مع دخول فصل الصيف، عادت مشكلة المياه في محافظة الحسكة إلى الواجهة من جديد، حيث تشهد المحافظة، شمال شرقي سوريا، أزمة مياه غير مسبوقة، نتيجة توقف ضخ المياه من محطة علوك، المصدر الرئيسي الذي يغذي المدينة وريفها منذ سنوات، ما أدى إلى تفاقم معاناة الأهالي وسط غياب الحلول الجذرية.
وتعيش معظم أحياء المدينة على وقع العطش، حيث بات تأمين المياه يتطلب الاعتماد على “الصهاريج” الخاصة، التي تبيع المياه بأسعار مرتفعة تفوق قدرة الكثير من العائلات، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، التي تشهدها البلاد.
منذ عام 2019
عماد محمد، الذي يعيش في مدينة الحسكة، قال إن المدينة تشهد منذ عام 2019 أزمة خانقة في الحصول على مياه صالحة للشرب، مع انعدام مصادر المياه إلا عبر “صهاريج” جوالة في الشوارع.

وأضاف محمد لـ “الحل نت“، أن هذه الصهاريج باتت أزمة أخرى بحد ذاتها. وأوضح: “لا يرد أصحاب الصهاريج على الاتصالات، ويُجبر الناس على الانتظار لأسبوع في الدور، خصوصاً بعد رفع سعر تعبئة 5 براميل إلى أكثر من 40 ألف ليرة سورية.”
“المياه أساس الحياة، خصوصاً في منطقة حارة وجافة تفتقر لمصادر المياه كمدينة الحسكة، ونوعية المياه التي تأتي من الصهاريج أحياناً لا تكون صالحة للشرب، ما يسبب أمراضاً معوية وهضمية”، وفق محمد.
تعود مشكلة المياه في مدينة الحسكة وريفها إلى نحو 6 سنوات، بعد أن سيطرت فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، على مدينة رأس العين، حيث خرجت محطة مياه علوك من سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” في تشرين أول/أكتوبر 2019، ما جعلها نقطة نزاع وورقة ضغط بين طرفي النزاع، إذ يسيطر “الجيش الوطني” على المحطّة، فيما تسيطر “قسد” على خطوط الكهرباء المغذّية لها.
وتحدثت شمسة محمد، عن معاناتهم في تأمين مياه الشرب، حيث ينتظرون الصهاريج أكثر من أربعة أيام، ويعتمد الأمر على مزاج أصحاب الصهاريج في تعبئتها، وفق تعبيرها.
طالبت حميد، في حديث لـ “الحل نت” بمساعدتهم وحل هذه المشكلة قبل قدوم موجات الحر الشديدة، بالإضافة إلى ضرورة تحديد تسعيرة ثابتة للمياه، خصوصاً أن بعض الأهالي لا يستطيعون دفع مبالغ كبيرة للحصول على مياه الشرب.
ولا تقف مشكلة المياه في الحسكة عند تأمينها فقط، إذ إن تكلفة تعبئة المياه وإيصالها للمنازل تعتبر عبئا على الأسرة. وقالت السيدة حبشة محمد، التي تعيش مع أسرتها في مدينة الحسكة، إن ثمن المياه يثقل كالهم، موضحة أن أسرتها تعتمد على ابنها فقد، وهو المعيل الوحيد ويعيشون على راتبه، الذي بالكاد يكفي ثمن المياه.
وأضافت محمد أن “التفكير الوحيد في حياتهم منذ الاستيقاظ وحتى نهاية اليوم هو البحث عن المياه والتقنين في استهلاكها”، مشيرة إلى أن جودة مياه الشرب سيئة، وأن الأمراض الحالية ناتجة عن الصهاريج التي تعبئ من أي منهل دون مراعاة سلامة المياه.
يأتي ذلك بينما تعيش محافظة الحسكة أوضاعا اقتصادية صعبة، لا تقل هشاشة عن المحافظات السورية الأخرى، حيث يصل متوسط دخل الأسرة إلى نحو مليون ليرة سورية، في حال كان يتقاضى راتبا من “الإدارة الذاتية”، بينما يصل راتب الموظف الحكومي إلى 275 ألف ليرة، بحسب مراسل “الحل نت”.
“أسباب سياسية”
الإداري في مؤسسة المياه في الحسكة، حسن حسين، الإداري في مؤسسة المياه بالحسكة، اعتبر أن سبب انقطاع المياه عن أكثر من مليون نسمة في الحسكة هو سيطرة الفصائل والدولة التركية على محطة علوك، المصدر الرئيسي لمياه الشرب في المدينة.

حسين أوضح في حديث لـ “الحل نت” أن العوائق التي تواجه ضخ المياه من المحطة منذ عام 2019 “ليست تقنية أو لوجستية، وإنما سياسية”، مشيرا إلى أنه تم الاتفاق على ضخ كميات محدودة من المحطة للمدينة عام 2023، لكنها لم تستمر.
وفق حسين، فإن “الإدارة الذاتية” قدّمت حلولا ومشاريع بديلة عن محطة علوك، لكنها لم تلبِ احتياجات المدينة بالكامل. في حين حمّل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا مسؤولية عطش أكثر من مليون نسمة في مدينة الحسكة، التي تُعدّ الآن مدينة منكوبة، داعياً المنظمات الدولية والإنسانية إلى التدخل لحل هذه الأزمة.
وبعد سقوط نظام الأسد وتوصل الحكومة السورية الانتقالية و”قسد” إلى اتفاق، يأمل سكان محافظة الحسكة أن يتم العمل على حل مشكلة المياه وإعادة الضخ من محطة علوك، مما ينهي خوف الأهالي من الإصابة بأمراض معوية نتيجة تعبئة الصهاريج من المناهل المملوكة لأصحاب الأراضي، من دون رقابة صحية ومتابعة حكومية.

