في خضمّ الأزمة السورية المُستمرة، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم مُحاصرين بين مطرقة الرئيس السوري بشار الأسد وسندان لبنان والأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني، حسن نصرالله.

فمن جهة، يعلن الأسد رفضه لعودة اللاجئين إلى سوريا دون أية مبررات سوى عدم قدرة نظامه استقبالهم في ظل الأوضاع الاقتصادية وعدم قدرته على رعايتهم، مسلّطا أسهم أهدافه نحو مليارات مشروع التعافي المبكر الذي أقرّته الأمم المتحدة.

ومن جهة أخرى، يطالب نصرالله بفتح البحر أمام اللاجئين، مُهدّدا بقذفهم فيه إن لم تقدّم الدول الغربية المزيد من المساعدات للبنان ورفع العقوبات عن دمشق. فما هي أهداف هذه التصريحات المتضاربة؟ وهل يحاول الأسد التخلّص من عبء اللاجئين، أم أنّ لديه خططا سياسيةً أخرى؟ وما هي مصائر اللاجئين السوريّين في ظلّ هذه الصراعات السياسية؟

للتخلص منهم والضغط على الغرب

في خطوة مثيرة للجدلِ، دعا حسن نصرالله، أمين عامّ ميليشيات “حزب الله” اللبناني، أمس الاثنين، السلطات اللبنانية إلى اتّخاذ قرار سياسيّ يُتيح فتح البحر أمامَ السوريّين الراغبين في الهجرة إلى أوروبا.

اللاجئين السوريين لبنان سوريا نزوح
حركة احتجاج ضد “توطين السوريين” أمام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بيروت لبنان في 19 مايو/أيار 2023 (تصوير فاضل عيتاني/ غيتي)

ويزعمُ نصرالله أنّ هذا القرار سيساهم في الضغط على المجتمعِ الدوليّ لرفع الحصار عن الحكومة السوريّة، مُتّهما الولايات المتحدة وأوروبا بعرقلة عودة اللاجئين من لبنان.

يأتي هذا الاقتراح قبل يومين من انعقاد جلسة برلمانية لمناقشة ملفّ حزمة المساعداتِ الأوروبية للبنان، والبالغة قيمتها مليار و700 مليون دولار تُصرف على 4 سنوات “لتعزيز استقرار لبنان”.

وتعتزم بعض الكتل النيابية مساءلة الحكومة حول دورها في إعادة النازحين السوريّين، الذين يفوق عددهم المليونين، حسب الأرقام الحكومية.

نصرالله قال في خطاب متلفز: “لنكون أمام قرار وطنيّ يقول فتحنا البحر، أيها النازحون السوريون، أيها الإخوة كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص هذا البحر أمامكم. اتخذوه سفناً واركبوه”.

وأوضح نصرالله أنّه لا يُطالب بإجبار اللاجئين السوريّين على ركوب السفنِ، بل بإعطائهم هامشا من الحرّية للتنقّل، مُشيراً إلى أنّهم ممنوعون حاليا من الهجرة بشكلٍ قانونيّ، ممّا يضطرّهم إلى اللجوء إلى الهجرة غير الشرعية عبرَ قوارب مطاطية، ممّا يعرّضهم للغرق في البحر.

ويؤكّد نصرالله على أنّ الجيش اللبنانيّ ينفّذ قرارا سياسيا بمنع الهجرة، ممّا يجبر اللاجئين على اتّخاذ هذه الخيارات الخطيرة. لذا اعتبر نصرالله أن توفّر “إجماع وطني” على فتح البحر أمام اللاجئين كفيل بدفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى المساعدة في إيجاد حلّ.

ودعا البرلمان إلى الضغط على الاتحاد الأوروبي وواشنطن لرفع العقوبات على سوريا والتي تعيق إعادة الإعمار. وقال “إذا لم ترفع العقوبات عن سوريا، فلا يمكن إعادة اللاجئين إليها”.

الأسد لا يريد عودة السوريين

كشف وزير لبنانيّ النقاب عن أنّ حكومة الرئيس السوري، بشار الأسد، تضع شروطا تعجيزية مقابل عودة “النازحين” السوريّين إلى لبنان.

مناصرو حزب القوات اللبنانية يغلقون طريقًا سريعًا رئيسيًا احتجاجًا على مصير مسؤول محلي قالت قوات الأمن لاحقًا إنه قُتل على يد مجموعة من السوريين في محاولة سرقة سيارة، في جبيل لبنان 8 أبريل/نيسان 2024. رويترز/محمد عزاقير.

وأوضح الوزير، الذي لم تذكر اسمه صحيفة “الشرق الأوسط” التي نقلت عنه هذه المعلومات، أنّ الزيارات الأخيرة التي أجراها مسؤولون لبنانيون إلى دمشقَ لم تسفر عن أيّة نتائج.

وأشار الوزير إلى أنّ “بعض الوزراء لا يتحمسون لزيارة دمشقِ، لتقديرهم أنّ لا جدوى منها”. وبيّن أنّ الحكومة السوريّة تطلب من لبنان “ما لا قدرة للحكومة اللبنانية على تلبيته”، مُشيرا إلى أنّ دمشق تشترط لإعادة النازحين إعادة إعمار سوريا.

كما تشترط دمشق رفع العقوبات المفروضةِ عليها بموجب “قانون قيصر”. وأيضا تشمل شروط السلطات السوريّة انسحاب القوات الأجنبية من سوريا، وتحديدا تلك التي لم تدخل بناء على طلبه.

بالإضافة إلى ذلك، تشترط قوى دمشق السياسية أيضا “دعوتهم إلى حضور المؤتمرات الدولية المخصّصة للبحث في النزوح السوري”.

هذه الشروط التعجيزية تثير قلق المجتمعِ الدوليّ من أنّ الحكومة السوريّة لا تريد عودة اللاجئين السوريّين إلى بلادهم، وتحاول استغلال قضية النزوح لتحقيق مكاسب سياسية.

العودة صعبة وطويلة

وفقا للسياسيين اللبنانيين، فإن الشروط السورية تصطدم برفض أميركي – أوروبي، انطلاقاً من إصرارهما على مقاطعة الأسد وعدم الدخول معه في تطبيعٍ للعلاقة، ولذا فإن لا خيار أمام الحكومة اللبنانية سوى اعتماد الحلول المتوافرة لديها لعودة النازحين، ما دام أن سوريا لا تبدي التجاوب المطلوب.

وبالتالي، ترى لبنان أن العودة تبقى تحت سقف إعادة المحكومين، والعدد الأكبر من الوافدين إلى لبنان تسللا عبر المعابر غير الشرعية. وقد تشمل الإعادة أيضا ممن لا يحملون الأوراق المطلوبة التي تجيز لهم الإقامة في لبنان.

من جهته، أقر ممثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إيفو فرايسن، بصعوبة عودة اللاجئين السوريين، واصفا إياها بأزمة طويلة الأمد.

منظمة “العفو” الدولية، صرحت أمس الاثنين، أن إعلان السلطات اللبنانية استئناف عمليات “العودة الطوعية” للاجئين السوريين إلى بلدهم يثير القلق؛ نظراً إلى الظروف القهرية التي يواجهها هؤلاء في لبنان.

وعدّت المنظمة أن سوريا لا تزال غير آمنة لعودة اللاجئين، مشيرة إلى أنها وثقت عمليات تعذيب وعنف جنسي واختفاء قسري واعتقال تعسفي، للاجئين عادوا إلى سوريا.

وتشير التقديرات إلى أن لبنان يستضيف حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري، منهم حوالي 805000 مسجل رسمياً لدى “مفوضية اللاجئين”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة