“درامي ومثير لمشاعر التناقض”، كما وصفه مراقبون، هو المشهد الذي جلس فيه الرئيس السوري بشار الأسد، في “القمة العربية الإسلامية” الطارئة، لبحث الأوضاع والأزمة الإنسانية في قطاع غزة، متحدثا عن جرائم حرب ضد الإنسانية يتم ارتكابها في غزة، ولعل مرتكبو هذه الجرائم يجدون في حديث الأسد أملا في النجاة من المحاسبة بل وربما يجدون فرصة للجلوس مستقبلا في قاعة فارهة للحديث عن قضايا أخرى تتعلق بجرائم ضد الإنسانية.
فالأسد الموجود بسجلّاته عشرات بل مئات الجرائم الإنسانية الموثّقة في تقارير المنظمات الدولية، بدا واثقا من نفسه وهو يدين قتل المدنيين ويندد بقصف المشافي ودور العبادة والبُنى التحتية واستهداف طواقم الإنقاذ في غزة، ويستخدم الأزمة في غزة كوسيلة للمزايدة على القادة والزعماء الحاضرين في قمة، وفق ما اعتاد خلال العقود الماضية.
حضورٌ أفقد القمة أهميتها؟
حضور الأسد القمة الطارئة أفقدها الكثير من أهميتها بحسب محللين تابعوا أحداث القمة على مدار الأيام القليلة الماضية. هذا الحضور الذي طرح العديد من التساؤلات عن أسبابه وأهدافه، وفيما إذا كانت دعوة الأسد محاولة جديدة لإعادة تعويمه على المستوى الإقليمي، أو أن للأسد دورا في الصراع الدائرة في غزة بين القوات الإسرائيلية وحركة “حماس”.

دلالات مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد في القمة الطارئة تأخد العديد من الأبعاد، أبرزها أهمية سوريا من حيث الموقع الجغرافي بالنسبة لحل الصراع الدائر في غزة، كذلك فإن تضمين إيران في اجتماعات القمة، قد يكون جعل طهران تشترط حضور دمشق كما بيروت، استكمالا لدول ما يُعرف بـ”محور القائمة”.
إن مشاركة بشار الأسد في القمة التي تهدف لإنهاء الأزمة الإنسانية في غزة ومناقشة الانتهاكات الواقعة ضد أهالي القطاع، تضعف كثير من أهميتها على الصعيدَين الإقليمي والدولي، فوجود الأسد في سياق مناقشة قصف المشافي على سبيل المثال، فيه كثير من التناقض الذي يجعل ربما من التشكيك بأهمية القمة وجدوى نتائجها أمرا مسلّما بالنسبة للمراقبين الغربيين.
الصحفي والمحلل السياسي فراس علاوي، رجّح أن تكون دعوة الأسد إلى القمة “اضطرارية”، وذلك بسبب وجود إيران التي ربما تكون اشترطت حضور الأسد، كذلك قد تكون رغبة من بعض الدول العربية لاستكمال ملف “التطبيع” العربي مع دمشق، متوقعا عدم وجود تأثير يذكر لحضور الأسد على ملف إنهاء الأزمة الإنسانية في غزة.
قد يهمك: موسكو تؤمن شحنات أسلحة إيرانية في سوريا.. ما الذي تسعى إليه روسيا؟
كذلك فإن وجود سوريا على خط المواجهة بين “حماس” وإسرائيل، يحتم ربما وجود الأسد في عملية حلّ الصراع، خصوصا في ظل محاولات ميليشيا “حزب الله” اللبناني، توريط دمشق بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، الأمر الذي ترفضه دمشق حتى الآن على الأقل، بالنظر إلى التصريحات السورية فيما تخص طريقة تعاطي القيادة المركزية في دمشق مع الصراع الدائر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ما يمكن أن يقدمه الأسد
أما عن فعالية المشاركة فقد أكد علاوي في حديث خص به موقع “الحل نت” أن مشاركة الأسد لن تقدّم عملياً أيّة إضافة للقمة الطارئة، التي وصِفت مخرجاتها بـ”الضعيفة جدا”، وأضاف “سوريا بالتأكيد لها تأثير، لكن التأثير السوري حاليا ليس بيد بشار الأسد، لذلك فإن الجانب العربي أراد حضور إيران، في إطار الجهود الرامية لإنهاء التصعيد في غزة”.
خلال كلمته في القمة العربية الإسلامية السبت الفائت، أشار الأسد إلى أن التصعيد الإسرائيلي على غزة استمرارٌ لسياق عمره 75 عاما، و32 عاما من “سلام فاشل” نتيجته الوحيدة المطلقة، غير القابلة للنقض والتفنيد، هي أن “الكيان ازداد ظلماً، والوضع الفلسطيني ازاد ظلماً وقهراً وبؤساً، لا الأرض عادت ولا الحق رجع، لا في فلسطين، ولا الجولان” على حدّ تعبيره
الأسد اعتبر أن بحث المجازر في غزة غير ممكن دون البحث في المجازر الصهيونية التي جرت بحق الفلسطينيين سابقاً، معتبراً أن الطارئ اليوم هو “تفوق الصهيونية على نفسها في الهمجية”، وتابع “هذه الحالة أنتجت حالة سياسية مفادها أن المزيد من الوداعة العربية تساوي المزيد من الشراسة الصهيونية تجاهنا، والمزيد من اليد الممدودة من قِبَلنا تساوي المزيد من المجازر بحقّنا” حسب قوله.
يبدو أن بعض الدول العربية لم تيأس بعد من محاولاتها “التطبيع” مع دمشق بقيادة الرئيس السوري بشار الأسد، إذ بدى واضحا أن “التطبيع” مع الأسد يحتاج إلى موافقة غربية لإعادة تعويمه على المستويَين الإقليمي والدولي، الدول الغربية التي لا تتوقف عن توثيق انتهاكات الأسد وقواته ضد السوريين، تغذّيه سجلّه الممتلى بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية.
كذلك فإن بشار الأسد ذاته، فشل في تقديم أي شيء للدول العربية التي حاولت “التطبيع” معه خلال الأشهر الماضية، خصوصا فيما يتعلق بملفّي المخدرات التي غزت بعض الدول العربية قادمة من سوريا، والملف الآخر الرئيسي المتعلق بكبح جماح الميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية، بل إن ما حصل هو العكس تماما.
تغييرات قادمة؟
هناك العديد من الأطراف الإقليمية التي تتخوف من تغيير إيران لموقفها، وبالتالي إقدامها على المشاركة المباشرة في الصراع الدائر، وبالتالي توسع الصراع إلى جبهات أخرى في سوريا ولبنان، خصوصا في ظل تحدّث تقارير إعلامية عن تحركات جديدة لميليشيات إيرانية جنوبي سوريا قرب الحدود مع إسرائيل، الأمر الذي لا ترغب به معظم دول الشرق الأوسط.
هذه السيناريوهات في ظل امتداد النفوذ الإيراني في سوريا، تفرض ربما على الجهات الإقليمية الفاعلة العمل على تغيير شكل السيطرة في سوريا، إذ أن فشل الأسد في ضبط الميليشيات المنتشرة على الأراضي السورية، قد يعني تحرّكا عربيا بالتنسيق مع القوى الغربية لإعادة الاهتمام بالملف السوري وفق رؤيةٍ قد لا تتضمن دورا لبشار الأسد في المرحلة القادمة.
يبدو جلياً أن المنطقة باتت أمام حلفَين اثنين؛ الأول تقوده واشنطن والدول الغربية بالاشتراك مع الحليف الإسرائيلي، والثاني تقوده موسكو وطهران، فيما يبدو أن على دول المنطقة الاختيار بينهما، وقد يؤدي خيارها في مساندة أحد الحلفَين للإطاحة بأنظمة ودول، أو تثبيتها وتقويتها.
وسيطرة الجانبين الروسي والإيراني على السيادة السورية، تعقّد المشهد بالنسبة للدول الغربية إذ يبدو التواصل مع دمشق بشأن قضايا المنطقة معقّدٌ للغاية، ما قد يدفع باتجاه سيناريو “تغيير الأسد”، إلا أن هذا السيناريو يواجه حاليا العديد من العقبات أهمها ردّ فعل الحليفَين لدمشق طهران وموسكو.
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا

