الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، خلال قدّاس يوم الأحد، يثير مخاوف جدية من تصاعد الهجمات الإرهابية في سوريا. وما يزيد من حدة هذه المخاوف، ورود تهديدات من التنظيم “سرايا أنصار السنة”، الذي تبنى الهجوم، باستهداف كنائس أخرى، إلى جانب تصريح حديث لقائد في “الجيش السوري الجديد” أشار فيه إلى معلومات حساسة تتعلق بخطط لتنظيم “داعش” الإرهابي لإعادة تنشيط خلاياه داخل البلاد.
الهجوم الإرهابي، الذي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، في حادثة تُعد الأعنف منذ سنوات، يطرح كذلك تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية الأجهزة الأمنية في مواجهة هذه التهديدات. فقد كشف التفجير عن هشاشة واضحة لدى القوى الأمنية الجديدة، وفشلها في حماية المدنيين.
سوريا: قلق إزاء تصاعد الهجمات الإرهابية
لا شك أن الهجوم الانتحاري على كنيسة مار إلياس زاد من مخاوف الأقليات الدينية، التي لطالما شكّلت هدفا للتهديدات خلال سنوات النزاع، رغم النداءات المتكررة من المجتمع الدولي للسلطة الانتقالية بضرورة حمايتها وضمان إشراكها في إدارة المرحلة المقبلة.

وفي وقت سابق، حذر مدير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، رامي عبد الرحمن، من احتمال تصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية، مشيرا إلى وجود عدد كبير من المتطرفين داخل المدن، سواء منتمين إلى تنظيم “داعش” أو على صلة بـ”هيئة تحرير الشام”، وفق تقارير صحفية.
وأوضح مدير “المرصد السوري” أن كتابات تهديدية ظهرت على بعض جدران الكنائس، لكن لم ترد تهديدات مباشرة إلى القائمين على دور العبادة حتى الآن.
وردا على تحميل “وزارة الداخلية السورية” تنظيم “داعش” مسؤولية الهجوم، تساءل عبد الرحمن عن مدى دقة هذه الرواية، قائلا: “إذا كانت الدولة لا تعرف حتى الآن من ارتكب المجازر بحق العلويين، فكيف حددت هوية منفذ هذا التفجير خلال أقل من نصف ساعة؟”، مشيرا إلى وجود تناقض في الروايات الرسمية، بعضها يتهم “فلول النظام” السابق.
وفي حين أعلنت “وزارة الداخلية السورية” أن تنظيم “داعش” هو من نفذ الهجوم، وأكدت اعتقال الخلية المنفذة أمس الثلاثاء، كان تنظيم “سرايا أنصار السنة” قد تبنت العملية، مما أثار موجة تشكيك بين السوريين تجاه رواية السلطات بدمشق.
فرض الأمن: أحد أكبر التحديات
في ضوء ذلك، تبرز مسألة فرض الأمن كأحد أكبر التحديات التي تواجه السلطة الانتقالية في دمشق حاليا، بعد الإطاحة بالنظام الأسدي الذي روّج لنفسه لسنوات طويلة كحامٍ للأقليات.
وقد تعرضت تلك الأقليات لهجمات دامية خلال السنوات الماضية، تبنت تنظيمات جهادية عدة منها، أبرزها تنظيم “داعش”.
وفي تصريحات حديثة لصحيفة “الشرق الأوسط“، اليوم الخميس، كشف مصدر عسكري مطلع، فضل عدم الكشف عن هويته، أن الجيش حصل على معلومات تشير إلى أن تنظيم “داعش” يخطط لتنفيذ عملية عسكرية واسعة ومباغتة، عبر السيطرة المتزامنة على أحياء رئيسية في عدة مدن، انطلاقا من حمص.
وتشمل الأهداف التكتيكية للتنظيم، وفق الصحيفة اللندنية، أماكن عبادة ومقامات دينية، بهدف إحراج السلطة الحالية والتشكيك بقدرتها على ضبط الأمن، وفق زعم المصدر ذاته.
وأضاف المصدر أن التنظيم يعتمد استراتيجية جديدة للتغلغل من البادية والمناطق الصحراوية باتجاه المراكز الحضرية، في وقت تسعى فيه السلطات لفك ارتباطه بما تبقى من حاضنته السابقة.
ما الذي يجب فعله؟
كشفت وكالة “رويترز” خلال النصف الأول من حزيران/يونيو الجاري، أن تنظيم “داعش” بدأ بإعادة تنشيط خلاياه في سوريا والعراق، ما يفاقم القلق الدولي من احتمال عودة التنظيم إلى واجهة المشهد الأمني في المنطقة. وعبر مسؤولون أوروبيون عن مخاوف متزايدة من أن يكون مقاتلون أجانب قد بدؤوا بالفعل بالتسلل إلى سوريا بهدف الانضمام إلى التنظيم.

وبحسب الوكالة، تتبعت أجهزة استخبارات غربية للمرة الأولى خلال الأشهر الأخيرة تحركات عدد محدود من المقاتلين الأجانب المشتبه بهم، قادمين من أوروبا إلى الأراضي السورية. إلا أنه لم يتضح بعد ما إذا كان “داعش” هو الجهة التي جندتهم، أم أن ثمة أطرافا أخرى تقف وراء هذه التحركات.
وفي السياق نفسه، نقلت “رويترز” عن مسؤول دفاعي أميركي، بالإضافة إلى مسؤولين سوريين، أن الولايات المتحدة تبادلت معلومات استخباراتية مع الحكومة السورية بشأن هذا الملف، في تطور لافت يعكس حجم القلق من إعادة تنظيم صفوف “داعش” في المنطقة.
بالتالي، أمام الإدارة الانتقالية في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، مسؤوليات ضخمة وهائلة، تتطلب مقاربة متكاملة، لا أمنية فقط، بل خطة وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب، تشمل ملاحقة الخلايا النائمة، خصوصا في البادية السورية، التي لطالما شكلت ملاذا آمنا للتنظيم.
ومن الضروري الانفتاح والتنسيق مع القوى السورية الأخرى، وخاصة تلك التي بمقدورها الاصطفاف لمواجهة مخاطر هذا التنظيم وخلاياه وحواضنه، مثل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بغية مواجهة الخطر المشترك، ودمجها ضمن إطار الدولة الجديد. ثم تعزيز التعاون الاستخباراتي مع دول الجوار، لا سيما العراق، الذي راكم خبرة ميدانية في ملاحقة التنظيم ومراقبة تحركاته عبر الحدود.
وبطبيعة الحال، تحقيق توافق سياسي داخلي، يحصّن البلاد من الفوضى ويمنع أي فراغ قد يُستغل لإعادة تدوير “داعش” لنفسه. كما سيؤدي إلى إفشال أي محاولات توظيف خارجية للتنظيم لإرباك المشهد السياسي والأمني داخل سوريا.
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران
- 3 فجوات تخنق معيشة السوريين.. كيف عمّقت المحروقات الأزمة؟
- دمشق لطهران: سوريا لم تعد ساحة نفوذ لأي دولة
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟

