بعد توليه فترة رئاسية جديدة تمتد لست سنوات، بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التخطيط لزيارات إلى الدول الحليفة لموسكو، لتعزيز العلاقات وكسب شرعية دولية أكثر، في ظل تشكيك الدول الغربية بنتائج الانتخابات ووصفها بأنها “غير نزيهة”، إذ ستكون زيارته الأولى إلى الصين والتي تعد الحليف الاقتصادي الأبرز بعد خسارة السوق الأوروبي في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية على “الكرملين”. 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أفصح عن زيارته الأسبوع الماضي، خلال اجتماع مع مجموعات برلمانية، حيث قال إنه يفكر في زيارة الصين، لتكون أول رحلة خارجية له خلال فترة ولايته الرئاسية الجديدة، بعد الانتخابات التي جرت في منتصف آذار/ مارس الجاري.

جاء ذلك بعد أن أعلنت وكالة “رويترز” في نفس اليوم عن الزيارة، إذ نقلت عن 5 مصادر قولها إن “بوتين سيزور الصين في أيار/ مايو المقبل لإجراء محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، فيما قد تكون أول زيارة خارجية لبوتين في فترة ولايته الرئاسية الجديدة.”

هذه الزيارة ترسم بعض ملامح الفترة المقبلة لاستراتيجية بوتين، والتي تأتي بعد أن فاز بالانتخابات بأكبر نسبة في تاريخ روسيا (87.28 بالمئة)، بينما وصفت دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، الانتخابات أنها “ليست حرة ولا نزيهة لأن الرئيس بوتين زج بمعارضيه في السجن ومنع آخرين من الترشح في مواجهته”، في حين هنأت الصين ودول أخرى الزعيم الروسي على تمديد حكمه 6 سنوات.

رمزية الصين لبوتين

بعد الانتهاء من الانتخابات يلتفت بوتين إلى المضي قدما بأهدافه الاستراتيجية في ظل العزلة الغربية على موسكو إثر الخلافات الجيوسياسية التي عمقها الغزو على أوكرانيا -التي دخلت عامها الثالث- وترجيح فرض عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، في خطوة تستبق الأحداث، ناهيك عن إضفاء شرعية أكبر لنتائج الانتخابات، لذا فإن زيارة بكين بالنسبة لبوتين هي بداية الخروج من مشهد الانتخابات الرئاسية وهو بحد ذاته عبارة عن بداية فكرة كسر الحصار، بحسب حديث المحلل السياسي، د. عامر السبايلة.

بلا شك الصين هي الوجهة الأولى والأساسية، وفق حديث السبايلة لـ “الحل نت”، لأن بوتين بالنهاية يدرك تماما أن تجريده من ورقة الصين تعني له الكثير وبالتالي كل ما قام به من خطوات على مدار السنوات الماضية كانت بكين حجر زاوية به بكل التحالفات وكل البحث عن تشكيلات اقتصادية أو حتى سياسية، فمن الطبيعي الانتقال إلى أن تكون الصين برمزية زيارته والمحطة بالنسبة له. 

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خص الصين، بتصريحات مباشرة خلال خطابه الأول عقب فوزه بالانتخابات الرئاسية بولاية خامسة، حيث وجه رسائل عديدة قوية تبرز مستوى العلاقات مع الصين، واصفا العلاقات بين موسكو وبكين، بأنها عامل استقرار وقوية للغاية.

بوتين مع بينغ – (جيتتي)

وأضاف بوتين خلال “خطاب النصر”: “مصالحنا القومية تتوافق، وهذا يخلق بيئة مواتية لحسم مهامنا المشتركة وفي مجال العلاقات الدولية، حيث تعد العلاقات بين روسيا والصين عامل استقرار”، بينما قال، إنه يأمل في أن يواصل البلدان تعزيز تعاونهما، وتعزيز العلاقات وتحقيق نجاحات مشتركة لصالح شعبي روسيا والصين.

وهو ما يبدو واضحا، أنه رسالة تمهيدية ذات بعدين، الأول لبكين والثاني للدول الغربية تتمثل بالمزيد من الاتفاقيات الاستراتيجية وتوسيع التحالف فيما يخص القضايا التي تتفق عليهما الدولتين. 

بحسب حديث المحلل السياسي خالد شنيكات لـ “الحل نت”، فإن هذه الزيارة ستجدد التأكيد على الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، حيث ترى موسكو أن بكين تمثل بديلا عن الغرب بعد انقطاع العلاقات الاقتصادية وفرض الدول الغربية العقوبات على روسيا. “لمواجهه العقوبات الغربية تشكل الصين نافذة كبيرة بالنسبة لروسيا؛ يمكن الاعتماد عليها في تزويدها بكافة الإمدادات التي تنقصها”.

وهذا يتفق مع المحلل السياسي الروسي أندريه أونتيكوف، إذ يرى في حديث لـ “الحل نت” أن هذه الزيارة تأتي للتأكيد، على أن بكين هي الشريك الاستراتيجي وحليف لموسكو بعد فرض العقوبات عليها، إذ باتت الصين من أهم الدول التي تتعاون روسيا معها وتساعدها في بعض الأحيان للتغلب على العقوبات. 

بكين بوابة موسكو

على الرغم من ذلك، فإن تحالف بكين مع موسكو لن يكون متوافقا تماما معها، إذ أن الصين لا تود قطع علاقاتها مع الدول الغربية في ظل وجود مصالح تجمعهما، ناهيك عن أنها لا تتبنى فكرة العداء المطلق، لذلك هي تعمل بنهج التوازن في علاقاتها مع جميع الأطراف، في حين أن موسكو تدرك ذلك وتريد الاستفادة من النهج الصيني. 

بحسب السبايلة، فإن بوتين يريد تعميق العلاقة مع الصين ويريد أن تكون بكين أقرب إلى موسكو وقادرة أيضا على تجسير خلافات على المستوى الدولي في أي مكان، خصوصا أن ما يجري الآن، حرب استنزاف والمواقف الأوروبية بدأت تتخذ بعدا جديدا، وبالتالي يمكن أن تكون الصين هي اللاعب الأبرز والأهم في الفترة القادمة لإحداث نوع من التوازن في هذه العلاقة وفي حالة العداء.

“محاولة بوتين تضمين نفسه للصين ومحاولة وضعها في موضع الوسيط مهم بالنسبة له، خصوصا مع تكاثر المشاكل بالنسبة للإدارة الأميركية في عدة أماكن واقتراب الانتخابات الرئاسية وبالتالي هناك فرصة في محاولة التأثير على الأوروبيين أيضا عبر بوابة الصين”، بحسب السبايلة. 

وكالة “رويترز” نقلت عن مصدرين من المصادر الخمسة التي تحدثت إليها، أن زيارة بوتين ستأتي قبل رحلة الرئيس الصيني شي جين بينغ المقررة إلى أوروبا، حيث سيلتقي شي بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس في شهر أيار/ مايو القادم، في أول رحلة له إلى أوروبا منذ الوباء، حسبما صرح العديد من المسؤولين المقيمين في باريس وبروكسل لصحيفة “بوليتيكو” الأميركية.

يأتي ذلك على خلفية جهود الصين لإقناع الدول الأوروبية بأن تسمح لروسيا بحضور مفاوضات السلام المستقبلية المحتملة حول أوكرانيا في سويسرا، إذ ألمحت بكين أنها ستقاطع أي مفاوضات سلام لن تشارك فيها موسكو، وفق “بوليتيكو”.

في هذا السياق، فإن الصين، بحسب السبايلة، لن تقف مع أي طرف في النهاية، فبكين نموذجها نموذج مستقل مبني على فكرة الازدهار الاقتصادي والتعاون وفكرة الانفتاح على الجميع.

“حتى لو كانت بكين تدرك أن هناك حالة عداء مباشر واستهداف من قبل الولايات المتحدة إلا أنها تعمل على فكرة احتواء الصدمة ومن ثم الانتقال إلى مرحلة ثانية، لهذا فكرة أن تنحاز الصين إلى روسيا في حرب هي فكرة صعبة بالنسبة لعقلية بكين التي هي ترغب أن تكون عامل توازن وصانع استقرار ووسيط لحل الأزمات، لا طرفا فيها”، وفق السبايلة.

في شباط/ فبراير 2022، وقبل أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا، أبرمت الصين وروسيا اتفاق شراكة “بلا حدود”، خلال زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين لبكين لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية.

الصين تستغل روسيا في مساعيها لإعادة توحيد تايوان معها، إذ أنها تعتمد على روسيا بذلك وتريد لموسكو أن تكون ضمن جبهتها بإمكانياتها وموادها الخام الضخمة، بحسب خالد شنيكات، حيث أن تنامي الشراكة الروسية الصينية يوفر لبكين ميزات تفاوضية مع الدول الغربية فيما يتعلق بمطالب الصين من الغرب، وخاصة ما يتعلق بتايوان. 

مصالح اقتصادية 

لا تتوقف المصالح المتبادلة بين موسكو وبكين عند هذا الحد، حيث جنت الصين عوائد كبيرة من عزلة موسكو دوليا والعقوبات المفروضة عليها، في حين أن الأخيرة وجدت من بكين سوقا بديلا عن القارة الأوروبية، لذلك سيكون المحور الاقتصادي حاضرا بقوة ضمن أجندات زيارة بوتين. 

حتى الآن تسير الصين بخطين متوازيين في العلاقة مع روسيا والغرب وتريد الاحتفاظ بعلاقتيهما معا، وفق شنيكات، خاصة وأن السوق الروسي أصبح يحتاج إلى ملء الفراغ بعد انسحاب الشركات الغربية من موسكو عقب الحرب في أوكرانيا، ومن المؤكد ان الشركات الصينية ستملأ الفراغ في روسيا وتستفيد من الفرص الاستثمارية التي يوفرها الاقتصاد الروسي.

الاقتصادان الصيني والروسي متكاملان للغاية، حيث تصدّر روسيا الموارد الطبيعية التي تحتاجها الصين لدعم اقتصادها الصناعي، بينما تبيع بكين لموسكو البضائع التي يريدها المستهلكون الروس. يوجد هناك المشروع الاقتصادي بين روسيا والصين وهناك الكثير من النقاشات حول خصوصية هذا البرنامج، بحسب أونتيكوف.

علما الصين وروسيا – إنترنت

“أنا أتحدث هنا عن بناء خط أنابيب الغاز قوة سيبيريا 2، حيث لا يوجد توافق بين موسكو وبكين حول شروط بناء واستعمال هذه الأنابيب، لذلك أعتقد أن التركيز الكبير سيكون على هذا الموضوع بين الرئيسين”، يوضح أونتيكوف. 

وأظهرت بيانات جمركية صينية، أن التجارة مع روسيا سجّلت رقما قياسيا قدره 240 مليار دولار العام الماضي 2023، على وقع تنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية بين بكين وموسكو، بينما ذكرت وكالة “إنترفاكس” الروسية نقلا عن هيئة الجمارك الروسية، بأن الصادرات إلى آسيا التي حلّت مكان أوروبا، كأهم سوق للطاقة الروسية، ارتفعت بنسبة 5.6 بالمئة إلى 306.6 مليارات دولار.

بناء على ما سبق، فإن تولي بوتين ولاية جديدة وترجيح بقائه في الحكم لولاية أخرى أي حتى العام 2036، سيقود إلى تعميق العلاقات بين موسكو وبكين بمسعى من الطرفين للظهور بمظهر الثنائي القوي في وجه الغرب والحاجة الاقتصادية للجانبين، لكن الصين ستبقى تراقب التطور على الساحة الدولية والموقف الغربي من موسكو لتحافظ على التوازن في علاقاتها، فهي تخشى أن تتضرر مصالحها أيضا. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
5 2 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة