الماضي العثماني والعنصرية التركية ضد العرب

تُروى قصة طريفة في السياق المصري؛ أنه كان هناك رجل تركي قد خسر ثروته بعد تحول مصر إلى جمهورية وتأميم الإقطاعيين ورجال الأعمال. ووقف في الشوارع المصرية يشحذ ما يأمن به قوت يومه ويقول “أعطوا لسيدكم جنيه”. ورغم طرافة القصة إلا أنها تعبر عن العنصرية التركية تجاه العرب. ويظهر ذلك في فترات حكمهم ومنطقهم في الحكم الذي يميز بوضوح بين التركي والعربي ورفض الاختلاط بينهم.

والواقع أن أن المجتمعات التركية لم تتخلى عن هذه العنصرية حتى اليوم. بل يطمحون إلى إعادة حكمهم للبلدان العربية، ويظهر ذلك بشكل جلي في “الطموح الأردوغاني” الذي يتم التعبير عنه من خلال التدخلات السياسية والعسكرية في الدول العربية، خاصة تلك التي تعاني من أزمات حادة تمكن الوجود التركي ويمنعها من السيطرة عليها، ومن تحالفهم مع جماعة “الإخوان المسلمين”، لتصبح ذراعاً للمشروع التركي في الدول العربية.

تركيا وأمجاد الماضي

يعيش المجتمع التركي على أمجاد الماضي العثماني الذي يسعى إلى استعادتها وحكم العرب من جديد. ويظهر ذلك في السياسات التركية وخطابها تجاه الدول العربية، وحتى في تدخلاتها السياسية، ولا شيء أوضح من دعمها لجماعة “الإخوان” كذراعها السياسي التي تعمل على تنفيذ مشاريعها في الدول العربية. وغيرها من التدخلات في العديد من الملفات العربية.

وأوضح هذا الصحفي السوري والمتخصص في الشأن التركي روج موسى لـ”الحل نت” قائلاً: حتى الآن هناك تصريحات واضحة وعلنية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهاكان فيدان وزير الخارجية الحالي والذي كان مدير الاستخبارات التركية في السابق. وإبراهيم كولن، الذي كان مستشاراً لأردوغان والذي أصبح حالياً مدير المخابرات. كلها تصريحات واضحة مفادها أن “الأراضي في شمال سوريا وشمال العراق وشمال إفريقيا هي أراضي عثمانية ويجب أن تعود إليهم”، وبنظر الأتراك، فإن الأشخاص الذين بنوا حياة لهم بعد سقوط الخلافة العثمانية في المنطقة، مجرد “أتباع” هذه الخلافة.

والواقع أن حلم الخلافة لازال يراوض المجتمع التركي، كما ويكنون العداء تجاه المجتمعات العربية باعتبارها مجتمعات خرجت عن سيطرتهم. والحقيقة أن السلطة العثمانية في تعاملاتها أثناء الحكم لم تكن عنصرية فحسب، ويتضح هذا في تاريخها الذي لا يوجد فيه شخص عربي تولى منصباً في “السلطنة العثمانية”، بل كان من العار تزويج بناتهم للعرب.

والسؤال اليوم عن العنصرية التي تنتشر في المجتمع التركي تجاه العرب والقوميات والأقليات الأخرى في المنطقة، ربما ليس في محله، فقد نشأ الأتراك منذ الصغر على الاعتقاد بأن هذه المناطق تابعة للدولة التركية، وأن عليهم إعلان انتمائهم وخضوعهم لها. ولا ينتظر منهم سوى “العنصرية والعداء والنظرة الفوقية”، بوصفهم حكام والعرب محكوم عليهم، وهو أمر تربي عليه السلطات التركية أبنائها شعبها.  

ويوضح روج في هذا السياق أن الأمر واضح ولا داعي لشرح سياسات “حزب العدالة والتنمية” الحاكم، ولكن السياسات العنصرية، لكن السياسات العنصرية التي تخرج ضد السوريين والعرب، سببه الحزب الحاكم وما يزرعه، وهذا لا يعني أن الأحزاب الأخرى أفضل، بل أنهم أحزاب عنصرية أيضاً.

الخطاب التركي العنيف

في تصريح للصحفي المختص بالشأن التركي روج موسى خص به “الحل نت” قال: خلال الأيام الفائتة، شاهدت على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، والتي ينشر فيها الشعب التركي بمختلف فئاته ولا سيما الطبقة الباحثة والصحافيين وأساتذة الجامعات بتركيا (كل النخب التركية)، فيديو لأحد المحللين المعتاد الظهور على القنوات التركية الناطقة بالعربية، يبدأ بمقولة “Arap pis millet”، أي أن “العرب شعب قذر”، أو بالمعنى المحلي للغة التركية “العرب شعب لا يعول عليه”، إذا لم نترجمها بالشكل الحرفي.

رغم التغني التركي بالأخوة الإسلامية، وزعمها تبني القضايا الإسلامية والعمل على توحيد الراية الإسلامية، نجد العنصرية ضد العرب والمسلمين واضحة بصورة فجة.

وأضاف روج: “أنا من منطقة حدودية بسوريا، وأذكر عندما عبرت الحدود مررت بهذه الأمور المشابهة. هذه الجملة (العرب شعب سيء) مصدرها الدولة العثمانية. فالأتراك، كحكوماتهم الحالية والسابقة، كانوا ينظرون إلى العرب والشرق الأوسط على أنهم تابعون لهم، باعتبار أن هذه المنطقة كانت تحت سيطرتهم، أي الإمبراطورية العثمانية”.

وحسب تصريحات روج، فإن أحداث العنف التي شهدتها المدن التركية تجاه السوريين، أظهر بأن التعامل التركي مع العرب عادة ما يأتي بنظرة من التفوق والتعالي. ويرفضون وجود العرب، ويرون أنهم جنس أعلى من الجنس العربي، ولهم حق الحكم وعلى العرب واجب الخضوع. وكان لهذه العنصرية دور كبير في ركود السياحة، وأضرت كثيراً بالسياحة في تركيا.

وأكد روج موسى مخاوف الإدارة التركية من التأثيرات الاقتصادية، وأن هناك مخاوف اقتصادية كبيرة من هذه الأحداث العنفية داخل تركيا، حيث تتواجد العديد من المنشآت السورية في قيصري وغيرها من المناطق السياحية. المطاعم والفنادق وغيرها من المنشآت، واليد العاملة السورية تعمل بأجور زهيدة في تلك المنطقة لعدم امتلاكهم الوثائق الكافية في كثير من الأحيان، وهناك الكثير ممن يعملون بدون تأمين صحي لأنه يكلف صاحب العمل، لذلك العامل التركي في المطاعم يأخذ ضعف ما يأخذه السوري، وهذه حقيقة موجودة في تركيا وتوثقها “منظمات حقوق الإنسان”. وتخوفات الحكومة التركية الاقتصادية واضحة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها تركيا.

الدين ذريعة لمكاسب تركيا السياسية

فرغم التغني التركي بالأخوة الإسلامية، وزعمها تبني القضايا الإسلامية والعمل على توحيد الراية الإسلامية، نجد العنصرية ضد العرب والمسلمين واضحة بصورة فجة، مما يجعل التساؤل عن هذه الوحدة أمر ضروري، والحق أن هذه الوحدة في العرف تركي لا تكون إلا من خلال الحكم التركي وإعادة الأمجاد العثمانية، فتغنيها بالأمور الدينية ما هو إلا ذريعة لتقديم مشروعها السياسي الطامح لعودة الخلافة العثمانية.

وعلى الرغم من الثناء التركي على الأخوة الإسلامية وادعائها احتضان القضايا الإسلامية والعمل على توحيد الراية الإسلامية، إلا أننا نجد العنصرية ضد العرب والمسلمين واضحة بشكل صارخ، مما يجعل التشكيك في هذه الوحدة ضرورياً. والحقيقة أن هذه الوحدة هي في العرف التركي ولا يحدث إلا من خلال الحكم التركي واستعادة الأمجاد. وما الدولة العثمانية وإثراؤها بالأمور الدينية إلا ذريعة لتقديم مشروعها السياسي الذي يطمح إلى عودة الخلافة العثمانية.

وعبّر الصحفي السوري روج موسى عن ذلك في حديثه لـ”الحل نت” بالقول: “أتفهم الرفض اللبناني للسوريين بسبب اجتياح لبنان من قبل الجيش السوري أثناء الحرب الأهلية في لبنان، خلال السبعينيات. وقد حدثت فظائع في ذلك الوقت، وهذا لا يعني أنني أبرر أعمال العنصرية تحت أي ظرف من الظروف. ولكن في تركيا، لماذا كل هذه الكراهية ضد السوريين؟، فهذا أمر لا أفهمه حقاً، وهم الذين يحتلون شمال سوريا، مثل مناطق إعزاز وعفرين وطرابلس وإدلب وغيرها من المناطق التي تحتلها تركيا في الشمال السوري”.

وأضاف روج أن هذه الحوادث العنصرية ليست ضد السوريين فقط، بل هي أعمال عنصرية ضد كل العرب، مثل الرجل التركي الذي رأيناه جميعاً، عندما هدد السياح السعوديين بالسكين في مدينة إسطنبول، أو الحوادث العنصرية التي حدثت للسياح العراقيين والكويتيون.

وكان ثمة حادثة مثيرة للعجب؛ فكانت هناك سيارة سعودية قادمة لمدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، فقد هددهم أحد الأتراك بطريقة عنصرية: “أنتم عرب وماذا تفعلون هنا؟ هذه بلادنا ونحن أتراك وقوميون”.

وأوضح روج أن التغني بالمواضيع الدينية للحكومة التركية الحالية، هي أمور شكلية من منطلق الاستثمار والتجارة، مثل استثمارهم في قطاع غزة، فمن أول يوم للحرب في غزة ظهرت التصريحات النارية لهاكان فيدان وأردوغان: “نحن مع غزة وندفع عنها، وهم أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية لإسرائيل”.

ويتضح أن تركيا لا تنظر للعرب سوى أنهم “أتباع” وتسعى لذلك، حتى وإن تحدثت عن الأخوة والإسلام فإنها لا تتحدث إلا من منطلق قبولهم بمشروع التوسع التركي الذي يضعهم ضمن رعاياها، وإذا لم يقبلوا فهم شعوب قذرة غير متحضرة ولا تعرف لياقة التعامل مع التركيين “الأسياد”.

صبحي نايل

صبحي نايل

باحث في الفكر الإسلامي المعاصر

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم