روسيا التي تعرضت في ليبيا لـ “خديعة غربية”، نتيجة التوسع في تفسير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 173 لعام 2011، ما أدى، وفق منظور موسكو، لإسقاط نظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي، وسبّب خسارة حليف ومليارات الدولارات القادمة لروسيا، هي اليوم من أكثر الدول تغلغلا في ليبيا، مع جعل الأخيرة منصة انطلاق إلى دول القارة الإفريقية.

مؤخراً كلّف قائد “الجيش الوطني الليبي”، خليفة حفتر، نجله خالد الذي تم تعيينه رئيسا لأركان الوحدات الأمنية وترقيته إلى رتبة لواء ركن، باستقبال وفد روسي واصطحابهم إلى مكتب الرجمة. وكان حفتر الابن قد أجرى قبل ذلك زيارة إلى روسيا في حزيران/ يونيو الماضي، التقى خلالها بقيادات عسكرية وسياسية على رأسها نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف. ما يشير حسب “المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية“، إلى أن رجل التنسيق الثاني مع روسيا في القيادة العامة هو خالد حفتر، وأن هذا التنسيق والتواصل، يحمل سرّية عسكرية سينحصر بعائلة حفتر.

سابقا، اتهمت وزارة الدفاع الأميركية، روسيا، لانتهاكها الحظر المفروض على تصدير السلاح إلى أطراف الصراع الليبي، بتصديرها أسلحة إلى ليبيا، تضمّنت طائرات مقاتلة وصواريخ دفاع جوي وألغاما أرضية وسيارات مدرعة. وقالت الوزارة، إنها وثّقت إرسال روسيا 14 طائرة من طراز ميغ-29 وسو-24 إلى ليبيا عبر مجموعة “فاغنر”.

إلى جانب الدعم العسكري، أشارت وزارة الخارجية الأميركية لاحتجاز مالطا عملة ليبية مزوّرة بقيمة 1.1 مليار دولار، طبعتها شركة “جوزناك” الروسية الحكومية بطلب من كيان “مواز غير مشروع” في إشارة إلى حفتر، ما يسلط “الضوء مرة أخرى على الحاجة إلى أن توقف روسيا تصرفاتها الخبيثة والمزعزعة للاستقرار في ليبيا”. ردّت وزارة الخارجية الروسية اتهامات واشنطن، بالقول، إن مالطا احتجزت نقوداً غير مزورة تفوق قيمتها مليار دولار، طبعتها موسكو بالعملة الليبية.

روسيا وحياكة الفوضى

تزايد الاهتمام الروسي بليبيا منذ عام 2008. خلاله، وقّع الجانبان عقودا لإمدادات الأسلحة ومشاريع السكك الحديدية لأكثر من 550 كيلومترا بين سرت وبنغازي، مع عرض معمر القذافي على الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، ميناء بنغازي كقاعدة روسية دائمة، وفقا لموقع “Gis Reports Online“، مشيرا لتجاوز هدف موسكو في ليبيا، بعد غزوها لأوكرانيا، مسألة الفوائد الاقتصادية للتحايل على العقوبات المفروضة عليها، من خلال بيع نفطها عبر ليبيا بمباركة خليفة حفتر، والتي بلغت عائداتها منه منذ عام 2022 قرابة 5 مليارات دولار.

بجوار ذلك، تسعى موسكو لفتح جبهة على البحر الأبيض المتوسط، نظرا لموقع ليبيا الاستراتيجي. حيث تزايدت شحنات الأسلحة من ميناء طرطوس إلى ميناء طبرق. مع وجود قرابة 1800 مقاتل روسي موزعين في قواعد عسكرية مثل الخروبة/الخادم والجفرة وطبرق، يرجّح تبعيتهم لـ “الفيلق الإفريقي”. فإقامة روسيا لقاعدة مستقرة، تمكّن سفنها من الرّسو أمام الشواطئ الأوروبية، كما ستسمح لها المطارات بوضع أنظمة أسلحة جوية روسية.

حاليا، بلغت موسكو بتوسعها في شمال إفريقيا مدىً لم تشهده منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي دعم حركات التحرر الوطني والدول حديثة الاستقلال التي عانت من الاستعمار الغربي، حسب الصحفي المصري المتخصص بالشأن الليبي، سيد العبيدي. مضيفا في حديث لـ “الحل نت”، يتنامى هذا المدى والتواجد سريعا، نظرا لعدم رؤية دول إفريقيا في روسيا دولة استعمارية، وإنما دولة صديقة تساند الدول النامية في التحرر والاستقلال نحو السيادة وإقامة علاقات على أساس المنفعة المتبادلة.

عن ذلك، يقول الصحفي والباحث في الشأن الإفريقي، ربيع أبو زامل لـ “الحل نت”، إنه رغم انهيار الاتحاد السوفيتي، بقيت العلاقات الروسية الليبية العائدة إلى حقبة الحرب الباردة قوية، لا سيما في المجال العسكري. لكن مع سقوط نظام القذافي وتحقيق ثورات “الربيع العربي” نجاحات ملموسة أعقبتها فوضى أمنية وسياسية واجتماعية، كانت روسيا من بين القوى الدولية المتّهمة بحياكة هذه الفوضى، أثناء إعادة تقييم رؤيتها الاستراتيجية تجاه بلدان الشرق الأوسط، ولاحقا بلدان إفريقيا المدارية التي شهدت انقلابات عسكرية مدعومة من قبل مرتزقة “فاغنر” ووريثها “الفيلق الإفريقي” في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

فخلال السنوات اللاحقة لاعترافها بـ “المجلس الوطني الانتقالي الليبي” ممثلا للسلطة في ليبيا مطلع أيلول/ سبتمبر 2011، سعت موسكو لعدد من الأهداف، وفي مقدمتها قطاعي النفط والغاز، حيث تحتل ليبيا المرتبة الخامسة باحتياطيات النفط عالميا، بقرابة 50 مليار برميل، وقرابة 1.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، إضافة للاستثمارات الاقتصادية الضخمة في قطاعات البنية التحتية. وإلى جانب تجارة السلاح، فـ ليبيا الدولة الثانية إفريقيّاً بعد الجزائر، باستقبال صادرات السلاح الروسي. 

كما سعت موسكو، حسب “مركز أمد للدراسات“، للتوسّع في إنشاء القواعد العسكرية على أراضي ليبيا، بهدف تأسيس وترسيخ وجود ثابت ودائم في جنوب المتوسط، بعد ترسيخ وجودها شرقه، عبر قواعدها البرية والبحرية في سوريا، إذ إن المواجهة مع الغرب حتمية باعتقاد الروس، وحال وقوعها، فإن قدراتهم البحرية في سوريا عاجزة عن تحقيق النصر، ما يدعو لتأسيس وجود عسكري آخر في المنطقة. وقد كشف رئيس لجنة الاتصال الروسية المعنية بتسوية الأزمة الليبية ليف دينغوف، في شباط/ فبراير 2018، أن حفتر قدّم طلبا لروسيا لإقامة قاعدة عسكرية في الشرق الليبي.

وفقا للعبيدي، فإن دعم الغرب لأوكرانيا أحد أسباب سعي روسيا لمواجهته في بلدان الساحل الإفريقي. حيث بدأت موسكو في بناء علاقات قوية مع تلك الدول لإزاحة فرنسا وأميركا، ودعم هذا الدول نحو “التحرر الوطني” والاعتماد على النفس. مشيرا إلى أن عوامل تواجد موسكو في ليبيا يرتكز أبرزها على مواجهة النفوذ “الاستعماري الغربي” في شمال إفريقيا، وفرض معادلة جديدة على أرض الواقع في إطار استراتيجية العالم متعدد الأقطاب التي تتبناها روسيا والصين.

روسيا في ليبيا.. تعاون بري وبحري وجوي

ليبيا منطقة استراتيجية للانطلاق والسيطرة على شمال إفريقيا وسواها في القارة السمراء، حسب “المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية“. وقد وجدت موسكو الطرق ممهدة في منطقة الشرق الليبي وقيادته العسكرية، حيث فتحت لها الأخيرة أبواب التواجد والسيطرة وإنشاء قواعد عسكرية وإنزال أسلحة ومعدات وجنود، نتيجة تلاقي طموحات حفتر وتطلعاته للحكم مع تطلعات وأطماع روسيا، ما دمغ التنسيق بينهما بالاستراتيجي، إذ تدعم موسكو حفتر بالسلاح و بقوات “فاغنر”، مقابل منحها مناطق نفوذ وتموضع في شرق البلاد. و بإفساح المجال لقوات وأجهزة مخابرات روسية بالانطلاق من ليبيا لمراقبة تحركات وأنشطة دول إفريقية غير مستقرة، تطورت علاقة الجانبين إلى شراكة عسكرية طويلة الأمد تمتد إلى خارج ليبيا.

فوفقا للمركز، نقلا عن مواقع إعلامية غربية، وصلت سفينة مصحوبة بفرقاطة روسية قادمة من ميناء طرطوس السوري إلى ميناء طبرق، في 8 نيسان/ أبريل الماضي، وأفرغت فيه حمولتها المقدرة بـ 6000 طن من المعدات العسكرية، بالتزامن مع إدخال قوات روسية نظامية إلى إفريقيا بعد زوال “فاغنر”. كما رست في الميناء سفينة روسية محملة بالأسلحة والمعدات اللوجستية المتجهة إلى “الفيلق الإفريقي الروسي”.

حسب أبو زامل، تأمل موسكو تحقيق مجموعة من الأهداف في ليبيا، في مقدمتها تعزيز موسكو لـ نفوذها الإقليمي والدولي كنقطة انطلاق جيو استراتيجية نحو إقليم البحر المتوسط وشمال إفريقيا وإفريقيا المدارية، ويعزز ذلك ما أثير مؤخرا عن وجود محادثات بين روسيا وحفتر لمنح السفن الحربية الروسية حق الرّسو في ميناء طبرق وبناء قاعدة عسكرية هناك، بما يعني تحول شرق ليبيا إلى ثاني أكبر قاعدة دعم لوجستي لروسيا بعد سوريا خارج نطاق البحر الأسود، وتأمل أيضا المساهمة في تقويض المرونة العملياتية لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط، مع عدم استبعاد ملف الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا لابتزاز أوروبا وقت اللزوم.

لأجل ذلك، تقدم موسكو الدعم الدبلوماسي والعسكري لحفتر وقواته في شرق ليبيا، وتدريب الأخيرة و إمدادها بترسانة بديلة للأسلحة الغربية، مع بقاء الباب مواربا مع القوى الفاعلة الأخرى، بما فيها حكومة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دوليا.  

العلاقات بين روسيا وليبيا، ومن خلفها دول الساحل والصحراء الإفريقية، تمر حاليا بمرحلة جيدة من التعاون الاقتصادي والعسكري، لا سيما في إطار التدريب والتطوير والتأهيل المستمر لعناصر “الجيش الوطني الليبي”، حسب العبيدي. خلالها بدأت تلك الدول بالاعتماد على موسكو في إطار رفع كفاءتها القتالية. فتعاون روسيا وليبيا لم يقتصر على تدريب القوات البرية، بل امتد ليشمل القوات البحرية والجوية منذ زيارة المشير حفتر إلى موسكو ولقائه ببوتين عام 2019، وقد بدأ في التنامي بشكل يخدم مصلحة الطرفين، وكان نتاج ذلك زيارة حفتر الثانية إلى روسيا عام 2023. 

تعطيل ممرات الشحن والتجارة الدولية

في مقال مشترك لصحيفة “ذا هيل“، قال المحلل في شؤون الأمن القومي والسياسة الدولية، مارك توث، والضابط السابق في الاستخبارات الأميركية، جوناثان سويت، إن إقامة قاعدة بحرية في مدينة طبرق لبسط قوته شرق البحر المتوسط، وخلق تهديدات مستقبلية للأسطول السادس الأمريكي المتمركز في مدينة نابولي الإيطالية، أحد الأهداف الاستراتيجية لبوتين. وتتركز على تحويل طبرق إلى منصة استراتيجية ولوجستية لعمليات مجموعاتها شبه العسكرية. مشيران لوصول 1800 من المرتزقة الروس مؤخرا، بعضهم وصلوا إلى القاعدة النيجيرية 101، والتي كانت تحتضن قوات أميركية قبل انسحابها.

كما أن تهديد ممرات الشحن التجاري الغربي الحيوية وتعطيلها إن لزم الأمر، أحد أهداف تواجد روسيا عسكريا في طبرق، عبر التوسع في قاعدة طرطوس السوري، وبناء قواعد بحرية في طبرق والسودان، وبذلك يعمل بوتين على بناء القدرة لتحدي وتهديد شرايين الحياة البحرية للغرب مباشرة. وعليه، يحذّر الكاتبان من إمكانية إغلاق الفيلق الإفريقي قناة السويس، وتعطيل ممرات الشحن في المحيط الهادئ، وتهديد جنوب المحيط الأطلسي. 

تعزيز روسيا لمكانتها في ليبيا على المدى الطويل، يكسبها نفوذاً ملحوظاً على أوروبا ويُعمق دخولها إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، حسب “معهد واشنطن“، كما سيفيد موانئ طبرق ودرنة في ليبيا لوجستيا و جيو استراتيجيا للقوة البحرية الروسية، لا سيّما بالاقتران مع ميناء طرطوس. إضافة لاستفادتها القصوى من موارد الطاقة الليبية الواسعة. فـ موسكو معتادة على التخبّط في النزاعات المفتوحة لتأمين موطئ قدم لها وتمكينها من الوصول إلى الموارد أو حجبها عن الآخرين. بجوار جهود خلق استراتيجية توظف تدفّق اللاجئين من ليبيا وعبرها كوسيلة ضغط على أوروبا.

هذه الجهود، وليس انخراطها بحل حقيقي للنزاعات، هي موطن قوة موسكو. فوفقا للمعهد، يعود توقيف ليبيا لإنتاج النفط بالفائدة على روسيا. وهو ما تم تطبيقه قبل محادثات برلين في كانون الثاني/ يناير 2020، حيث ارتفعت أسعار البرميل الواحد إلى 65 دولارا بعد قيام حفتر بإيقاف الإنتاج.

إلى ذلك يشير أبو زامل بالقول، إن “أمن الطاقة” يمثّل هدفا حيويا للنفوذ الروسي في ليبيا، وذلك عبر السيطرة على ثروات ليبيا النفطية، ومن ثم التأثير على واحدة من أهم مناطق النفط في العالم، وضمان تدفق موارد الطاقة إليها عبر صفقات وأسعار تنافسية، ومن ثم اكتساب نفوذ كبير في أسواق الطاقة العالمية، بما يسمح لها بممارسة الضغط أو الابتزاز السياسي والاقتصادي على البلدان الأوروبية المستوردة للطاقة، أو إن كانت تبحث عن بدائل للغاز الروسي.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات