منذ العام 2008، حاولت حركة “حماس” بسط سيطرتها الكاملة على قطاع غزة؛ عبر تصفية الجيوب العشائرية المسلحة، سواء تلك الموالية لحركة “فتح”، مثل عائلتي دغمش وحلّس، أو تلك التي وصفتها “حماس” بالخارجة عن القانون، والتي أفادت تقارير أمنية بضلوع أفرادها في ممارسة التهريب والجريمة المنظمة؛ ووجّهت أصابع الاتهام بالأخص إلى عشيرة الأسطل.  

ومع انهيار الوضع الأمني في القطاع، إثر الضربات التي وجهتها إسرائيل إلى القطاع؛ انتقاماً من عملية “طوفان الأقصى”، بالإضافة إلى قيام إسرائيل باستهداف عناصر الشرطة في القطاع؛ لجأت العشائر إلى تشكيل لجان مسلحة لحماية ممتلكاتها في ظل الفوضى والقصف والتهجير الداخلي، وذلك بالتزامن مع المذبحة التي لحقت بالعشرات من أفراد عائلة دغمش، وعلى رأسهم مختار العشيرة التي تتمركز شمال قطاع غزة.

وعلى الرغم من التقارير التي أشارت إلى مسؤولية “حماس” عن مقتل مختار عشيرة دغمش، صالح دغمش (أبو محمد)، إلا أن مسار الأحداث يشي بصعوبة ذلك، نظراً للضغط العسكري الكبير الذي تقع “حماس” تحت وطأته منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، بالإضافة إلى ما يعنيه ذلك من فتح جبهة داخلية في مواجهة مجموعات مسلحة، ذات قدرات تسليحية وتدريبية عالية، تعتمد على عناصر تلقّت تدريبات عسكرية ضمن الآليات الأمنية، وفي المعسكرات الخاصة في شرق غزة، والتي أقيمت تحت مسميات مختلفة مثل: لجان المقاومة الشعبية، أو جيش الإسلام. 

وكانت حركة “حماس” توعدت العشائر التي وافقت على التواصل مع إسرائيل، بينما أصدرت العشائر بياناً أعلنت فيه أنّها لن تتعاون مع إسرائيل، وأشادت “حماس” بذلك في بيان وصفت فيه موقف العشائر بالوطني والمسؤول، في مواجهة المخططات التي تهدف إلى خلق هيئات تنسيقية خالية من الوطنية الفلسطينية، بحسب البيان.

الفوضى تفتح الطريق أمام الأشباح

مع انهيار النظام الأمني في قطاع غزة، وتراجع دور الشرطة، في ظل استهداف إسرائيل لعناصرها، بالتزامن مع انقطاع الطرق الرئيسية وانتشار الفوضى بشكل غير مسبوق، وجدت بعض العناصر العشائرية المسلحة، التي لا تنتمي إلى “حماس” أو غيرها، نفسها أمام وضع جديد، حيث تخففت تلك العناصر أخيراً من الضغوطات التي مارستها عليها “حماس” طيلة السنوات السابقة، بالإضافة إلى عناصر كانت تعمل ضمن شركات الأمن والحراسة الخاصة، والتي كان يعتمد عليها بعض المسؤولين ورجال الأعمال لحمايتهم.

فلسطينيون يتفقدون موقع الغارات الإسرائيلية على المنازل في مخيم جباليا شمال قطاع غزة- “رويترز”

ومع بدء تدفق المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، وفي ظل العوز الشديد الذي وصل إلى حدّ المجاعة في عدة مناطق في القطاع، انتشرت ظاهرة الأشباح، والتي تشير إلى عناصر مسلحة، كانت تنتشر ليلاً في المناطق التي هجرها سكانها، ومارست عمليات سطو بدأت عشوائية، قبل أن تأخذ شكلاً من أشكال الجريمة المنظمة.

تقول “لقاء. أ” في تصريحات لـ “الحل نت”، إن الحرب تظهر أسوأ ما في الإنسان، وهو ما حدث بالفعل بظهور العصابات التي تشكّل الكثير منها أثناء الحرب، وينتمي أفرادها إلى عائلات معروفة بالتمرد وإثارة الشغب، حيث بدأت بالفعل عمليات محدودة لسرقة المنازل التي هجرها أصحابها فراراً من القصف. وتلفت إلى أن الظاهرة أخذت وقتاً قبل أن تنتشر، مؤكدة أن منزل شقيقها في خان يونس، تعرّض بالفعل للنهب. وتضيف: “عندما ترك أخي منزله، عاد بعد فترة لزيارته، وكانت كل الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية كما هي، وفي المرة الثانية، وجد الباب مكسوراً، وقد نهب اللصوص المنزل واستولوا على كلّ ما فيه”.

في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، وبحسب مصدر ميداني مطلع، كانت عناصر من عصابة جاروشي الإجرامية، تعقد اجتماعاً في مدينة اللد، لمناقشة كيفية الاستفادة من الوضع المتدهور في قطاع غزة، في ضوء أنباء وردت إليها تؤكد أن عناصر من تنظيم إجرامي منافس، في منطقة مدينتي الطيرة والطيبة في المثلث الجنوبي، ينشط أفراده في نهب المنازل التي هجرها أصحابها في قطاع غزة، بالتعاون مع تنظيم عصابي متمرّس داخل القطاع.

وبحسب المصدر، فإن عناصر من تنظيم الحريري الإجرامي، الذي ينشط في الأوساط العربية، ويتعاون مع عناصر أكثر خطورة في إسرائيل، وخاصّة عائلة البيرون، التي خفت نجمها في السنوات الأخيرة في عالم الجريمة المنظمة في إسرائيل، شرعت بالفعل في شراء المسروقات من أشباح غزة، وبتسهيلات من عدد من ضباط الجيش الإسرائيلي؛ نظير نسبة من قيمة المبيعات.

يقول “إسماعيل .ع” في تصريحات لـ”الحل نت”، إن ممر نتساريم الذي يقسم قطاع غزة إلى قسمين، هو أبرز الممرات التي تستغلها العصابات في غزة، لتهريب المسروقات، تحت مرأى ضباط من جيش الإسرائيلي. لافتاً إلى تعرفه على أحدهم، وهو من عشيرة فلسطينية مسلحة اعتادت ممارسة الجريمة. مضيفاً: “يتم تصنيف المسروقات بحسب أهميتها وقيمتها، ومع الوقت بدأت عملية استهداف منظّم للمنازل المتضررة من القصف، أو تلك التي سقطت فوق أصحابها، حيث دفعت تلك العصابات، بأفراد لديهم مهارات خاصة في التنقيب؛ للسطو على كل ثمين، بينما الجرحى يئنّون تحت الجدران”. 

وبحسب المصدر نفسه، استخدم اللصوص عبوات ناسفة من نوع BTB15، ومواد أخرى متفجرة، لفتح فجوات يمكن النفاذ عبرها بين الكتل الخراسانية؛ لتسهيل عمليات السرقة، وهي أسلحة لا تمتلكها سوى عصابات الجريمة المنظّمة في الداخل الإسرائيلي؛ الأمر الذي يؤكد على وجود تعاون كبير بين الطرفين.

استهداف المساعدات 

يمكن القول إنه من أبرز مساوئ هيمنة حركة “حماس” على السلطة في القطاع، هو أن الأجهزة الأمنية باتت كلها محسوبة على الحركة، ما دفعها إلى الاختفاء هرباً من الاستهداف الإسرائيلي، الأمر الذي جعل شاحنات المساعدات التي تمرّ إلى القطاع من معبر رفح، عرضة للهجمات، وبالفعل تعرض بعضها للرشق بالحجارة، من قبل بعض المواطنين؛ وهو أمر يمكن فهمه في إطار الاحتياج الشديد للطعام؛ في ظل المعاناة الإنسانية الأسوأ في تاريخ الصراع.

مع الوقت، بدأت أشباح الليل في الالتفات إلى ما اعتبرته كنزاً ثميناً بات في متناول يدها، حيث شهدت منطقة صبرا والزيتون، اجتماعاً لبعض العناصر، التي أسست ما يشبه وكراً للإعداد والتوجيه وتخزين مواد الإغاثة التي يتم السطو عليها، بعد نصب كمائن محكمة لشاحنات الإغاثة، وفي هذا الوكر أيضاً تُبرم الصفقات مع عدد من كبار التجار الذين لا يعنيهم سوى المال.

يبدو أن الجميع استقر لديهم الإجهاز على ما تبقى في القطاع المنكوب؛ لكن تظل عمليات السطو التي تمارسها العصابات المحلية، تجسيداً لأسوأ سيناريو يمكن أن يستوعبه عقل.

بدورها، اقترحت مصر على شرطة “حماس”، ارتداء ملابس مدنية، لضبط الأسواق، وخاصّة سوق رفح، وحماية الشاحنات أثناء مرورها إلى القطاع، حيث رفضت القاهرة التورّط في إرسال قوات خاصّة لحماية الشاحنات؛ تفادياً لأي اشتباك مع عناصر فلسطينية، وهو ما أحجمت عنه “حماس”؛ ربما لاحتياجها إلى كل عنصر مسلح من أفرادها، وفقاً لهرم الأولويات لديها.

وبحسب مصدر ميداني في قطاع غزة، فإن بعض العناصر العشائرية التي اعتادت توقيف الشاحنات والسطو على محتوياتها، اختلفت مع أخرى حول تقسيم مناطق النفوذ، في شرق مدينة رفح، ليندلع خلافٌ دموي بين عائلتي الزاملي وأبو عنزة، ممّا أدّى إلى إغلاق الطريق البحري الرئيسي لعدة ساعات، في ظل حدوث اشتباك بالرصاص الحي بين أفراد من العشيرتين.

جدير بالذكر أن محاولة تشكيل لجان شعبية محلية، من قبل بعض العشائر الموالية لـ”حماس”، باءت بالفشل، بعد أن تم استهداف وقتل العديد من زعماء العشائر في رفح والنصيرات من قبل الجيش الإسرائيلي.

وتنذر العملية الإسرائيلية المرتقبة في رفح، بانفجار أنشطة أشباح الليل؛ في أعقاب الخراب المتوقع، وهو ما تعدّ له تلك العناصر جيداً، بحسب مصدر أمني داخل القطاع، طلب عدم ذكر اسمه، حيث أكد لـ “الحل نت”، أنّه جرى رصد أوكار متعددة للجريمة؛ أعاد أصحابها انتشارهم في فترة عيد الفطر الفائت، وأمكن تمييز ثلاثة منها على الطريق البحري في القطاع، وآخر بعد نحو 500 متر فقط من معبر رفح.

امرأة تحمل خبزاً بجوار المنازل المدمرة في رفح بجنوب قطاع غزة -“أ.ف.ب”

كما أكّد المصدر أن عناصر الجريمة المنظمة، لديها عدة أكمنة متحركة على طول طريق صلاح الدين السريع، حيث تنشط تلك العناصر الإجرامية على امتداد مسافة تصل إلى 45 كيلومتراً، من معبر رفح في الجنوب إلى حاجز بيت حانون في الشمال، لكن أخطرها على الإطلاق، تلك المجموعة التي تحتل مساحة نحو 7 كيلومترات، من شمال شرق رفح وحتى خان يونس.

ويبدو أن الجميع استقر لديهم الإجهاز على ما تبقى في القطاع المنكوب؛ لكن تظل عمليات السطو التي تمارسها العصابات المحلية، بالتعاون مع مجموعات في الداخل الإسرائيلي، تجسيداً لأسوأ سيناريو يمكن أن يستوعبه عقل، ضمن المشاهد المؤسفة على أنقاض المحرقة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات