هل نجحت واشنطن في شل البرنامج النووي الإيراني؟.. الحقيقة الكاملة

النووي الإيراني

تتباين التقديرات بشأن مدى نجاح الولايات المتحدة الأميركية في شل البرنامج النووي الإيراني، وسط أجواء متوترة لا تزال تخيّم على المشهد الإقليمي بعد نهاية المواجهة العسكرية بين طهران وتل أبيب.

ففي حين تصرّ طهران على أن برنامجها النووي لم يتأثر جوهريًا، تؤكد واشنطن أنها نجحت في تعطيله ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، كما رجحت تقارير أن النتيجة لم تكن سوى تأخير البرنامج النووي الإيراني بضعة أشهر فقط.

العملية الأميركية والبرنامج النووي

العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة، فجر الإثنين، وأطلق عليها اسم “مطرقة منتصف الليل”، استهدفت ثلاثًا من أبرز المنشآت النووية الإيرانية، أبرزها موقع فوردو المحصّن، الذي يعد أحد أعمدة البنية النووية الإيرانية، إلى جانب نطنز وأصفهان.

وشاركت في العملية 125 طائرة عسكرية، بينها سبع قاذفات استراتيجية من طراز B-2 محملة بـ14 قنبلة خارقة للتحصينات تزن الواحدة منها نحو 13 ألف كيلوغرام، كما تم إطلاق نحو 30 صاروخ كروز من غواصة أميركية بالتوازي مع القصف الجوي.

في سياق ذلك، أعلن نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، أن هذه الضربات أفقدت إيران القدرة على إنتاج سلاح نووي بالمعدات المتاحة حاليًا، مشيراً إلى أن طهران، التي كانت على وشك امتلاك سلاحًا نوويًا، باتت الآن عاجزة عن ذلك، على حد تعبيره، مشددًا على أن أي محاولة إيرانية لإعادة بناء قدراتها النووية ستقابل مرة أخرى بتحرك عسكري أميركي، وفقًا لتصريحات لقناة “فوكس نيوز”.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك، حين أعلن عقب الضربة أن “البرنامج النووي الإيراني انتهى”، وهو ما تكرر أيضًا خلال تصريحات وزير الدفاع، بيت هيغسيث ونائبه فانس، الذين أكدوا أن الهجوم “أعاق” البرنامج الإيراني “لفترة طويلة جداً”، وأن العمل جارٍ لتفكيكه نهائياً خلال السنوات المقبلة.

تحدٍ إيراني

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً ومحمّلاً بالتحدي، فقد أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن البرنامج النووي الإيراني لن يتوقف، وأن الأضرار التي لحقت بالمواقع النووية لم تكن حاسمة، مؤكدة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها منشآت البلاد لهجمات، وأن الصناعة النووية الإيرانية باتت متجذّرة ولا يمكن اقتلاعها.

المتحدث باسم المنظمة أشار إلى أن بعض الأضرار لحقت بالمنشآت، إلا أنها لا تشكّل تهديداً جوهرياً للبنية النووية، وهو ما كرره “الحرس الثوري الإيراني” أيضاً، مؤكداً أن “التكنولوجيا النووية السلمية لا يمكن تدميرها بأي هجوم”.

من جهته، صرّح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، بأن الوكالة لا تملك حتى الآن تقييمًا دقيقًا لحجم الأضرار تحت الأرض في منشأة فوردو، التي تقع على عمق نحو 90 مترًا، وهي من بين أكثر المواقع تحصينًا في إيران.

صور الأقمار الصناعية التي التُقطت بعد  الهجوم الأميركي، وقد نُشرت من قبل شركة “ماكسار تكنولوجيز” الأميركية، أظهرت ستة آثار لحفر عميقة قرب فتحات التهوية الرئيسية في فوردو، ما دفع خبراء في معهد العلوم والأمن الدولي للاعتقاد بأن قنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات قد نجحت في اختراق البنية الخارجية والوصول إلى القاعات الداخلية للمنشأة، كما أظهرت الصور حطاماً ناتجاً عن الانفجارات على سطح الجبل، الأمر الذي يشي بتضرر محتمل في قاعات التخصيب.

الأقمار الصناعية توضح الحقائق

رغم هذه المؤشرات، فإن التقديرات بشأن مدى التأثير الفعلي على البرنامج النووي لا تزال متضاربة، وكالة الطاقة الذرية كانت قد قدّرت سابقاً أن إيران تخزن في فوردو نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 بالمئة، وهي نسبة تقترب من عتبة الاستخدام العسكري.

وأشارت تقارير استخباراتية إلى أن إيران ربما تكون قد نقلت هذا المخزون قبيل الضربة، وقد دعمت صور الأقمار الصناعية هذه الفرضية، حيث رُصدت نحو 16 شاحنة مأثناء توقفها قرب مداخل أنفاق فوردو قبل أقل من 48 ساعة من العملية العسكرية، ما يشير إلى احتمال نقل المواد النووية إلى موقع غير معلوم.

وبدورها أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إيران نقلت بالفعل بعض المعدات والمواد من المنشآت النووية في الأيام التي سبقت الهجوم.

مع ذلك، أعرب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن شكوكه في هذا الطرح، مشيرًا إلى أن اليورانيوم المخصب ربما لا يزال مدفونًا في أعماق منشأة أصفهان، لكن المسؤولين الإيرانيين ردوا بالتأكيد أن من “السذاجة” الاعتقاد بأنهم تركوا المواد الحساسة في مواقع مهددة، مؤكدين أن “اليورانيوم المخصب لم يُمسّ”.

من الناحية الفنية، فإن المادة المخصبة تُخزّن عادة على هيئة غاز “سادس فلوريد اليورانيوم” داخل أسطوانات فولاذية مزدوجة الجدران، تزن الواحدة منها حوالي 10 كيلوغرامات، ما يعني أن نقل 400 كيلوغرام لا يتطلب أكثر من ثلاث شاحنات صغيرة.

وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران تمتلك بنية تحتية متقدمة للنقل السريع عبر أنفاق متعددة المداخل، يصعب على الأقمار الصناعية أو فرق الاستطلاع الأرضي تعقبها.

نتائج عكسية

في إطار ذلك، أوضح الباحث في شؤون الطاقة النووية، الدكتور طارق عبد العزيز، في حديث خاص لموقع “الحل نت”، أن العملية العسكرية الأميركية لم تصب أهدافها الحقيقية، بل جاءت بنتائج عكسية من حيث الأثر السياسي والفني.

وأكد أن المواقع التي تم قصفها كانت خالية من المعدات الحيوية قبل الضربات بيومين، حيث قامت إيران بنقل أجهزة الطرد المركزي والمعدات الأساسية عبر 17 شاحنة إلى مواقع غير معلومة لا يعرفها إلا الجانب الإيراني.

المنشآت المستهدفة كانت تضم بنى تحتية متقدمة تشمل مختبرات الكيمياء النووية، ومصانع الوقود، ومواقع لتحويل اليورانيوم إلى فلز صلب، بالإضافة إلى أكثر من 13 ألف جهاز طرد مركزي في نطنز وحدها، وقد جرى إخلاؤها في توقيت دقيق، ما يجعل الضربة الأميركية أقرب إلى “استعراض رمزي” منح إيران مبررًا دوليًا لمواصلة مشروعها النووي تحت غطاء الشرعية.

الباحث في شؤون الطاقة النووية، الدكتور طارق عبد العزيز

ورأى أن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب أن عملية “مطرقة منتصف الليل” أنهت البرنامج النووي الإيراني شكل “هدية كبرى” لطهران، التي باتت اليوم تملك حجة دامغة بأن أكبر قوة عالمية أقرت رسميًا بعدم امتلاكها للسلاح النووي ولا مكونات إنتاجه، وهو ما تعتبره إيران رخصة سياسية وأخلاقية لاستكمال برنامجها النووي بعيداً عن الضغوط الدولية.

هل تبدأ إيران من جديد؟

أشار  عبدالعزيز، إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب التصريحات الإيرانية، سبق أن سربت معلومات حساسة عن المواقع النووية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، التي بدورها نفذت عمليات قصف على منشآت أخرى، ما دفع إيران إلى اعتبار الوكالة شريكاً غير محايد، بل متواطئ في الهجمات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص التعاون الإيراني معها بشكل جذري في الفترة المقبلة.

وتابع، أن تصنيع القنبلة النووية يسير في خمس مراحل تقنية متسلسلة، تبدأ بتخصيب اليورانيوم من صفر إلى 20 بالمئة، وهي مرحلة تستغرق شهرين، تليها مرحلة التخصيب من 20 بالمئة إلى 60 بالمئة والتي تستغرق شهراً تقريباً، ثم الانتقال إلى نسبة 90 بالمئة وهي المرحلة الأكثر حساسية وتستغرق نحو شهر واحد فقط.

واستكمل بأن بعد ذلك تبدأ مرحلة تصنيع المكونات النووية والتي تشمل تجهيز النواة، وصناعة القلب، وإجراء اختبارات غير نووية، ثم تجميع المكونات داخل القنبلة، وهي عملية قد تستغرق من شهر إلى ثلاثة أشهر بالنسبة لدولة ذات خبرة واسعة مثل إيران.

متى تنتج إيران سلاحًا نوويًا؟

أكد عبدالعزيز، أن إيران، نظرياً وعملياً، تمتلك كل المعرفة والخبرة اللازمة، وأنها قادرة على إنتاج سلاح نووي جديد خلال مدة تتراوح بين خمسة إلى ستة أشهر، وإذا كانت هناك فجوات في الخبرة أو المعدات فقد تطول المدة إلى عام واحد كحد أقصى، ما يعني أن الحديث عن “شلل كامل” للبرنامج النووي لا يستند إلى وقائع علمية دقيقة.

في رده على سؤال حول الأسباب التي دفعت ترامب لإعلان انتهاء البرنامج النووي  الإيراني رغم كل المؤشرات المناقضة لذلك، أوضح عبدالعزيز، أن هناك ضغوطاً إقليمية، خاصة من دول الخليج، دفعت باتجاه إنهاء التصعيد خوفًا من امتداده إلى منشآت نفطية أو مناطق حيوية حساسة، كما أن ترامب، من وجهة نظره، فضل تجنب الاستمرار في حرب مفتوحة ضد دولة قوية مثل إيران، خاصة بعد أن تبين له حجم الردع والقدرات الإيرانية.

وختم الخبير بالقول إن إيران باتت اليوم أكثر قدرة على استثمار المشهد لصالحها، فهي لم تخسر معداتها الحيوية، ونجحت في سحب مبرر التفتيش الدولي، وتحولت الضربة إلى غطاء قانوني لمواصلة العمل النووي تحت الرادار، وضمن بيئة دولية تعرف الآن – باعتراف أعداء إيران أنفسهم – أن لا سلاح نووياً لديها بعد.

حرب نفسية

فيما اعتبر نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، الدكتور علي عبد النبي،  في تصريح لـ”الحل نت”، أن التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، والتي زعمت أن إيران لم تعد قادرة على إنتاج سلاح نووي، تندرج في إطار “الحرب النفسية” ومحاولة تضليل الرأي العام الأميركي والدولي.

وأكد أن هذه التصريحات لا تستند إلى وقائع علمية أو استخباراتية دقيقة، بل تهدف بالأساس إلى تلميع صورة ترامب ومن حوله أمام الداخل الأميركي، عبر إظهارهم في مظهر المنتصر عسكرياً والساعي للسلام في آن واحد، وهو تناقض واضح في الخطاب السياسي، على حد قوله.

وأوضح أن إيران تمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية متقدمة، تشمل إمكانيات كبيرة في المجال النووي السلمي والعسكري على حد سواء، مشيراً إلى أن طهران قادرة من الناحية الفنية على تصنيع سلاح نووي في وقت وجيز، بالنظر إلى امتلاكها ما يفوق 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة، وهي كمية كافية لصناعة أكثر من عشر قنابل نووية.

 كما تمتلك إيران المصانع والبنية التحتية اللازمة لتصنيع هيكل القنبلة ومكوناتها الأساسية، إضافة إلى الخبرة البشرية والتقنية الكافية لإتمام العملية خلال أيام، في حال اتخاذ القرار السياسي بذلك.

تناقض الخطاب الأميركي

أشار عبدالنبي، إلى أن استهداف الولايات المتحدة للمواقع النووية الإيرانية، رغم كلفته المادية الهائلة، لم يؤدِّ إلى تدمير جوهر البرنامج النووي الإيراني، بل تسبب فقط في تعطيل مؤقت لعمليات تخصيب جديدة.

ولفت إلى أن منشآت مثل نطنز وفوردو وأصفهان تطلّبت سنوات من العمل ومليارات الدولارات، وهو ما يجعل تدميرها يشكل خسارة كبيرة من ناحية الجهد العلمي والاستثمار الوطني، لكنها لا تمس جوهر القدرات الإيرانية التي تم نقل جزء كبير منها إلى مواقع بديلة أو محصنة.

المشهد العام يكشف عن تناقض واضح في الخطاب الأميركي، مشيراً إلى أن إدارة ترامب تحاول عبر هذه التصريحات إرسال رسائل مزدوجة للداخل والخارج، لكنها تغفل إدراك الشعوب لحقائق الأمور. وأكد أن الشعب الإيراني، رغم تعرضه لضربات مؤلمة، يمتلك القدرة على النهوض مجدداً، وأن الرد الإيراني قد يكون على مستوى سياسي واستراتيجي أعمق، لا سيما في ظل تفوق طهران في إدارة توازن الردع الإقليمي.

نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، الدكتور علي عبد النبي

وختم بالقول إن إيران، من حيث الواقع الفني والسياسي، ما تزال قادرة على امتلاك سلاح نووي إن أرادت، وربما تكون تمتلك بالفعل مكونات مكتملة تم تجميعها أو في طور الجاهزية، لكن العامل السياسي هو الذي يحدد توقيت الإعلان أو الاستخدام، أما الزعم بانتهاء المشروع النووي الإيراني، فهو برأيه، لا يعدو كونه خدعة سياسية تهدف لإرضاء أطراف داخلية وإقليمية أكثر من كونه تعبيراً عن انتصار فعلي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم