مع العام الثالث للحرب الروسية الأوكرانية، تتكشف مجموعة حقائق، مفادها أن الصراع على ما يبدو بين روسيا والغرب لن تكون محطته الأخيرة النهائية في كييف، بل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي فاز في الانتخابات، قبل أيام قليلة، وسط شكوك حول “نزاهة” ذلك الاستحقاق الذي جرى في ظروف معقدة من الناحية السياسية المحلية والدولية، فضلا عن انعكاسات ذلك الأمنية بحق المعارضين الروس وآخر ضحاياها أليكسي نافالني، يمد بصره نحو الغرب وفي عمق مدى تلك الرؤية عداء تاريخي يفاقمه الوضع المأزوم حاليا.

بالتزامن مع تهديدات بوتين المستمرة باستعمال السلاح “النووي” التكتيكي، وكذا بعث أزمات متباينة ضد الغرب، جاءت وثائق صحيفة “ذا صن” البريطانية، تفضح خطط روسية تجاه تعميق مستوى الصراع والأزمات حتى لو جرى إنهاء غزو كييف. والوثائق الاستخبارية الألمانية تؤشر إلى أن موسكو تباشر هجمات واسعة النطاق مع عام 2026.

توسيع نطاق الصراع مع الغرب

بوتين لا يتوقف عن سياسة عدائية مباشرة من خلال توسيع نطاق الصراع ضد الغرب، وهو بذلك يسعى إلى إحداث انقسام وتصدع بنيوي في معادلة السياسة الروسية وفرضها على المجتمع الدولي، وفق المعادلة السوفيتية في فترة الحرب الباردة، بحيث يضحى العالم أمام قطبين متباعدين ومعسكرين كل منهما يقف على أطرافه بانتظار صراعات وحروب وشيكة. 

بحسب الوثائق، يقوم الروس بإعادة تنظيم الجيش وتكثيف عملية إنتاج الأسلحة لمضاعفة القوة الروسية العسكرية خلال الخمسة أعوام المقبلة، بما يفرضه كل ذلك من ترتيبات تتصل بتحركات القوات، ونشر الصواريخ في غرب البلاد. بالتالي، افترضت أجهزة الاستخبارات الغربية بناء على المعلومات المتوفرة في الوثائق المسربة، وفق ما تقول الصحيفة البريطانية، إلى استنتاج يرجح أن الهجوم الروسي على دول (الناتو) “لم يعد مستبعدا” اعتبارا من عام 2026. 

وتضيف “ءا صن”: “مسؤولون في حلف شمال الأطلسي يشعرون بالقلق إزاء القدرات العسكرية الروسية المتنامية، لكنهم لا يعتقدون بالضرورة أن ذلك يعني أن الغرب سينجر إلى حرب مع روسيا”. لكن ثمة تقييم آخر للاستخبارات الأميركية، يشير إلى أن روسيا بحاجة إلى فترة بين 5 إلى 8 أعوام حتى تتمكن من استعادة قدراتها العسكرية التي كانت عليها موسكو قبل شباط/ فبراير 2022.

في رسالة تم العثور عليها بالوثائق المسربة، ترجح الصحيفة البريطانية أنها قد بعثت إلى فلاديمير بوتين من قبل رئيس “مجلس الدوما” البرلمان الروسي، فياتشيسلاف فولودين، تحمل أفق سياسات من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ مع فترة بوتين الرئاسية الجديدة، وهي سياسات يتعين عليها أن تحقق هدف “إغراق أوروبا على الأرجح في الحرب”. 

هذه الخطط “المخيفة لمهاجمة أوروبا” بحسب الوثائق الاستخبارية الألمانية، تقوم على 5 مراحل، وستدخل حيز النقاش والمراجعة بعد الانتخابات الرئاسية. والمراحل هي: “تأميم الصناعات الرئيسة، والزيادة الهائلة في الرقابة، وسحق المعارضة، والتخلص التام من التغريب في روسيا، وتصدير الفوضى إلى مختلف أنحاء أوروبا”.

وبحسب الرسالة، فإنه “بعد انتهاء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا وسقوط نظام كييف، فإن المواجهة بين روسيا والغرب لن تتوقف، بل ستشتد”. كما حملت تلك الرسالة التي بعث بها رئيس البرلمان الروسي لبوتين انتقادات عنيفة لمعاهدة السلام التي تم توقيعها بعد عام من نجاح الثورة البلشفية، بينما أنهت انخراط موسكو السوفيتية في الحرب العالمية الأولى عام 1918. وهي معاهدة “بريست ليتوفسك” ووصفتها الوثائق بـ”المخزية”. وضمن شروط المعاهدة، هي خروج أوكرانيا وبولندا وبيلاروسيا وبعض المناطق في البلطيق مثل ليتوانيا وكذا مناطق في القوقاز مثل باتوم من سيطرتها. 

لذا، تطالب الرسالة “ضرورة إلغاء المعاهدة”، مما يعني دخول هذه المناطق دائرة الصراع وزحف روسيا العسكري واشتهاء بوتين الحرب لاستعادة السيطرة ومد النفوذ. بوتين بخلفيته المخابراتية يتمتع ببراغماتية كبيرة تجعله يتمكن من الصمود رغم العقوبات الاقتصادية الصارمة والموجعة، لكنه يؤمن بأن “انهيار وتفتيت الاتحاد السوفيتي هو أكبر خطأ استراتيجي وجيوسياسي في القرن العشرين”، حسبما يوضح الباحث المختص في العلوم السياسية وقضايا الأمن الإقليمي زياد سنكري. 

حلم “الإمبراطورية الروسية”

يقول سنكري لـ “الحل نت”، إن يوتين “لا زال يؤمن بالإمبراطورية الروسية ومحيطها الاستراتيجي والجيو استراتيجي الذي يشكل له ضمانة واسعة. ولكن القرار الأميركي تحديدا بتوسيع حلف الناتو ليضم دول الاتحاد السوفيتي السابق بعث بمخاوف بوتين، وهدد عمقه الجيوسياسي الحيوي، حيث يعتبر (بوتين) هذه الدول بأنها الحديقة الخلفية لموسكو، وهذا ما دفعه إلى حد كبير من التهديدات العسكرية لدرء ما يعتبره اعتداء علني لبلاده. وللتذكير ما زال موضوع توسيع حلف الناتو ملفا مثيرا للجدل بين خبراء السياسة الأميركيين الذين يطرح بعضهم جدوى توسيع هذا الحلف، وأنه يعطي مبررا لبوتين لشد العصب القومي الروسي، وإظهار بلاده أنها تحت التهديد الغربي عموما والأميركي خصوصا”. 

من هنا، يبقى اهتمام بوتين الأساسي هو مقارعة الولايات المتحدة، وهذا ليس تقليلا من دور بعض الدول الأوروبية، وفق الباحث المختص في القضايا السياسية وشؤون الأمن الإقليمي. موضحا أن “بوتين يدرك أن الولايات المتحدة هي عصب حلف الناتو ولا فعالية لهذا الحلف دون القيادة الأميركية. فأميركا هي بلد كبير وشعبها ذو أعراق وديانات وأطياف ومشارب مختلفة. من هنا رأى جهاز المخابرات العسكرية الروسية مدخلا للاستمرار في بث بذور التفرقة في الداخل الأميركي مستغلا وسائل التواصل الاجتماعي وبروز اليمين الأميركي المتطرف والذي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة يقوم هذا اليمين بمحاباة موسكو والدفاع عنها وعن زعيم الكرملين في سابقة خطيرة وتحول وانقلاب على مواقف اليمين التقليدية والتي كان نجمها الرئيس رونالد ريغان وجورج بوش الأب”. 

روسيا و”الناتو” – (تعبيرية)

سنكري يردف، أن “تقرير رئيس مكتب التحقيقات الأميركي السابق روبرت موللر، والذي كُلف بالتحقيق باحتمالية تواطؤ دونالد ترامب مع الروس في الانتخابات الأميركية، والذي كشف بكل وضوح استخدام المخابرات الروسية لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل ناجح وممنهج وكان له تأثير واسع في تقليب الأميركيين على بعض من خلال بث نظريات المؤامرة واللعب على الوتر العرقي بين الأميركيين. وهذا السلاح أثبت فعالية كبرى وبتكلفة تكاد لا تذكر. وفقط لإلقاء الضوء على تفكير بوتين، علينا مشاهدة مقابلته الأخيرة مع الإعلامي الأميركي اليميني تاكر كارلسون والذي كان لقاء معدا للبروباغاندا الروسية، حيث استفاض بوتين بالحديث عن الإمبراطورية الروسية وتاريخها، إذ يؤمن بأن كل دول الاتحاد السوفيتي السابق هي جزء من روسيا وأنها دول اصطناعية، حتى أن المذيع الأميركي المشهور قام بجولة في مدينة موسكو ومحطة قطارها حيث كال المديح للروس وهاجم الساسة الأميركيين”. 

بوتين في كل حديثه يؤمن بأن عليه شد العصب الروسي من خلال تمجيد الماضي، والحديث عن العدو الغربي الأميركي، وفق سنكري. هذا فقط ما يمكّنه من إبقاء قبضته على السلطة بحيث يصور نفسه بأنه الرجل الذي سيعيد “أمجاد موسكو السابقة”.

تأجيج وتحريض ضد الغرب

في الخطاب السنوي بالكرملين، اتهم بوتين الغرب بمحاولة “تدمير” روسيا، وعاود الإشارة إلى تهديداته باستخدام النووي في حال تم إرسال قوات برية لأوكرانيا. وأشار إلى أن “الترسانة النووية الروسية أكثر حداثة من أية ترسانة أخرى”. 

وبالعودة إلى الوثائق الاستخبارية الألمانية المسربة، فقد عرج فولودين في حديثه، على أن “لجان مجلس الدوما، مجلس النواب بالجمعية الفيدرالية الروسية، ستكون مستعدة لبدء العمل على مشاريع القوانين، وسيشمل ذلك تشديد الرقابة في جميع أنحاء روسيا، بخاصة على التلفزيون والإنترنت”. مشيرا إلى أن “استمرار الدعم الغربي لكييف سيعطل أي احتمالية لإنهاء الحرب وسيطيل أمد الصراع”. 

وثمة إشارة أخرى بالوثائق حول قدرة البرلمان الغامضة على حل مسألة المعارضة الروسية لسياسات بوتين، لجهة تعزيز أو بالأحرى نفوذ حكم بوتين، وفي ما يبدو أن تلك الإشارة الأخيرة لها صلة مباشرة بالعقوبات الغربية على موسكو التي تزامنت مع الذكرى الثانية للحرب الروسية الأوكرانية كما أعقبت وفاة المعارض الروسي أليكسي نافالني داخل السجن، وقد هدد الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف بـ”الانتقام” وتكبيد الاقتصاد الغربي خسائر جمة. 

قال ميدفيديف على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تيليجرام“: “كلما ساء وضع المواطنين الروس، تحسن وضع العالم الغربي. علينا جميعا أن نتذكر ذلك وننتقم منهم أينما أمكن. إنهم أعداؤنا”، وشدّد على ضرورة “إثارة مصاعب للاقتصاد (الغربي) وتأجيج الاستياء العام حيال سياسات السلطات الغربية غير الكفوؤة”. كما حرض على نحو غامض ومبهم بأعمال ضد الغرب من دون توضيح أو تحديد لطبيعة تلك العمليات المطلوبة، وقال إن “تنفيذ أنشطة من نوع آخر على أراضيهم، لا يمكن مناقشتها في العلن”.

وفي حديثه لـ “الحل نت”، يوضح الباحث المصري المختص بالعلوم السياسية الدكتور محمد ربيع الديهي، أنه ليس ثمة شك في أن الرئيس الروسي يمتلك عقلية تختلف عن الرؤساء السابقين لروسيا، وبما يجعل إدارته للعلاقات مع الغرب مغايرة ومأزومة، حيث يرى بوتين أن “تحركات الغرب تحمل تهديدات للأمن القومي الروسي، خاصة في ضوء توسعات حلف الناتو الذي بات يتوق الدولة الروسية من اتجاهات عديدة. وفي سياق تنامي التهديدات من وجهة النظر الروسية يباشر بوتين سياسته في البحث عن وسائل للحد من الدور الغربي”. 

ومن بين تلك الوسائل، هي “التلويح باستخدام القوة العسكرية، ومنها السلاح النووي التكتيكي، أو بالمطالبة بإبرام اتفاقية تضمن عدم التهديد للأمن القومي الروسي وهو الأمر الذي رفضه الاتحاد الأوروبي. وهنا يمكننا القول إنه رغم العقلية العسكرية لبوتين إلا أنه يسعى دائما إلى إيجاد اتفاقيات أو معاهدات مع الطرف الغربي لضمان الأمن القومي الروسي. ولذلك يمكننا القول إن احتمالات فتح روسيا جبهات جديدة بعد أوكرانيا هو أمر وارد حدوث. ولكن في ظل عوامل محددة وشروط بعينها، وهي عدم التوصل لاتفاقيات مكتوبة تنهي الصراع وتحدد الأفق الاستراتيجي للمصالح بين الأطراف المنخرطة في الصراع، الغرب والولايات المتحدة، من جهة، وروسيا، من جهة أخرى”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات