لن تكون مشاركة بشار الأسد في القمة العربية الحالية التي تعقد اليوم الخميس، كما اعتاد عليها العالم أو كما ينتظرها الجميع خصوصا أنها القمة الثانية التي يحضرها الأسد بعد قمّة جدّة السعودية، والتي حضرها وفق تعهدات بالمُضي قدما في المبادرة العربية “خطوة مقابل خطوة”. 

فبعد سنوات من الدعوات المتكررة للعودة إلى الساحة الإقليمية، وجد الرئيس السوري نفسه هذه المرة على هامش القمة دون أن يُلقي أي كلمة أو خطاب. فهل يُعبّر هذا الصمت عن تراجع تقبّل الأسد في المنطقة؟ وما الرسالة التي يحاول إرسالها من خلال هذا الموقف المتواضع؟ وهل يُشكّل ذلك بداية لعزلة متجددة لدمشق على الساحة العربية؟ إنها تساؤلات تكشف عن مدى انعكاسات هذه الخطوة على مستقبل موقف الأسد وعلاقاته الإقليمية.

مشاركة الأسد دون كلمة

إلى القمة العربية يتوجه الرئيس السوري، بشار الأسد، ليُشارك في مداولاتها دون أن ينطق بكلمة. فبعد سنوات من الغياب والعزلة، تأتي مشاركة الرئيس السوري هذه المرة متواضعة وصامتة، متباينة مع الأدوار التي اعتاد أن يلعبها في المحافل الإقليمية.

ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان آل سعود (يسار) يصافح الرئيس السوري بشار الأسد في حفل ترحيبي قبل انعقاد القمة العربية الثانية والثلاثين في جدة، المملكة العربية السعودية، 19 مايو 2023. (وكالة الأنباء السعودية)

الأسد يتجه الخميس إلى العاصمة البحرينية المنامة للمشاركة في أعمال القمة العربية العادية الثالثة والثلاثين، المقرر عقدها في اليوم نفسه والتي ستقام في قصر الصخير.

ووفقاً لمصادر مطلعة في دمشق، فإنّ الأسد لن يلقي كلمة في القمة، على عكس باقي الزعماء العرب، حيث خصصت رئاسة القمة مدة لا تتجاوز ثلاث دقائق لكل زعيم لإلقاء كلمته.

ما الذي تكشفه هذه الخطوة؟

في عودة ملفتة للأنظار، يشهد المحفل العربي الذي يُعقد كل عام مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد للمرة الثانية منذ انقطاعٍ دام لأكثر من عقد، إثر تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية منذ العام 2012.

قمة عربية بدون صوت للأسد ما الذي تكشفه هذه الخطوة؟ (3)
تظهر هذه الصورة التي التقطت في 7 مايو/أيار 2023 مشهدًا لاجتماع استثنائي لجامعة الدول العربية في القاهرة، مصر. قرر وزراء الخارجية العرب في الاجتماع إعادة عضوية سوريا في الجامعة العربية بعد تعليقها لمدة 12 عامًا. (أحمد جمعة/شينخوا)

ويطغى الملف السوري بثقله السياسي والإنساني على جدول أعمال القمة، متصدّراً إياه بجانب قضايا شائكة أخرى تشغل بال الأمة، منها تفشي ظاهرة المخدرات وتنامي التحديات الأمنية المتمثلة في الإرهاب، التي كان يجب أن تتقدم فيه دمشق خطوات خلال الفترة الماضية بناءً على شروط مسبقة.

وفي خطوة تسبق الحدث العربي الأبرز، حطت الطائرة التي تقل وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ووزير الاقتصاد سامر الخليل رحالها في العاصمة البحرينية، وقد جاءت هذه الزيارة للمشاركة في الدورات التحضيرية والاجتماع الاقتصادي الهام.

لكن التطور اللافت، أن دمشق لم تشهد إعلاناً عن تشكيل وفد رسمي ضخم يرافق الرئيس السوري بشار الأسد، أو حتى وفد إعلامي يوثّق الحدث، بل سيقتصر الأمر على مشاركة الأسد شخصياً إلى جانب المقداد والخليل، في تأكيد على الطابع الشخصي والمباشر للمشاركة السورية في القمة.

الأسد ينسحب من المشهد العربي؟

مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد في القمة العربية الأخيرة دون إلقاء خطاب خطوة غير اعتيادية، تكشف عن تطورات جوهرية في موقف السلطات السورية وعلاقاتها الإقليمية. فبعد سنوات من الدعوات المتكررة لإعادة إدماج سوريا في المنظومة العربية، وجد الأسد نفسه هذه المرة حاضراً بشكل محدود ومتواضع، دون الحصول على منصة خطابية للدفاع عن موقفه أو طرح رؤيته.

قمة عربية بدون صوت للأسد ما الذي تكشفه هذه الخطوة؟ (2)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط يحضر مؤتمراً صحفياً بعد القمة العربية الثانية والثلاثين في جدة، المملكة العربية السعودية، 19 مايو 2023. (وكالة الأنباء السعودية)

ويمكن تفسير هذا التوجه من عدة زوايا، لعل أبرزها ثلاثة أسباب رئيسية:

أولاً، تعثّر تنفيذ المبادرة العربية “خطوة مقابل خطوة”: لطالما كان هذا الإطار هو الركيزة الأساسية لإعادة إدماج الحكومة السورية في المنظومة الإقليمية. وبعد قرابة عامين على إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، لم تحقق هذه المبادرة أي إنجازات ملموسة على أرض الواقع. فالانتظار المستمر لتنفيذ الجانب السوري لالتزاماته المتعلقة بوقف العدوان على المدنيينَ والتسوية السياسية للأزمة داخل سوريا، قوّض الثقة في جدّية دمشق في المصالحة الإقليمية.

ثانياً، استمرار تدفق المخدرات عبر الحدود السورية: تشكّل ظاهرة تهريب المخدرات من سوريا إلى دول الجوار إحدى أبرز التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي في الفترة الأخيرة. فرغم التأكيدات المتكررة من الحكومة السورية بضبط الحدود ووقف عمليات التهريب، إلا أن الواقع يكشف استمرار انتشار هذه الظاهرة المهددة للاستقرار الإقليمي. وهو ما يُضعف موقف الأسد في المحافل العربية، ويخفّض من هامش مناورته السياسية.

ثالثاً، تواجد الميليشيات الإيرانية المهددة للمنطقة ككل: تُعدّ قضية ضبط النفوذ الإيراني في سوريا وإخراج الميليشيات التابعة لطهران من الأراضي السورية إحدى أبرز المطالب العربية المُلحّة. فالتواجد المتنامي لهذه الفصائل المسلحة على الحدود مع دول الجوار يُشكّل خطراً مباشراً على أمن المنطقة. ومع استمرار الأسد في الاعتماد على هذه الميليشيات كذراع عسكري له، فإن ذلك يُقوّض من مصداقيته أمام القادة العرب، ويُبقيه في حالة من العزلة السياسية.

إن هذه الأسباب الثلاثة مجتمعة تُفسّر الموقف الضعيف للرئيس السوري خلال القمة الأخيرة، فالتأخر في تنفيذ المبادرة العربية، وانتشار ظاهرة تهريب المخدرات، إلى جانب استمرار سيطرة الميليشيات الإيرانية، كلها عوامل تُضعف موقف الأسد وتجعله في حالة من الضعف والهشاشة على الصعيد الإقليمي.

وعليه، فإن إحجام الأسد عن إلقاء كلمة في هذه القمة يُعبّر عن رغبته في تجنب المواجهة المباشرة مع القادة العرب، وتجنّب أي تصريحات قد تُثير المزيد من الخلافات والتوترات. كما أنه قد يُشير إلى إدراك الأسد لحدود نفوذه الإقليمي في الوقت الراهن، وسعيه إلى إعادة بناء ثقة الدول العربية من خلال المشاركة المتواضعة والبناءة في المداولات.

ومن هذا المنطلق، يُمكن القول إن مشاركة الأسد في القمة دون إلقاء كلمة تُمثّل نقطة تحول في موقف دمشق على الساحة العربية. فبعد سنوات من المناورة والتموضع من أجل الانفتاح على محيطه الإقليمي، باتت خياراته اليوم محدودة ومقيّدة بالكثير من التحديات التي تفرض عليه موقفاً أكثر تواضعاً وانكماشاً. وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من العزلة السياسية التي طالما حاصرت الأسد على المستوى الإقليمي.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات