التنافس الإقليمي والدولي على بسط النفوذ في منطقة آسيا الوسطى لا سيما دول “ستان”، بموقعها وثرواتها الهائلة، يخلق سباقا غير متكافئ موسكو والقوى الإقليمية والدولية، ويفتح ساحة جديدة للتنافس في المنطقة التقليدية لروسيا، والتي تعتبرها الضمانة الأبرز لأمنها القومي في القارة الآسيوية.

فبحسب “المجلس الأطلنطي”، تقع آسيا الوسطى، وسط ما أسماه هالفورد ماكيندر “جزيرة العالم“. تتاخمها قوتان تعديليتان، الصين وروسيا، الهادفتان إلى قلب النظام الليبرالي الدولي. وقد ضغطتا بقوة لضمان نفوذهما في المنطقة، إن لم تكن السيطرة السياسية المباشرة عليها. وبعد 30 عاما من الهيمنة السوفيتية على المنطقة، حدّت دولها من النفوذ الروسي الذي لا يزال كبيرا، وأقامت علاقات سلمية وتعاونية متزايدة فيما بينها. ما يسمح لأطراف خارجية بميزة الولوج إليها، لتقليل اعتمادها على روسيا.

تصاعد حدة الصراع الأميركي – الروسي والأزمة الأوكرانية، إضافة لانسحاب قوات “التحالف الدولي”، أي القوات الدولية من أفغانستان، خلق حالة من احتدام التنافس الدولي في الإقليم، حسب نعمة الله قطب الدين، وهو نائب رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الاستراتيجية لدى رئاسة جمهورية طاجيكستان. وهو ما قابلته دول المنطقة بتعزيز العلاقات فيما بينها، ونهج التفاوض لحل المشاكل العالقة فيما بينها منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، مع تفضيل عدم انخراطها في أي صراع غربي – روسي، أو السماح لهما بالتلاعب بمصالح المنطقة. 

خلال حديثه مع “الحل نت”، يقول قطب الدين، رغم ما ينطوي عليه هذا التنافس من تهديدات ومخاطر التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، أو محاولة زعزعة استقرارها، إلا أنه أفسح لدول المنطقة مجال توسيع وتنويع علاقاتها الدولية، سواء مع روسيا والصين أو الولايات المتحدة و”الاتحاد الأوروبي”، وليس نهاية عن كوريا الجنوبية واليابان و”مجلس التعاون الخليجي”.

من جانبها، ترى الباحثة المتخصصة في الشأن الآسيوي في مركز الدراسات العربية – الأوراسية، غدي قنديل، أن إقليم آسيا الوسطى، باعتبارها نقطة تقاطع محورية للقوى الإقليمية والدولية، أفضل مكان لمراقبة اللعبة السياسية الحالية. ويمنح دوله أهمية بوصفها محفزا رئيسا لعالم متعدد الأقطاب. ما يثير عددا من التساؤلات، إحداها، مدى نجاح تلك الدول في مواجهة روسيا على عدة جبهات جيوسياسية، في محاولة للتأثير في بلدان آسيا الوسطى، وإزاحة روسيا منها؟

قاعدة للهجوم على روسيا

بثنائه على أستانا، لرفضها الوقوف إلى جانب موسكو في أزمة أوكرانيا، خلال اجتماعه برئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن نوايا أوروبية لاستغلال دول الإقليم في عدائها مع روسيا، مما قابله وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بالهجوم، واصفا التصريحات بأنها “وقحة لا تليق بلغة دبلوماسية”. وكان المستشار الألماني، أولاف شولتس، قد تطرق أيضا، خلال محادثاته مع زعماء دول آسيا الوسطى الخمس، كازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، في برلين نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى العقوبات المفروضة على روسيا.

بدورها، تعي الولايات المتحدة أهمية المنطقة في الاستراتيجية الروسية، لذا، تسعى لوجود حيوي يعزز نفوذ واشنطن أمام القوتين المنافستين لها عسكريا واقتصاديا، روسيا والصين. لكن، وبموجب نظرة موسكو لدول آسيا الوسطى كامتداد جغرافي وتاريخي وحضاري جمعتهم مظلة دولة واحدة في العهدين القيصري والسوفيتي، فالمنطقة تشكل منطقة نفوذ روسي ممنوع منافسته من قبل الآخرين. وعليه، استشعرت موسكو الخطر إزاء التوجه الإقليمي والدولي الأخير تجاهها. حيث اتهم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين عددا من الدول بأنها تسعى إلى إضعاف قوة منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

لاعتبارات سياسية، أولها الصين وثانيها روسيا وثالثها إيران، تحاول الولايات المتحدة خلق موطئ قدم لها في دول آسيا الوسطى، حسب البروفيسور حسين الديك، وهو أستاذ في جامعة القدس، وخبير بالشؤون الأميركية والعلاقات الدولية، فمن خلال تواجد واشنطن في هذه الدول، سواء بعلاقات سياسية أو قواعد عسكرية أو علاقات دبلوماسية قوية، تكون قريبة من مرمى هدف هذه الدول، والتي تشكل نقيضا أو تضاد، أو تقف بندية في علاقاتها مع واشنطن. مشيرا لتحولات أصابت المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، خلالها لجأت بعض دولها للصين وأخرى للولايات المتحدة، ومنها من بقي ضمن المحور الروسي كبديل عن الاتحاد السوفيتي، ومنها قرغيزستان، التي طالتها الثورات “الملونة” عام 2005، وأخرجتها من العباءة الروسية آنذاك. 

مبادرات عدة يتم توجيه محتواها ضد مصالح روسيا، وبدرجة أقل ضد مصالح الصين، وتلقى أحيانا دعما غير مرئي من أولئك الذين يتخذون القرارات السياسية، حسب مجلس الشؤون الدولية الروسي. مشيرا لاعتبار الغرب دول آسيا الوسطى قاعدة إقليمية ممتازة لشن هجوم ضد مؤخرة موسكو وبكين. ووفق ملاحظات المجلس، تفعل الدبلوماسية الأميركية والأوروبية السرية المزيد والمزيد لتقويض الاستقرار الداخلي لبلدان آسيا الوسطى. ومع ذلك، السياسة المسؤولة لهذه الدول، تجعل هذا الاحتمال غير مرجح. وتشعر حكومات هذه البلدان بالثقة وعدم الشك في قدرتها على إبقاء الحالات المزاجية المدمرة تحت السيطرة. وبالتالي، الاستيعاب الناجح في إطار المؤسسات العامة التقليدية للموارد الغربية الكبيرة المخصصة لتقويض الاستقرار الداخلي في المنطقة.

كازاخستان، خاصرة المنطقة الرخوة

غزو روسيا لأوكرانيا أدى لتضخيم حالة انعدام الثقة الحالية في روسيا من قبل دول آسيا الوسطى، حسب المجلس الأطلنطي. وهذه الحالة أكثر وضوحا في كازاخستان، فالأخيرة كأوكرانيا، يقطنها عدد كبير من السكان من أصول روسية، ما يثير المخاوف لديها بأن تصبح الهدف التالي للعدوان الروسي. وتتأجج هذه المخاوف مع تصريحات بعض المسؤولين الروس، الذين حذروا من أن كازاخستان ستدفع ثمنا باهظا لعدم ولائها لموسكو. غير أن تصرفات بعض المسؤولين الكازاخستانيين تشير لعدم التأثر بهذه التهديدات، إذ ألغت الحكومة الكازاخستانية مؤخرا احتفالات يوم النصر للعام الثاني على التوالي، والذي اعتبره الكثير ازدراء مباشرا لبوتين. 

كذلك رفض الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، صيف عام 2022، الاعتراف بالمطالبات الإقليمية الروسية ضد أوكرانيا، أثناء وقوفه بجانب بوتين في منتدى اقتصادي في بطرسبرغ. كذلك، دعمت كازاخستان أوكرانيا بكميات كبيرة من المساعدات الإنسانية. ما شجّع تركمانستان على إرسال طائرة شحن محملة بالأدوية والإمدادات الطبية لأوكرانيا، وأرسلت أوزبكستان عدة أطنان من المساعدات الإنسانية. وهي تصرفات يجب اعتبارها لفتات جريئة تعكس المناخ الجيوسياسي المتغير، حسب المجلس، نظرا لاستمرار النفوذ الروسي في المنطقة وتوقعات موسكو التقليدية بالولاء.

تصريحات المسؤولين الروس، من وزيري الدفاع والخارجية، أو سواهما من كبار المسؤولين، تحدثوا صراحة بأن انفتاح دول المنطقة على نشاط الجماعات والمؤسسات المدعومة أميركيا أو أوروبيا، يهدد علاقات روسيا مع دول المنطقة، ويستهدف المصالح الروسية في المنطقة، حسب قطب الدين. منوها لضغوط على دول المنطقة لتخفيض علاقاتها مع الجانب الغربي والذي يقتصر حضوره في المنطقة في بعض الاستثمارات ومنظمات المجتمع المدني. وتسير دول المنطقة خطوة بعد أخرى في هذا الاتجاه، لا سيما قرغيزستان وكازاخستان، حيث صوّت برلمان الأخيرة على قانون أقره الرئيس الكازاخي، يضاعف الرقابة الأمنية على نشاطات وتمويلات المنظمات والمؤسسات المدعومة من قبل الغرب.

هذه السياسة مطلوبة من موسكو أكثر من أي وقت مضى، وفي حال نجاح روسيا في رؤية دول المنطقة تفرض رقابة وسيطرة على المنظمات والمؤسسات والجهات، سواء الإعلامية أو البحثية أو الحقوقية، الممولة غربيا، والمروجة للسياسات والمصالح الغربية، يعني إسقاط أهم أوراق القوة الغربية في المنطقة. ويعتقد قطب الدين أن موسكو ستنجح بذلك في المستقبل القريب، وسيفقد الغرب شيئا من حضوره القوي عبر قوته الناعمة في المنطقة، والتي حاولت من خلالها نشر “الروس فوبيا”، واستهداف مصالح روسيا في المنطقة. لكن الحضور والتأثير الثقافي والأمني الروسي موجود بقوة لدى النخب والنخب الحاكمة في المنطقة.

بدوره، يشير “منتدى فالدي” الروسي، لوجود أسباب جدية لتوقع استخدام منطقة آسيا الوسطى من قبل خصوم روسيا والصين من أجل خلق مشاكل إضافية لهم في المجال الأمني، رغم أثبات جميع بلدان المنطقة، باستثناء كازاخستان، أن سلطاتها الوطنية قادرة على حل المشاكل الناشئة أثناء تنميتها السياسية والاقتصادية. فيما أظهرت أحداث كانون الثاني/يناير 2022 في كازاخستان، مدى هشاشة الدولة ومدى سهولة تعرضها للخطر بسبب المشاكل الهيكلية ذات الطبيعة الاقتصادية والسياسية.

كازاخستان وأوزبكستان وسواهما من الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى، تذهب للفلك الأميركي انطلاقا من المرجعية التركية، حسب الديك، حيث تتشارك أغلب هذه الدول مع تركيا اللغة والثقافة والدين، مع انضوائهم معا في منظمة الدول الناطقة بالتركية، ولكون تركيا محسوبة على المحور الغربي، وعضو فاعل ومؤسس في “حلف شمال الأطلسي”، فهي ذات توجه تحكمها العلاقة الأقوى مع الكتلة الغربية، لكن عبر البوابة التركية. وينوه الديك، خلال حديثه مع “الحل نت”، إلى أنه بسبب برودة هذه الجبهات، لم يخرج التجاذب أو التنافر الأميركي – الروسي في تلك الدول إلى العلن بشكل قوي، كما بدى بعد الثورة البرتقالية في قرغيزستان عام 2005.

حلقة وصل غير مقّدرة

بعد الحرب الروسية على أوكرانيا والاضطرابات الجيوسياسية اللاحقة، تعمل كازاخستان بشكل استباقي على تنويع علاقاتها الخارجية إلى حد كبير. ومع ذلك، يتوجب عليها الحفاظ على توازن دقيق بسبب اعتمادها السياسي والاقتصادي الكبير والمستمر على روسيا، حسب منصة “جيمستاون“. وخلال محاولة التمرد الفاشلة، التي قامت بها قوات “فاغنر”، اتصل بوتين بالرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، لإطلاعه على الوضع. كان الرد مقتضبا، عبر وصف التمرد بأنه “شأن داخلي لروسيا”، في إشارة ضمنية إلى أن كازاخستان لن تساعد روسيا في شؤونها الداخلية. 

لدى النخب الحاكمة في المنطقة حساسية شديدة تجاه الغرب، خصوصا الاتحاد الأوروبي، الذي يقرن العلاقات وبرامج العمل أو تنفيذ الاتفاقيات أو الاستثمارات والدعم أو المنح او بمجال حقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة وأشياء أخرى نراها في دولنا أساليب إملاء في العلاقة، حسب قطب الدين. فيما الصين وروسيا لا تهتمان بهذه الأمور، وتسعيان لتحقيق أقصى درجة من الفائدة المتبادلة في مصالحهم، وفي تعزيز نشاطهم الاقتصادي والتجاري، وفي حضورهم القوي في المجتمع بكل أطيافه. لذا تختار دول الإقليم الخيار الثاني.

كنز دفين من الموارد الطبيعية تمتلكه دول آسيا الوسطى الخمس، وتحتل موقعا استراتيجيا في قلب أوراسيا، ويبلغ عدد سكانها مجتمعة أكثر من 78 مليون نسمة. وتدير أغلب التداعيات الدولية الناجمة عن استيلاء “طالبان” على السلطة في أفغانستان. ومع استيعابها للروس الفارين من التجنيد الإجباري، لا تزال تشكل حلقة وصل غير مقدرة في بنية الأمن الدولي، حسب المجلس الأطلنطي. منوها لزيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في شباط/ فبراير 2023، لكازاخستان وأوزبكستان. وخلالها، أشار بلينكن، إلى أن الولايات المتحدة ستساعد هذه الدول على “تطوير أقوى القدرات الممكنة لأمنها وازدهارها الاقتصادي المتنامي وقوة مجتمعاتها ومرونتها”. 

في الجانب الأمني والعسكري والتقني، تفضل دول المنطقة التعامل مع روسيا، وتنظر إليها كشريك استراتيجي موثوق، إضافة لحساسية دول الإقليم تجاه أي تعاون مع الدول الغربية في هذه المجالات. وفيما يخص المجالين الاقتصادي والاستثماري، تفضل الصين في المجال الاقتصادي والاستثماري، ولدى الصين مشاريع إقليمية كبيرة واستثمارات ضخمة في المنطقة. خاتما بالإشارة لقوة علاقات المنطقة مع روسيا، بما لا يمكن للصراع الغربي – الروسي أن يؤثر فيها. وإلى تضاعف الاهتمام الصيني في المنطقة، ضمن رؤية بكين لأي محاولة لزعزعة استقرار المنطقة بأنها محاولة لخلق اضطرابات أمنية على حدودها.  

إلى جانب الصين، تسعى روسيا لمنع وجود غربي في آسيا الوسطى، وينظران إلى “منظمة شنغهاي للتعاون” كأداة لموازنة النفوذ الغربي ومنع هيمنته في المنطقة. كما يمثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي محاولة أخرى للتكامل الإقليمي الاقتصادي، بجوار “معاهدة الأمن الجماعي”، كمظلة للتكامل الأمني. في المقابل، تبّعد الاستراتيجيات الغربية، الأوروبية خصوصا، التي تطالب بإصلاحات لازمة في مجال الديمقراطية، والحريات الأساسية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وتحديث اقتصادها وتنويعه، عن علاقة مزدهرة بين الغرب ودول الإقليم

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات