بنغلاديش تحترق بنيران الدكتاتورية وانتهازية “الإخوان”

أعلنت الحكومة البنغالية، حالة التأهب الأمني القصوى في أنحاء بنغلاديش، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات العنيفة بين الطلاب والشرطة. وبحسب وكالة “رويترز” للأنباء، تعاني العاصمة دكا من انقطاع شبه كامل للإنترنت، مع انقطاع خطوط الهاتف أيضاً؛ مّما أدى إلى تعطيل الرحلات الجوية والبنوك ووسائل الإعلام والشركات في جميع أنحاء البلاد. وزعم بيان صادر عن هيئة تنظيم الاتصالات في البلاد، أن الهيئة لم تتمكن من ضمان الخدمة، بعد أن تعرض مركز البيانات الخاص بها لهجوم من قبل المتظاهرين.

ومساء الخميس الفائت، اقتحم عدة آلاف المتظاهرين مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية (BTV) وقاموا بتخريب أثاثها وتحطيم النوافذ، وإشعال النار في أجزاء منها. وقال وزير الإعلام البنغالي لـ”بي بي سي” إن البث توقف وغادر معظم الموظفين المبنى، بعد أن ظلّ كثيرون محاصرون داخله.

وقال صحفي كبير في هيئة التليفزيون ، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”بي بي سي”: “كان الوضع سيئاً للغاية، ولم يكن لدينا أي خيار آخر سوى مغادرة المكان، وكان بعض زملائنا محاصرين في الداخل. “ولا أعرف ماذا حدث لهم”.

وشاهد مراسل وكالة “أسوشيتد برس” مسؤولي حرس الحدود، يطلقون النار على حشد يضم أكثر من 1000 متظاهر، تجمعوا خارج المكتب الرئيسي لتلفزيون بنغلاديش الذي تديره الدولة، وأطلق حرس الحدود النار على الحشد بالبنادق والقنابل الصوتية، بينما أطلق ضباط الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. 

ويواصل الطلاب مسيرات تطالب بتغيير نظام التعيين في الوظائف الحكومية، والذي يحتفظ بثلث وظائف القطاع العام لأقارب المحاربين القدماء، الذين شاركوا في حرب الاستقلال عن باكستان في العام 1971.

وكانت الحكومة أوقفت في وقت سابق نظام حصص الوظائف في أعقاب الاحتجاجات الطلابية الحاشدة في عام 2018، ولكن في الشهر الماضي، ألغت المحكمة العليا هذا القرار، وأعادت نظام الحصص، بعد أن قدم أقارب قدامى المحاربين القدماء التماسات، ممّا أدى إلى اندلاع المظاهرات الأخيرة.

بنغلاديش.. محاولات امتصاص غضب الطلاب

ظهرت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة على شبكة التليفزيون الرسمي، مساء مؤخراً، داعية إلى الهدوء، بعد أيام من الاحتجاجات العنيفة التي خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى. 

الحكومة فشلت حتى اللحظة في قمع الاحتجاجات، وبدأت في اتخاذ إجراءات استثنائية، حيث قامت يوم الخميس الفائت بقطع خدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول في البلاد، في محاولة لإبطاء حركة الطلاب. لكن اليوم نفسه كان الأكثر دموية، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية “أ ف ب”، ووفقاً لإحصائياتها نقلاً عن المستشفيات، فقد توفي 32 شخصاً خلال الاحتجاجات. بينما زعمت الحكومة البنغالية أن هناك 19 حالة وفاة فقط، 13 منها حدثت يوم الخميس الفائت، وكان من بين القتلى صحفي يبلغ من العمر 32 عاماً يعمل في صحيفة “دكا تايمز”.

مبنى بالتلفزيون البنغلاديشي أضرم المحتجون النار فيه- “أ.ف.ب”

من جهته، أفاد مراسل وكالة “أسوشيتد برس” أنّه شاهد يوم الجمعة 19 تموز/ يوليو الجاري، 23 جثة في كلية الطب ومستشفى دكا، لكن لم يكن من الواضح ما إذا كانوا قد قتلوا جميعاً يوم الجمعة.

وكانت الشيخة حسينة أدانت مقتل المتظاهرين، ووصفته بأنّه “جريمة قتل”، لكن كلماتها قوبلت بالرفض من قبل المتظاهرين، الذين رفضوا طلباً من الحكومة بإجراء محادثات.

من جهتها، قالت ناهد إقبال، زعيمة الاحتجاج، إن “الحكومة قتلت الكثير من الأشخاص في يوم واحد، لدرجة أنّنا لا نستطيع الانضمام إلى أي مناقشات في الظروف الحالية”.

يوم دموي

شهد يوم الخميس الفائت، إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي من قبل الشرطة، بينما أقام الطلاب حواجز بشرية في الشوارع، وتمكنوا من كسر الكردون الأمني حول مبنى التليفزيون الحكومي، كما أحرقوا مركزاً للشرطة، وطاردوا الضباط في الشوارع الجانبية.

وشهدت جامعة دكا حرب شوارع حقيقية، مع اقتحام رابطة الطلاب الموالية للحزب الحاكم، الحرم الجامعي، حيث تعرض المتظاهرون لهجوم من قبل الجماعات الموالية للحزب الحاكم.

وبحسب مصادر بنغالية ميدانية، فإنّ تجمعاً طلابياً تابعاً “للجماعة الإسلامية”، الذراع السياسية لـ”الإخوان المسلمين”، قرر الانخراط بشكل علني في الاحتجاجات، صباح الجمعة الفائت، في أعقاب أحداث العنف الدموي التي شهدتها البلاد يوم الخميس 18 تموز/ يوليو الجاري، بعد أن بات واضحاً أن الحراك الطلابي في طريقه للانتصار، في نهج إخواني معروف، للقفز على انتصارات الآخرين.

تشهد بنغلاديش أزمات اقتصادية متعاقبة، وتعد البطالة من أبرز المشكلات التي تواجهها الدولة، وعلى الرغم من نمو فرص العمل في بعض أجزاء القطاع الخاص، إلّا أن الناس يفضلون الوظائف الحكومية؛ لأنها تعتبر أكثر استقراراً وربحاً.

وبحسب المصادر ذاتها لـ”الحل نت”، هاجم عشرات من طلاب “الجماعة الإسلامية”، قوات الأمن في محيط جامعة راجشاهي، كما أتلفوا بعض قاعات المحاضرات، الأمر الذي كاد أن يتحول إلى اشتباكات بينهم وبين طلاب “الحزب الوطني”، الرافضين لفوضوية “الإخوان”، ورغبتهم في الدخول نحو صراع دموي بين الطلاب والشرطة.

مصدر ميداني آخر، أكد أن طلاب كلية الطب في جامعة دكا، تصدوا لموجة من الفوضى، قام بها طلاب “الجماعة الإسلامية”، الذين اضطروا إلى الخروج من قاعة المحاضرات، إلى الطريق المقابل للجامعة، حيث أحرقوا إطارات السيارات، وقطعوا الطريق الرئيسي.

إعلان حظر التجول

أعلنت حكومة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة في وقت متأخر من مساء يوم الجمعة الفائت، عن حظر تجول في جميع أنحاء البلاد، وأمرت بنشر قوات عسكرية للحفاظ على النظام، بعد أيام من الاشتباكات الدامية.

من جهته، قال عبيد القادر، الأمين العام لـ”حزب رابطة عوامي الحاكم”، إن حظر التجول يهدف إلى حفظ الأمن في البلاد، وحماية الأرواح والممتلكات العامة، كما تمّ حظر جميع التجمعات في العاصمة. وقال قادر إن نشر قوات الجيش يأتي بهدف مساعدة الإدارة المدنية في الحفاظ على النظام.

الشيخة حسينة لدى تفقدها محطة المترو التي لحقت بها أضرار كبيرة خلال الاحتجاجات في دكا- “أ.ف.ب”

وبحسب وكالة “أسوسيتد برس” للأنباء، تمثل هذه الاحتجاجات أكبر تحدٍ لرئيسة الوزراء الشيخة حسينة، منذ فوزها بفترة ولاية رابعة على التوالي، بعد الانتخابات التي جرت في كانون الثاني/ يناير الماضي، والتي شهدت مقاطعة أحزاب المعارضة الرئيسية.

وبحسب مصدر سياسي بنغالي، فإنّ دخول الجيش على خط الأزمة، يهدد سلطة حزب عوامي الحاكم، الذي حاول تأجيل تلك الخطوة مراراً، لكن انفلات الأوضاع الأمنية، وانفجار حالة الفوضى التي كشفت التصدعات في الحكم والاقتصاد والإحباط الذي يشعر به الشباب، دفعت نحو الاستعانة الفورية بالجيش، الذي وجه قائده، الجنرال وقر الزمان، بحسب المصدر السابق، لوماً للحكومة بسبب تجاهلها الاحتجاجات في بدايتها، ممّا أدى انفجار الموقف.

ونشرت الحكومة قوات الشرطة والقوات شبه العسكرية في جميع أنحاء العاصمة؛ لإغلاق الجامعات وتفريق الاحتجاجات. 

الدكتاتورية تدفع البلاد إلى المجهول

تشهد بنغلاديش أزمات اقتصادية متعاقبة، وتعد البطالة من أبرز المشكلات التي تواجهها الدولة، وعلى الرغم من نمو فرص العمل في بعض أجزاء القطاع الخاص، إلّا أن الناس يفضلون الوظائف الحكومية؛ لأنها تعتبر أكثر استقراراً وربحاً. وفي كل عام، يتنافس حوالي 400 ألف خريج، على حوالي 3000 وظيفة في امتحان الخدمة المدنية. وبحسب نظام الحصص، يفوز أقارب المحاربين القدماء بثلث هذه الحصص.

ويقود حزب المعارض الرئيسي في بنغلادش، “الحزب الوطني البنغالي”، تظاهرات الطلاب المحتجين، وتعهد بتنظيم مظاهراته الخاصة، وانضم العديد من أنصاره إلى مظاهرات الطلاب. كما انضم عدد كبير من أولياء الأمور، بعد سقوط عدد من القتلى.

من جهتها، أطلقت الشرطة يوم الجمعة الفائت الغاز المسيل للدموع، على بضع مئات من أنصار الحزب الوطني البنغالي، واعتقلت زعيماً بارزاً في الحزب هو راهول كبير رضوي، الأمر الذي ينذر بتصاعد الاحتجاجات وتجاوزها مطالب الطلاب، إلى إحداث تغيير شامل في البناء السياسي للدولة.

كثيراً ما تبادلت “رابطة عوامي” و”الحزب الوطني البنغالي” الاتهامات بإذكاء الفوضى السياسية والعنف، وكان آخرها قبل الانتخابات الوطنية في البلاد، والتي شابتها حملة قمع ضد العديد من الشخصيات المعارضة، في حين اتهمت حكومة حسينة الحزب بمحاولة تعطيل التصويت.

وقبل أيام قليلة، حثت حسينة المتظاهرين في خطاب متلفز على “الانتظار بصبر” لحكم المحكمة، قائلة إنها تعتقد أنهم “سينالون العدالة” و”لن يخيب أملهم”.

سامح إسماعيل

سامح إسماعيل

أكاديمي مصري في العلوم السياسية وباحث متخصص في الإسلام السياسي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم