يمثّل انخراط إيران في عدد من العواصم الإفريقية سواء عبر الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والثقافية، بمثابة البحث عن مساحات حركة تسعى من خلالها طهران العمل على هامش واقع بعض الدول الإفريقية واستغلال وتوظيف تلك الأحداث والظروف التي تقع تحت وطأتها لصالح أنشطتها الاستراتيجية في تلك المناطق الجيواستراتيجية.

وقد تبادلت دول إفريقية مع طهران، في مطلع العام الجاري، عدداً من الزيارات على أعلى المستويات، وكان إبراهيم رئيسي قد أكد خلال مراسم تسلّمه أوراق اعتماد السفير البوركينابي الجديد في بلاده، أن “إيران مستعدة لتوسيع التعاون مع الدول الإفريقية”.

طهران تُظهر اهتماماً متزايداً بالتواجد في القارة الإفريقية من خلال مجموعة من الوسائل، بما فيها سعيها إلى توقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية مع دول القارة أو من خلال افتتاح الجامعات التابعة لها في هذه الدول، وذلك في محاولة لنشر الفكر الشيعي بنسخته المسيّسة في المنطقة التي تسكنها غالبية مسلمة.

تصدير الثورة

نحو ذلك أكد الرئيس الإيراني، رئيسي، يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر نيسان/أبريل الماضي، أن بلاده ودول إفريقيا عازمان على تعزيز العلاقات. واعتبر أمام الملتقى الدولي الثاني بين إيران وإفريقيا في العاصمة طهران: أن “الملتقى خطوة أولى ترمز إلى هذه الإرادة لدى الجانبین”.

لقاء الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ونالدي باندور، وزير خارجية جمهورية جنوب أفريقيا في طهران، إيران في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2023. (غيتي)

وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا)، أوضح رئيسي، أن “طهران ورغم تهديدات وفرض الحظر عليها حققت تقدّما جيدا ويمكن أن نعتبرها دولة متقدمة تتمتع بتكنولوجيا”. مشيراً إلى أن نظرة بلاده لإفريقيا إنما “تختلف على نظرة الدول الغربية لها. فالغرب يريد إفريقيا لنفسه، ولكن إيران تريد إفريقيا للأفارقة، ونظرتها تجاه القارة السمراء تحظى بأهمية”.

في هذا السياق يشير الكاتب السوداني، عبدالجليل سليمان، إلى أنه بطبيعة الحال، يأتي إعلان إيران خلال الملتقى الدولي الثاني بين إيران وإفريقيا الذي التأم في العاصمة الإيرانية طهران، بأن علاقتها بإفريقيا تمثل التوجه الاستراتيجي الراهن بالنسبة لها، يبدو أقرب إلى الحلم من الواقع. 

حاولت إيران ذلك مراراً خلال نحو أربعة عقود، لكنها فشلت في إيجاد صيغة مُثلى للتغلغل إلى إفريقيا، وأبرز مثال لذلك هو علاقتها المثالية مع “الإخوان المسلمين” في السودان ودعمها اللامحدود لهم، لكنهم في ختام المطاف قطعوا حتى علاقتهم الدبلوماسية معها إبان حقبة الرئيس السابق، عمر البشير.

يضيف سليمان في سياق تصريحاته لـ”الحل نت”: “لا أعتقد أن ثمة علاقات استراتيجية ستتخلّق بين إفريقيا وإيران، لأن سياسات الأخيرة وتوجّهاتها الفكرية ومبادئها فيما يتعلق بفكرة (تصدير الثورة)، لا تتسق مع توجّه القارة الإفريقية التي عانت الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية المستمرة وعدم الاستقرار السياسي والفقر المدقع، وطموحاتها نحو التنمية والاستقرار. ولكي نُدلِّل على ذلك، والحديث للمصدر ذاته ، لنأخذ علاقة إيران بالسودان إبّان حكم (الإخوان)”.

تاريخ غير مشرف

يطرح سليمان جملة من التساؤلات منها: ماذا فعلت إيران للسودان؟ وما هي مساهمتها في التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؟. فيما يضع الكاتب السوداني مقاربته لهذه الأسئلة قائلاً: “لم تسهم تلك الأوضاع والتداخلات الإيرانية سوى بضخ المزيد من أدوات الموت والقتل، حيث أنشأت مصنع اليرموك للأسلحة والذخائر الذي استولت عليه (قوات الدعم) خلال الحرب الراهنة”. 

وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا، نالدي باندور (إلى اليمين) ووزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان (الثاني إلى اليسار) يعقدان اجتماعاً في وزارة الخارجية في طهران، إيران في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2023. (تصوير حيدر شاهين/غيتي)

كما كان لـ”الحرس الثوري” الإيراني، اليد الطولى في تدريب وتسليح “الميليشيات الإخوانية” الإرهابية كالدفاع والأمن الشعبي والأمن الطُلابي وكتائب الظِّل وغيرها، ولم تُنشئ مشاريعاً في البنية التحتية أو الزراعة أو الرّي أو مشاريع خدمية في قطاعات الصحة والتعليم، وهذا ما تحتاج إليه إفريقيا، وليس أدوات الموت.

التجربة الإفريقية مع إيران لا تبشّر بعلاقات آنية أو وقتية، دعك عن الاستراتيجية، فـ”حزب الله” اللبناني، أحد أذرع النظام الإيراني في غرب إفريقيا، له تاريخ “غير مشرّف” في الاتجار بالسلاح والمخدرات في الدول الأكثر هشاشة مثل سيراليون، توغو، غينيا بيساو، وغينيا. 

كما أن خبرة دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، التي لها تاريخ قديم مع إيران يمتد إلى قرون، ويتمثل في وجود (الشيرازيين) في دول ساحل المحيط الهندي في كينيا وزنجبار على وجه الخصوص، كانت خبرة مريرة، إذا لم تشفع العلاقات التاريخية لتلك الدول مع إيران ولم تحول دون تدخّلها السالب في شؤونها، بنقل شحنات الأسلحة ونشر الإتجار فيها في كلٍّ من الصومال والساحل الكيني وموزمبيق، بحسب المصدر ذاته.

إن ما قيل في المنبر الخطابي للملتقى الثاني لن يغادر ردهات القاعة الفخمة التي التأم فيها، ليس ذلك فحسب بل حتى زيارة الرئيس الإيراني، رئيسي، إلى كينيا وأوغندا وزيمبابوي في شهر تموز/يوليو من العام الماضي، لن تحرّك مياه العلاقات الإفريقية الإيرانية الراكدة. 

بل ما يحركها هو تخلي إيران عن نشر السلاح وما يتصل به من تخريب وموت ودمار، وكذلك تخليها عن فكرة تصدير ثورتها ونسختها الإسلامية المتطرفة، إذ إن جُلّ المجتمعات الإفريقية لا تميل إلى إسلام متشدد؛ سنّي كان أم شيعي.

ختاماً يقول الكاتب السياسي عبدالجليل سليمان، لـ”الحل نت”، بأنه يرجّح بشكل قطعي أن طهران تحتاج إلى الكثير من التحولات الجذرية في علاقاتها الخارجية على الأقل، لتضع خطوات راسخة في القارة الإفريقية، ما لم تفعل ذلك فإن توجّهها الحالي ستذره رياح الفشل والنسيان.

ساحة خصبة للاستعمار الإيراني

نائب الرئيس الإيراني، محمد مخبر، خلال اجتماعه مع نائب رئيس زيمبابوي كونستانتينو شيونغا، السبت الماضي، على هامش الملتقى الدولي الثاني بين إيران وإفريقيا، أكد أن “تطوير العلاقات مع الدول الإفريقية، هو الاستراتيجية الأساسية لإيران حاليا”. 

تمدد إيران في إفريقيا ما قصة الاتفاقيات دون بنود معلنة؟ (4)
أفراد عسكريون يشرفون على وصول طائرة نقل تابعة للحرس الثوري الإيراني من طراز إليوشن إيل-76 تابعة للحرس الثوري الإيراني في مدينة درنة شرق ليبيا، في مطار بنغازي في 16 سبتمبر/أيلول 2023. (تصوير كريم صهيب/وكالة الصحافة الفرنسية)

وبالمثل ألمح مخبر، إلى القدرات الكبيرة لدى إيران وزيمبابوي لضمان وتوسيع حجم التعاون الثنائي. وقال إن “التفاعلات الاقتصادية والسياسية الإيرانية مع الدول الصديقة والعالم، تقوم على استراتيجية المنفعة المتبادلة للجانبين”.

كما أشار نائب رئيس إيران إلى التبادلات الأكاديمية والطلابية، وتطوير النقل وحل القضايا المالية والمصرفية لتسهيل علاقات القطاع الخاص بين البلدين، كمجالاتٍ أخرى للتعاون بين البلدين، وأكد: “ينبغي على البلدين إجراء المعاملات الاقتصادية بعملتهما الوطنية ولا حاجة لعملة دولة ثالثة، التي هي أيضا العدو المشترك للشعبين”. وأردف: “في هذا الصدد، ينبغي إعداد ومتابعة برنامج التعاون المشترك والشامل لمدة 10 سنوات بين البلدين، كما ينبغي تنفيذ المذكِّرات والعقود المُوقّعة في أسرع وقت ممكن”.

وبدوره أشار نائب رئيس زيمبابوي إلى تطور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأوضح: “إن إيران وزيمبابوي تسيران في نفس الاتجاه، وعلى الرغم من البُعد والمسافة الجغرافية الطويلة، إلّا أن لديهما العديد من الأهداف المشتركة ضدّ نظام الهيمنة”. 

وشدد شيونغا أيضًا على تنفيذ 12 مذكِّرة تفاهُم مُوقَّعة بين إيران وزيمبابوي خلال حكومة رئيسي، وقال: “إنَّ التقدُّم الذي أحرزته الشركات القائمة على المعرفة والقطاع الخاص في إيران، كان مثيراً للإعجاب كثيراً، ونسعى إلى تعزيز البنية التحتية للتعاون الثنائي، على أساس استراتيجية المنفعة اُلمتبادَلة، والاستفادة من قُدرات إيران في مجالات التعدين والطاقة والصحة والطب والزراعة والري الحديث والأمن الغذائي”.

التحالفات القديمة “آيلة إلى سقوط”، الأمر الذي يحتم أن تبرز أحلافاً نحو السباق المحتدم على الموارد؛ خاصة موارد العالم الثالث.

جمال إبراهيم، السفير السوداني السابق في بريطانيا.

كما أن التنافس والصراع على السيطرة على المعابر البرية والمائية قد يحتدم وقد يقضى إلى توترات متعاظمة في نقاط جغرافية كثيرة على خلفية تحركات روسيا في إفريقيا وكذا الصين فضلا عن تركيا وإيران.

يتابع الدبلوماسي السوداني حديثه لـ”الحل نت”، قائلا كل ذلك يجعل إفريقيا ساحة للصراعات وبيئة خصبة لكافة أشكال التنافس الإقليمي والدولي، لا سيما أن مقتضيات الوضع الدولي حاليا آخذةً نحو التغير بشكل كبير وعميق، خاصة مع كل أنواع التطور التكنولوجي والعسكري التي تعزز كافة سيناريوهات السيولة وهو ما يدفع الولايات المتحدة نحو قبض تلك الانفعالات وتقليل معظم تدافعاتها.

عين على اليورانيوم

بعد نحو عقد كامل أو أكثر قليلاً، اهتمت فيها السياسة الخارجية الإيرانية بمحيطها الحيوي الفاعل، أدى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي زيارة لثلاث دول إفريقية خلال منتصف العام الماضي شملت كينيا وأوغندا وزيمبابوي. 

تمدد إيران في إفريقيا ما قصة الاتفاقيات دون بنود معلنة؟ (1)
الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي (إلى اليمين) يلتقي بالرئيس السنغالي ماكي سال (إلى اليسار) في إطار قمة بريكس الخامسة عشرة في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا في 24 أغسطس/آب 2023. (غيتي)

وارتكزت تلك الزيارة وتبعاتها حتى اللحظة استناداً إلى الاتفاقيات الاقتصادية فضلا عن سعي طهران الحثيث الظهور بعيداً عن محددات العزلة الدولية وتجنّب الأثر الثقيل للعقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني.

تحشد إيران رؤيتها وتحركاتها في إفريقيا من خلال عدة زوايا تعتمد فيها على الدولة ومؤسساتها الرسمية وكذا الارتكان على الجماعات الشيعية والحركات شبه العسكرية. وتهتم إيران بالتواجد العسكري لها في شرق إفريقيا ودول القرن رغم حداثة هذا الحضور فضلاً عن تحركاتها في المناطق الهشّة أو التي تعاني من صراعات التمرّد مثلما فعلت مع السودان وإثيوبيا، خاصة في مجال تزويد الأسلحة بغية الظهور ككتلة صلبة على رقعة الصراع والتنافس.

بدوره أشار الكاتب الصحفي المهتم بالشؤون الإفريقية، أحمد سالم سيدي عبد الله، إلى أنه بدايةً من العام الماضي بدأت إيران التحرّك بشكل جدّي من أجل بناء علاقات استراتيجية مع إفريقيا، وفي سبيل ذلك أعادت العلاقات مع جيبوتي، كما قام الرئيس الإيراني بزيارة دول أوغندا زيمبابوى، كينيا..، في سعيٍ منه لإحياء العلاقات مع إفريقيا.

ويحدد الصحفي الموريتاني، أحمد سالم سيدي عبدالله، في إطار تصريحاته لـ”الحل نت”، بأن تلك الزيارة كان عنوانها الأبرز البحث عن وجهة للصادرات الإيرانية، ورغم أهمية هذا الموضوع بالنسبة للبُعد الاستراتيجي لإيران، التي تواجه عزلة، غير أن أهداف إيران تركز في تحركاتها بالنسبة للمراقبين على بُعدين أحدهما ثقافي، تسعى من خلاله إلى تعزيز تواجدها في الأوساط الشعبية الإفريقية، وتستخدم في ذلك خطابا دينيا تقوم بتمويل المشرفينَ عليه، وآخر سياسياً عبر النقد اللاذع لسياسات المستعمر الأوربي، أما البُعد الثاني فيركز على البحث عن وضع اليد على مناجم اليورانيوم في إفريقيا.

من أجل تنفيذ هذا الهدف عمدت إيران إلى توفير معدات عسكرية متطورة للجيوش في نيجريا، والسودان، وبوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وقد مكّنها ذلك من بسط نفوذها في الدول الثلاث الأخيرة بعد دعمها للأنظمة العسكرية فيها، وباتت اليوم أبرز حليف لها، والملاحظ أن إيران تعمد إلى توقيع اتفاقيات سرّية مع هذه الأنظمة غير معلنة البنود، بحسب المصدر ذاته.

مصادر خاصة أكدت لـ”الحل نت”، تسلّم هذه الأنظمة لمعدات عسكرية إيرانية من ضمنها منظومات دفاعية جوية، وطائرات بدون طيار، كما عمدت إيران إلى توقيع اتفاق مع حكام النيجر تتعلق باليورانيوم، كما وقّعت اتفاقيات تتيح امتيازات لصادراتها، ووقّعت إيران اتفاقية خاصة مع غانا تتعلق بالكاكاو.

بالعودة إلى الكاتب الصحفي المهتم بالشؤون الإفريقية، أحمد سيدي عبد الله، فيقول إن ضمن هذا الحراك سعت إيران إلى إنشاء جامعات في دول الساحل، وعدد من الجمعيات الثقافية في عدد من الدول الإفريقية. وقد مكّن الدعم العسكري الإيراني الجيوش في هذه الدول وخاصة في مالي وبوركينا فاسو والسودان من خلق الفارق في المواجهات التي تخوضها ضد الجماعات المسلحة في بلدانها.

يختتم الكاتب الموريتاني حديثه، أنه بعد أزيد من عقدٍ من الزمن لم تستطع إيران زيادة عدد الدول المشاركة في القمة، بيد أن حظوظ تمددها في منطقة الساحل الإفريقي قد يكون أكثر في هذه الجولة نتيجة للعداء المتصاعد ضد المنظومة الغربية فيها، وكذا التواجد الروسي القوي فيها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات