في خطوة أثارت ردود فعل واسعة، عُيّن ماهر الشرع، شقيق الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية خلفاً لعبد الرحمن سلامة، في منصب يعدّ من الأكثر حساسية داخل هيكل الدولة السورية.
ورغم تأكيد الرئيس أحمد الشرع في مناسبات متعددة على أن المرحلة الجديدة ستقوم على نبذ المحسوبيات وقطع الطريق أمام ممارسات النظام السابق، إلا أن تعيين شقيقه في هذا الموقع تحديداً، أعاد إلى الأذهان مشاهد التوريث الإداري والسلطوي، بل وفتح باب الأسئلة حول احتمال عودة النفوذ الروسي إلى قلب القصر الجمهوري.
ما أهمية منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية؟
يُعدّ منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية من المناصب الرفيعة والمفصلية في إدارة الدولة، وهو منصب استحدثه نظام بشار الأسد في نهاية عام 2023، بعد إلغاء “وزارة شؤون رئاسة الجمهورية”.
ويتولّى شاغل المنصب الذي يعادل منصب وزير، مسؤولية التنسيق الإداري والتنظيمي داخل القصر الجمهوري، ويشكل حلقة وصل مباشرة بين الرئيس ومؤسسات الدولة.

وتتضمن مهامه إدارة جدول أعمال الرئيس وترتيب اللقاءات الرسمية، والإشراف على طواقم الرئاسة والملفات الإدارية، وتمثيل الرئيس في المناسبات، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ التوجيهات الرئاسية مع الوزارات والجهات الحكومية المختلفة، وأيضاً تمثيل الرئاسة أمام القضاء.
هذا الدور بالغ الأهمية يجعل من يشغله شريكاً غير مباشر في الحكم، وصاحب تأثير فعلي في عملية اتخاذ القرار على أعلى المستويات.
ماهر الشرع.. من خلفية طبية إلى قلب السلطة
وُلد ماهر الشرع في دمشق عام 1973، وتخرّج من أكاديمية “فورونيج” الطبية الحكومية في روسيا عام 2000، ويحمل درجة الدكتوراه في الجراحة النسائية وعلاج العقم، وامتدت مسيرته الطبية إلى أكثر من بلد.
وأبرز محطاته المهنية كانت عندما تولى رئاسة قسم التوليد في وزارة الصحة السورية بين 2004 و2012، ثم عمل في مستشفى أبها للولادة والأطفال بالسعودية حتى عام 2018، قبل أن يستقر في مدينة فورونيج الروسية حتى 2022، رئيساً لأحد الأقسام الطبية.
عاد إلى سوريا لاحقاً ليعمل مستشاراً في مستشفيات الشمال السوري، وصولاً إلى تعيينه وزيراً للصحة بالوكالة في حكومة محمد البشير (حكومة تصريف الأعمال) نهاية 2024.
ونشر موقع “الحل نت” في شباط/ فبراير الماضي، تقريراً مفصّلاً مدعوماً بوثائق من مصادر المعلومات المفتوحة، عن مسيرة ماهر الشرع المهنية في روسيا.
علاقات ملتبسة مع “هيئة تحرير الشام”
من بين النقاط الأكثر إثارة في سيرة ماهر الشرع، هو أنه أقام في روسيا حتى نيسان/ أبريل 2022، في الوقت الذي كانت الطائرات الروسية تقصف إدلب، المعقل الرئيسي لشقيقه أحمد الشرع الذي كان يعرف بـ”أبو محمد الجولاني”، زعيم “هيئة تحرير الشام”.
لاحقاً، عاد ماهر ليستقر في إدلب ويشغل موقعاً استشارياً في وزارة الصحة التابعة لـ”حكومة الإنقاذ”، وهي الذراع المدنية للهيئة التي كانت تسيطر على المنطقة.
والغريب أنه في تلك الفترة، أخفى ماهر هويته في الوثائق الرسمية، واتخذ اسم والده “حسين علي الشرع” كهوية بديلة، في محاولة واضحة لتمويه العلاقة العائلية بشقيقه القيادي البارز، مما أثار شكوكاً حول حقيقة دوره.
هل عاد رجال موسكو إلى القصر؟
لا يقلّ بُعد “الارتباط الروسي” في هذه التعيينات خطورة عن مسألة القرابة العائلية، فالموقع الذي شغله ماهر اليوم، كان يشغله سابقاً منصور عزام، أحد أبرز رجالات روسيا داخل قصر الأسد، والذي عُرف لسنوات بأنه “عين موسكو في دمشق”.
ومثّل عزّام الجسر السياسي بين القيادة الروسية ونظام الأسد، وبقي في هذا الموقع حتى ما بعد اندلاع الثورة السورية، مستفيداً من دعم الكرملين ومرافقاً لكل تحولات النظام.
وبالعودة إلى مسيرة ماهر الشرع، يتّضح أن علاقاته بروسيا ليست سطحية: دراسة طبية، وعمل في القطاع الصحي الروسي، وزوجة روسية، إلى جانب مكوثه في فورونيج لسنوات.
هذه الخلفية تجعل تعيينه في هذا المنصب الحسّاس مؤشراً محتملاً على رغبة موسكو في الحفاظ على موطئ قدم داخل مركز القرار في الدولة السورية الجديدة، خصوصاً بعد فقدانها الحضور العسكري والسياسي عقب سقوط نظام الأسد.
مخاوف من عودة “الوراثة السلطوية”
منذ الإعلان عن تعيين ماهر الشرع، انطلقت مقارنات بين “أحمد وماهر الشرع” و”بشار وماهر الأسد”، وهي مقارنة تعكس القلق من أن تكون السلطة قد بدأت بالالتفاف على مبادئ التغيير التي طالب بها الشعب، فبدلاً من القطيعة مع ثقافة التوريث العائلي والحذر من شبح المحسوبيات، يجري الآن إعادة تدويرها بذريعة “الضرورة المرحلية”.
ولا يتوقف الجدل عند تعيين ماهر الشرع في القصر الجمهوري، بل يتسع ليشمل شبكة من التعيينات والتمركزات داخل مفاصل الدولة الجديدة، يبدو أنها تدار جميعاً من دائرة عائلية وسلطوية ضيقة مرتبطة مباشرة بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، إذ يشغل ماهر مروان، عديل الرئيس السوري، منصب محافظ دمشق، في حين تم تعيين حازم الشرع، شقيقه الآخر، في رئاسة هيئة الاستثمار السورية.
وبحسب معلومات متداولة لم يتسن لموقع “الحل نت” التحقق من صحتها، تسلّم أحمد الدروبي شقيق لطيفة الدروبي زوجة الرئيس، منصب أمين صندوق البنك المركزي، مع شائعات حول تسلّم شقيقها الآخر إدارة مرفأ اللاذقية، ما يثير تساؤلات كبيرة حول قانونية هذا التواجد، ومدى شفافية تلك التعيينات.
نظام على أنقاض النظام!
في مرحلة مصيرية من تاريخ سوريا، وبعد سقوط نظام ديكتاتوري دام أكثر من نصف قرن، كان الأمل معقوداً على بناء دولة مؤسسات، تقطع مع الاستبداد والمحسوبيات والارتهانات الخارجية، غير أن تعيين ماهر الشرع في هذا الموقع البالغ الحساسية، يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام القيادة الانتقالية بهذه القيم.
فما بين قرابة الرئيس، والتجارب السابقة في “حكومة الإنقاذ”، والارتباطات الروسية الوثيقة، يبدو أن هذا التعيين ليس مجرد قرار إداري، بل إشكالية سياسية عميقة، تحتاج إلى تفسير واضح من القيادة، قبل أن تُفهم على أنها بداية عودة النفوذ القديم بثوب جديد.
شكوك وتساؤلات كثيرة يطرحها أغلب السوريين اليوم، حول استمرار السلطة الجديدة بهذا النهج في توزيع المناصب بناءً على روابط عائلية وسلطوية أيديولوجية، وعن حقيقة وجود إرادة جادّة للتغير وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية المستقلة، حيث تبقى أكبر مخاوفهم أن تبنى الدولة السورية الجديدة على ذات الأنقاض القديمة.

