ما يزال الغزو الروسي لأوكرانيا، واستمرار الآلة العسكرية في إدارة الصراع المتخم بخسائر هائلة في صفوف المدنيين، يكبد الاقتصاد، ليس في كييف أو موسكو، قط، إنما العالمي، خسائر جمّة.

هذه الخسائر تتفاوت درجاتها وحدتها بحسب موقع كل بلد في خريطة التنمية، وقدراتها على التعافي أو المرونة إزاء التصدعات العنيفة والخشنة تبعاً لارتدادات الحرب على قطاعات مختلفة، وفي السياق، توصلت دراسة ألمانية حديثة، إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية الجارية كلفت الاقتصاد العالمي 1.3 تريليون دولار في عام 2022.

متى يحين الفصل الأخير للحرب الأوكرانية؟

بمجرد اكتمال عام واحد على الحرب، كان “المعهد الاقتصادي الألماني”، قد ألمح إلى فقدان الاقتصادات الغربية ثلثي الإنتاج العالمي، موضحاً في دراسة أن معضلات إمداد الطاقة والحصول على المواد الخام، تسببت في ضغوط عديدة على الشركات وفي كافة البلدان، الأمر الذي برز في ألمانيا مثلاً، إثر ملامسة التضخم نسبة غير معتادة ارتفعت لما فوق الـ 10 % قبل عامين، وهذا الاهتزاز المؤقت تراجع مع انخفاض أسعار الطاقة التي تضاعفت. 

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة لوضع فصل أخير في هذه الحرب التي تشنها موسكو ضد كييف، بينما سعى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في قمة السلام الأولى التي انعقدت، قبل فترة وجيزة بسويسرا، إلى تقديم مقاربة للسلام تجد قبولاً لدى المجتمع الدولي. وقال زيلينسكي في تدشين القمة، إنه “حين تصبح خطة العمل على الطاولة، وتكون شفافة بالنسبة إلى الشعوب ويوافق عليها الجميع، سيتم إبلاغها الى ممثلي روسيا بحيث نتمكن فعلا من وضع حد للحرب”.

إذاً، تبدو القمة بمثابة منصة دولية تتبادل حولها الأطراف والقوى الإقليمية والدولية الآراء بشأن إمكانية الحل السياسي، وفرض رؤية للسلام. كما تهدف إلى عزل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رغبته في استئناف الصراع، وفتح جبهة عداء مع الغرب والولايات المتحدة تكون عتبتها المباشرة هي أوكرانيا. ولهذا، أكدت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي، التي حضرت المؤتمر بسويسرا والتقت بالرئيس الأوكراني قبل مغادرتها سويسرا إلى واشنطن في غضون عدة ساعات، دعم واشنطن الحازم الكامل والنهائي لكييف. وقالت: “إذا لم يظهر العالم رد فعل حين يغزو معتد جاره، فإن معتدين آخرين سيزدادون جرأة من دون شك”.

وعرجت نائبة الرئيس جو بايدن على حديث بوتين بشأن شروطه للسلام، لافتة إلى أن الأخير “قدم (الجمعة) اقتراحاً. لكن ينبغي قول الحقيقة: إنه لا يدعو إلى مفاوضات، إنه يدعو إلى استسلام أوكرانيا”.

كان لافتاً إشارة الرئيس الكيني، وليم روتو، وكذا وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إلى أن موسكو ينبغي أن تكون موجودة وتنخرط في عملية السلام، مشدداً على ضرورة تقديم “بعض التنازلات” واعتبرها من الأمور “الاساسية ولا بد منها” طالما هناك “التزام من أجل السلام” حيث “يجتمع الأصدقاء والأعداء”. 

وقال الأمير فيصل بن فرحان: “نرى أنه من المهم أن يشجع المجتمع الدولي أي تقدم نحو سلسلة مفاوضات، تستدعي تسويات صعبة في إطار خارطة طريق تقود إلى السلام”. وتابع: “أي عملية ذات صدقية تتطلب مشاركة روسيا”.

زيلينسكي يحضر افتتاح أول قمة للسلام في أوكرانيا التي استضافتها سويسرا – (رويترز)

ربما، الحديث عن الخسائر الاقتصادية العالمية، وإهدار فرص التنمية، في ظل الحروب والصراعات العدوانية، لم يكن غائباً عن مسودة البيان الختامي للقمة المنعقدة في سويسرا، والتي جاء فيها أن “الحرب المستمرة التي تشنها روسيا على أوكرانيا تواصل التسبب في معاناة إنسانية ودمار واسع النطاق وخلق أزمات ذات تداعيات على العالم”.  

في حين شددت المسودة، على ضرورة أن يكون إنهاء الحرب بوضع تصورات شاملة لوقف العدوان وليس تعطيله بصورة مؤقتة، وبما يجعل اندلاعها أمراً محتملاً في المستقبل. وعليه، أكدت المسودة الختامية، على منع استخدام القوة وتهديد سيادة الدول، بل سلامة أراضي كافة الدول، منها أوكرانيا. 

ووفق المسودة، فإن “استخدام الطاقة النووية والمنشآت النووية يجب أن يكون آمناً ومحمياً وسليماً من الناحية البيئية”. وأن “تعمل محطات الطاقة النووية الأوكرانية ومنها محطة زاباروجيا تحت السيطرة السيادية الكاملة لأوكرانيا وبما يتماشى مع مبادئ الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتحت إشرافها (…) وأي تهديد أو استخدام للأسلحة النووية في سياق الحرب الجارية ضد أوكرانيا أمر غير مقبول”.

فيما طالبت المسودة، ضرورة “إطلاق سراح جميع أسرى الحرب من خلال التبادل الكامل وإعادة جميع الأطفال الأوكرانيين الذين تم ترحيلهم بشكل غير قانوني إلى روسيا، وجميع المدنيين الأوكرانيين الآخرين الذين تم احتجازهم بشكل غير قانوني “.

الأبعاد الجيوسياسية لقمة السلام

بوتين وضع اشتراطات لوقف إطلاق النار، رفضتها أوكرانيا كما الولايات المتحدة وقادة دول أخرى، وتم وصفها بأنها عرض لـ “الاستسلام” وليس “السلام”. ومن اشتراطات الرئيس الروسي هي انسحاب القوات الأوكرانية من أربع مناطق أوكرانية شرق وجنوبي البلاد، والتخلي عن الانضمام لـ “حلف شمال الأطلسي” (الناتو). 

بينما ذكر بوتين “ما أن تبدأ كييف (…) سحب قواتها فعلاً (من مناطق دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا) وتبلغ بتخليها عن مشروع الانضمام إلى الناتو سنصدر فوراً أمراً لوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات”، فقد عقّب وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، على مقترح بوتين بأنه “يملي” شروطه لتحقيق السلام. مؤكداً أن الرئيس الروسي ليس “في وضع يسمح له بأن يملي على أوكرانيا ما يجب عليها فعله لتحقيق السلام. هذا بالضبط نوع السلوك الذي لا نريد رؤيته”.

إذاً، قمة السلام المتعلقة بالحرب الأوكرانية تعد موضوعاً معقداً يتطلب تحليلاً عميقاً لمختلف الأبعاد الجيوسياسية. وعلى الرغم من الجهود الدولية لإنهاء النزاع، يبدو أن القمة الحالية قد فشلت في تحقيق تقدم ملموس، حسبماً يوضح الباحث الروسي المختص في الشؤون السياسية والدولية في “جامعة الصداقة بين الشعوب”، ديمتري بريجع. موضحاً في حديثه لـ “الحل نت”، أنه تُعزى هذه النتيجة إلى عدة عوامل، أبرزها عدم توافق الأطراف الرئيسية حول نقاط الخلاف الجوهرية. 

في هذا السياق، يجادل بعض المحللين بأن المفاوضات الحقيقية يجب أن تُجرى في دول حيادية مثل دول الخليج أو تركيا، حيث يمكن أن توفر بيئة محايدة تسهم في تيسير الحوار البناء بين الأطراف المتنازعة.

من الواضح أن موسكو لا تزال “تُفضّل الحلول التي تعزز من موقفها الاستراتيجي والسياسي. فيما يظهر ذلك جلياً من خلال ممارساتها التي تهدف إلى فرض شروطها على كييف وكأنها المنتصر في النزاع”. يتضمن ذلك استخدام مجموعة متنوعة من الوسائل للضغط على أوكرانيا، سواء كانت عسكرية، اقتصادية، أو دبلوماسية، بهدف تغيير الموقف الأوكراني حيال ملف التفاوض. يشير هذا السلوك إلى رغبة موسكو في تحقيق أهدافها الجيوسياسية دون تقديم تنازلات كبيرة. يقول بريجع.

ويردف: “حلفاء موسكو ممن حضروا المؤتمر أبدوا دعماً متفاوتاً لسياسات روسيا، حيث تتباين مواقفهم بناءً على مصالحهم الاستراتيجية والسياسية. بعض الحلفاء، مثل بيلاروسيا، أظهروا دعماً قوياً للغزو الروسي، معتبرين أن حماية مصالح روسيا في المنطقة تصب في مصلحتهم. في المقابل، بعض الدول الأخرى اتخذت مواقف أكثر تحفظاً، داعية إلى حل سياسي يضمن الاستقرار الإقليمي. تأثيرات هذه التفاعلات تبقى محدودة على المستوى الدولي، حيث يظل الدعم الروسي القوي عاملاً حاسماً في استمرارية النزاع”.

كما أن المؤتمرات المستقبلية، بما فيها القمم المتكررة، قد تساهم في تحريك المياه الراكدة، ولكن من المرجح أن تظل النتائج محدودة ما لم تُجرى في بيئة حيادية وبمشاركة جميع الأطراف الفاعلة. 

الأفق السياسي الذي قد تطرحه هذه المؤتمرات يتضمن احتمال التوصل إلى تفاهمات جزئية قد تمهد لسلام شامل، ولكن هذا يتطلب تغييرات جوهرية في المواقف والتنازلات من جميع الأطراف المعنية، بحسب الباحث الروسي المختص في الشؤون السياسية والدولية في “جامعة الصداقة بين الشعوب”. 

وموسكو تقف الآن في موقف لا يُحسد عليه من حرب كييف، حيث تواجه ضغوطاً دولية وعقوبات اقتصادية متزايدة. الأهداف الروسية تتضمن تحقيق الاعتراف الدولي بضم شبه جزيرة القرم وتأمين نفوذها في مناطق شرق أوكرانيا. 

بالإضافة إلى ذلك، تسعى موسكو إلى إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا لدرجة تجبر كييف على القبول بشروط التسوية التي تطرحها روسيا. يتضح من هذه الأهداف أن موسكو تهدف إلى ترسيخ وضعها كقوة إقليمية مهيمنة، مع تحقيق الاستقرار الداخلي وتقليل التهديدات على حدودها الغربية. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات

الأكثر قراءة