزب الله” حيال الحقائق الإسرائيلية بشأن وجود مطار إيراني في جنوب لبنان لا يعبّر بأي حال من الأحوال عن نفي صريح، إذ إن ما كشفته القوات الإسرائيلية يندرج ضمن سياق معركة أمنية شرسة بين الجانبين، ويفهم الطرفان جيدا رموز هذه المعركة والرسائل التي تُرسل، بمعزل عن آراء وانقسامات الشعب اللبناني.

طبقا لمصادر صحفية، فإنه منذ أكثر من شهر كان هناك نيّة للإعلان عنه بحسب أوساط غير خاصة، لكن حادثة “الكحالة” رجحت تأخير هذا الأمر، خصوصا أن المطار منجز منذ أشهر، ولا يوجد أي قيمة أمنية لإعلان الإسرائيلي عنه، سوى توفير عناء الإعلان عنه من قبل “حزب الله”.

هذا المطار ليس المنشأة الجوية الأولى التي يكشف عنها فيما يتعلق بـ “حزب الله”، فقد سبق لمجلة “جاينز” العسكرية أن نشرت تقريرا في عام 2015 كشفت فيه عن استخدام “حزب الله” لموقع في البقاع الشمالي كمدرج لإطلاق طائراته المسيرة أثناء مشاركته في النزاع في سوريا وعلى الحدود اللبنانية السورية.

المجلة استندت إلى صور التقطتها الأقمار الصناعية في ذلك الوقت، حيث بدت المنطقة بشكل واضح فيها، بما في ذلك المدرج الجوي، والذي يقع بعيدا عن المناطق السكنية بمسافة تبلغ 10 كيلومترات من مدينة الهرمل، و18 كيلومترا إلى الغرب من الحدود السورية اللبنانية.

خطة التقسيم تختمر؟

بناء على هذه المعطيات، يعتقد محمود جعفر، عضو “مجموعة 128” اللبنانية، أنه من المحتمل أن يكون لـ “حزب الله” عدة أهداف في بناء هذا المطار، منها تعزيز قدراته العسكرية والاستراتيجية في مواجهة إسرائيل مَن يقارعه في المنطقة من الدول العربية، خاصة بعد أن تعرضت مواقعه وأسلحته لضربات جوية إسرائيلية متكررة في سوريا ولبنان.

أيضا توفير منصة لإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على أهداف إسرائيلية، وتأمين طريق لنقل الأسلحة والمقاتلين والمستشارين الإيرانيين من وإلى لبنان وسوريا، دون الاعتماد على المطارات الرسمية أو المعابر البرية، خصوصا بعد قصفها بشكل مستمر، وبالإضافة لذلك هو تحد لسيادة لبنان والحكومة اللبنانية، وإظهار قوته ونفوذه كحزب مسلح يتصرف بشكل مستقل عن الدولة والقانون.

بناء هذا المطار وفق تقديرات جعفر، يمكن أن يؤثر سلبا على العلاقات بين لبنان والدول المحيطة بها، ويزيد من حدة التوتر والتصعيد على الحدود بين البلدين، وذلك لعدة أسباب، حيث ستعتبر إسرائيل هذا المطار تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وقد تحاول تدميره أو استهدافه بضربات جوية أو برية، مما قد يؤدي إلى رد فعل من “حزب الله” أو إيران.

كما يشكل هذا المطار انتهاكا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى حرب 2006 بين لبنان وإسرائيل، والذي يطالب بتفكيك جميع المجموعات المسلحة في لبنان، ومنع تهريب الأسلحة إلى لبنان، وإخضاع جميع التحركات في جنوب لبنان لسلطة الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، فضلا عن أنه يضع حكومة لبنان في موقف صعب، فهي تواجه ضغوطا دولية لضبط حدودها والحفاظ على سيادتها، وفي نفس الوقت تخشى من تفجير الوضع الأمني والسياسي داخليا بسبب تحدي “حزب الله” وإيران.

مطار “الجبور” سيعمّق ثقة “حزب الله” وجرأته في مواجهة دول المنطقة بحسب جعفر، وقد يستخدم هذا المطار كورقة ضغط أو تفاوض في حال حصول أي صراع أو تسوية مستقبلية، كما قد يحاول “حزب الله” استغلال هذا المطار لزيادة شعبيته وشرعيته بين أتباعه والشعب اللبناني، مدعيا أنه يحمي لبنان من التهديدات الخارجية.

علاوة على ذلك، ورغم أنه لا يوجد دليل مؤكد على أن “حزب الله” يسعى للإعلان عن دولة جديدة بعد الفراغ الرئاسي والانفصال عن لبنان حيث يمارس نفوذه ويحصل على موارده ويبرر سلاحه، ويخشى من فقدان هذه المكاسب إذا انفصل عن لبنان، أو إذا تغير نظام الحكم في لبنان.  

مع ذلك برأي جعفر هذا لا يعني أن “حزب الله” لا يطمح لإقامة دولة ذات طابع إسلامي شيعي في لبنان، تتبع إيران وتقاتل إسرائيل، وهذا هو المشروع الأصلي للحزب، والذي لم يتخلَ عنه رغم تغير خطابه وسياساته، فـ”حزب الله” يستغل كل فرصة لزيادة قوته وشرعيته في لبنان، وخصوصا في المناطق التي يسيطر عليها، مثل جنوب لبنان وضواحي بيروت.

ما يعزز ذلك، أن الحزب وعلى مدار سنوات يقوم بإنشاء مؤسسات وخدمات وأجهزة أمنية خاصة به، تحت راية “المقاومة” ضد إسرائيل، ويحاول تشكيل هوية شيعية مستقلة عن باقي المكونات اللبنانية، تستند إلى التاريخ والدين والثقافة.  

في النهاية يمكن القول إن “حزب الله” يسير في اتجاه نحو إقامة دولة داخل دولة، أو دولة موازية، أو دولة ظل، في لبنان، بدلا من إعلان دولة جديدة بشكل صريح، وهذا التوجه وخصوصا بعد إتمام مطار “الجبور” قد يؤدي إلى تفكك لبنان كدولة موحدة ومستقرة، وإلى تصادم محتمل مع القوى الأخرى في المجتمع اللبناني، التي ترفض هذا المشروع.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات