وافقت أعلى هيئة أمنية في إيران على إنشاء مجلس الدفاع الوطني، في أعقاب الحرب مع إسرائيل في حزيران/يونيو الفائت، وهو ما أعاد إلى الأذهان “المجلس الأعلى للدفاع” الذي كان قائماً خلال أعوام الحرب الثمانية مع العراق، حيث يوصف بإنه إحياء لذلك المجلس بعد نحو أربعة عقود، فكما يبدو أن الجمهورية الإسلامية تعمل الآن على إعادة بناء كبريائها المحطم.
وبينما يلتزم مسؤولو النظام الإيراني الصمت حيال هذه المقارنة، تثار تساؤلات كثيرة حول طبيعة هذا المجلس والدور الذي يفترض أن يلعبه ولكن السؤال الأهم: إلى أي مدى قادر هذا المجلس على إنقاذ إيران بعد الحرب؟
المجلس الجديد
في حسابه على منصة “إكس” (تويتر سابقا) أمس الخميس، قال المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، إنه “نظرًا إلى المصادقة على مجلس الدفاع وتشكيله، أعيّن الدكتور علي أكبر أحمديان والسيد علي شمخاني ممثلَين لي في هذا المجلس”.

وسائل إعلام إيرانية تابعة لـ “الحرس الثوري” أكدت خلال الأسبوع، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سيرأس مجلس الدفاع المُعاد إحياؤه، فيما أشارت وكالة “فارس” للأنباء إلى تغييرات مرتقبة في أعلى الهرم القيادي، ومن المتوقع أن يحل علي لاريجاني، المقرب من النظام منذ فترة طويلة، محل الأدميرال علي أكبر أحمديان في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب الذي يُمثل المحور الرئيسي للاستراتيجية الخارجية والعسكرية الإيرانية.
ومن المتوقع أن يلعب المجلس، وهو بمثابة حكم دستوري كان خاملاً لفترة طويلة، دوراً محورياً في صياغة السياسات الدفاعية الاستراتيجية، حيث تنص المادة 176 من الدستور الإيراني، على أن المجلس الأعلى للأمن القومي “يُشكل مجالس تابعة، مثل مجلس الدفاع ومجلس الأمن القومي، بما يتناسب مع مهامه”.
وذكرت وكالة أنباء “فارس” أن “مصادر مطلعة” أكدت تشكيل مجلس الدفاع بعد الانتهاء من التغييرات الهيكلية داخل المجلس الأعلى للأمن القومي.
وأورد التقرير أيضًا أسماء الأعضاء المحتملين، مقترحًا أن يضم المجلس رؤساء الفروع الثلاثة للحكومة، وممثلين عن خامنئي داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، ووزير الاستخبارات، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والقائد العام لـ”الحرس الثوري”، والقائد العام للجيش (أرتيش)، وقائد مقر “خاتم الأنبياء” المركزي.
دور غير معلن!
هناك عدة أسباب معلنة وغير معلنة تقف خلف الخطوة الإيرانية بتشكيل المجلس، أولها هو إعطاء شعور في الداخل والخارج أن إيران تتحرك وتستخلص الدروس وتعد نفسها للمواجهة المقبلة، وهو ما يتفق نسبياً مع تصريحات المسؤولين الإيرانيين الذي يرون أن المواجهة المقبلة مع إسرائيل هي مسألة وقت، كما ورد في تصريح لوزير الخارجية عباس عراقچي في مقابلة مع صحيفة “فاينانشال تايمز”، قال فيه: “لا يوجد أي اتفاق لوقف إطلاق النار. هم أوقفوا العدوان دون شروط، ونحن بدورنا أوقفنا الدفاع. كل شيء يمكن أن يستأنف. هم يستطيعون الاستئناف، ونحن نستطيع الاستئناف”.

في إطار هذا الموقف، رفض الرئيس مسعود بزشكيان صراحةً أي ثقة بوقف إطلاق النار الحالي. وصرح بزشكيان قائلاً: “لا نثق بوقف إطلاق النار”، قائلاً: “في أي لحظة، من المرجح أن يطمع إسرائيل مرة أخرى في مهاجمتنا، وبطبيعة الحال، فإن قواتنا المسلحة مستعدة لمواجهة أي مستوى من العدوان”.
أما الدافع الثاني، فيتعلق بإعادة الهيكلة الداخلية، فيبدو أن الاختلافات وصعوبات الوصول أحياناً إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة، المرشد الإيراني علي خامنئي، خلال الحرب الـ12 يوما الماضية، لاتخاذ القرار النهائي، قد أوجبت ضرورة تشكيل هيئة تمتلك صلاحية صنع القرار واتخاذ القرارات الاستثنائية النهائية، في حال غياب القائد أو تعذّر الوصول إليه.
في اليوم الحادي عشر من الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، عندما قدم ستيف ويتكوف، مستشار ومبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عرض وقف إطلاق النار إلى وزير الخارجية الإيرانية، لم يتمكن الأخير من الوصول إلى خامنئي الذي كان مختبئاً في موقع سري للغاية جراء القصف الإسرائيلي. كما فشل في الاتصال بالرئيس مسعود بزشكيان أيضاً، فقرر عراقجي بالتعاون مع الجنرال محمد باکبور، القائد العام لـ”الحرس الثوري”، قبول عرض وقف إطلاق النار بشكل ثنائي،
فيما أثار هذا القرار، المتخذ في غياب القائد الأعلى للقوات المسلحة، استياء بعض المحافظين من اتخاذ القرار، وبطبيعة الحال، فإن الظروف الطارئة وعدم إمكانية الوصول إلى القائد العام للقوات المسلحة لاتخاذ القرار النهائي أو المصادقة على القرارات، يعرّض عملية صنع القرار لأزمة حقيقية في الداخل الإيراني.
أم الدافع الثالث هو تنسيق العلاقات بين الجيش الإيراني وقوات “الحرس الثوري” من جهة، والتنسيق بينهما وبين الحكومة والقضاء والبرلمان من جهة أخرى. فإيران، على عكس جميع دول العالم، تمتلك جيشين نظاميين، ودخول كليهما في ساحة المعركة أو الدفاع، يتطلب التماسك والتنسيق، ففي الأيام العادية يتم التنسيق بين الجيش والحرس من قِبَل هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ولكن في حالة الحرب، يصبح التنسيق الميداني بينهما وبين أركان الحكومة ضرورياً، لهذا شكل المجلس ليكون حلقة وصل بين القوات المسلحة وبين الحكومة بشكل عام.
ورغم المعلومات القليلة عن المجلس ودوافعه، وكالة “تسنيم” الحكومية التابعة لـ”الحرس الثوري” كانت من بين وسائل الإعلام المحلية القليلة التي تناولت هذا الموضوع بمزيد من التفصيل، إذ كتبت قائلة إنه “في ظل التحديات الأمنية الجديدة وتعقيد التهديدات الإقليمية والدولية فإن إحياء مجلس الدفاع يمكن أن يسهم في تعزيز سرعة وكفاءة صنع القرار الدفاعي في البلاد”، واعتبرت أن هذه الخطوة أصبحت ضرورية بالنسبة إلى إيران في ظل الظروف الراهنة، وكتبت صحيفة “سازندكی” التابعة للتيار الإصلاحي أنه “في المؤسسة الجديدة التي يصفها المحللون بأنها غرفة حرب دائمة، يجري نقل شخصيات مهمة من أعلى هرم الأجهزة الأمنية”.
من جانبه علق عمرو أحمد مدير وحدة إيران بـ “المنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار”، لـ “الحل نت”: “إيران تعمل على ترتيب البيت من الداخل على مستويات عدة خاصة بعد ظهور نقاط ضعف استثمرتها إسرائيل وبموجبها حققت مكاسب خلال حرب الـ 12 يوم، إيران داخليا لم تنفصل عن الحرب ولا تعتبرها انتهت كليا بل تترقب نشوب مواجهات جديدة في أي لحظة بحسب تصريحات المسؤولين العسكريين والسياسيين في إيران، كما أن مجلس الدفاع في حلته الجديدة معني بدور تنظيمي بين كافة الأجهزة السيادية في الدولة تحت مظلة المجلس الأعلى للأمن القومي، ومهامه وفق المادة 176 من الدستور هي التنسيق العسكري بين مختلف القيادات العسكرية، وتعزيز القدرات الدفاعية ووضع خطط عسكرية دفاعية عاجلة ترقبا لتكرار سيناريو الحرب مع إسرائيل”.
إنقاذ للشعب أم للنظام؟
ليس كل ما يعلن في إيران حول الحكومة والقيادة هو كل شيء، فيما اعتاد النظام الإيراني على المناورة طوال الوقت فيما يتعلق بخطواته وأهدافه الحقيقية، فما نشر حول مجلس الدفاع لا يعكس كل الحقيقية، والتي مركزها أن المرشد الأعلى لإيران وقادته الكبار يسعون جاهدين إلى إعادة تأكيد السيطرة بعد أن تحطمت دفاعات الجمهورية الإسلامية، عسكريا ونفسيا في الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

حيث جاء الإعلان عن مجلس الدفاع الجديد مصحوبًا بقائمة مُحددة من قلب النظام: قادة “الحرس الثوري” والجيش، ورئيس البرلمان، ورئيس السلطة القضائية، ووزير الاستخبارات، وممثلو علي خامنئي نفسه. جميعهم الآن يخضعون لقيادة حربية واحدة، في حين صاغت وسائل الإعلام الإيرانية هذه الخطوة باعتبارها إجراءً لتعزيز الكفاءة، يرى المنتقدون في الخارج شيئاً أن النظام في موقف دفاعي، عسكرياً وسياسياً.
من جانبه، أكد المحلل السياسي في “إيران إنترناشيونال”، مراد ویسي، أن تشكيل مجلس الدفاع لا يستهدف حماية الشعب أو البلاد، بل يسعى إلى حماية النظام ومنع سقوطه، وأضاف: أن “المفاجأة التي تعرّضت لها القيادة الإيرانية خلال الحرب الأخيرة أضعفت ثقة خامنئي بالقيادات العسكرية، ولذلك يعمل الآن على بناء مؤسسات فوق قيادة الحرس الثوري والجيش وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة”.
هل يحل المجلس أزمات طهران؟
هناك سؤال هام لم يجيب عنه المسؤولين في طهران، وهو هل بإمكان مجلس الدفاع الجديد أن يحل أزمات إيران الحقيقية؟ والتي تتعلق ببناء القدرات العسكرية وإعادة ترميم البنية التحتية العسكرية، بالتزامن مع الأزمات الاقتصادية؟

من جانبه، قال الباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط والعقيد المتقاعد الدكتور موشيه إيلاد لصحيفة “معاريف”، إن تكلفة إعادة بناء إيران بعد الحرب القصيرة ولكن المدمرة التي استمرت 12 يوما ضد إسرائيل ربما تتجاوز نصف تريليون دولار، في ظل اقتصاد يعاني من العقوبات وهروب رؤوس الأموال وقلق المستثمرين، وأشار إلى طهران سيكون عليها تحويل الموارد الشحيحة من الخدمات الاجتماعية وتحسين البنية التحتية التي طال انتظارها إلى إعادة الإعمار الأساسية، في حين تحاول تهدئة الاضطرابات الداخلية وطمأنة الشركاء المتوترين في الخارج.
وصلت أضرار الحرب المباشرة وحدها إلى عشرات المليارات، معظمها في قطاع الطاقة والبنية التحتية، كما دمرت الضربات الصاروخية والهجمات الإلكترونية الإسرائيلية ما لا يقل عن 120 برجًا سكنيًا ومحطة كهرباء ومنشآت رئيسية للتخصيب النووي.
وجدير بالذكر إنه قبل الحرب، طالبت إيران بالإفراج عن نحو 70 مليار دولار من أصولها الخارجية، ومُغازلة صفقات طاقة ضخمة مع الهند والصين وروسيا. لكن هذه الطموحات مُعلّقة الآن. فقد شُدّدت العقوبات، ويخشى المستثمرون من تقلبات جديدة، وحتى المُشترين القدامى، مثل الصين، يُرسلون إشارات حذر، فيما تُواجه طهران الآن “أزمة اقتصادية مُتفاقمة” تتسم بهروب رؤوس الأموال وضغط ائتماني.
كما تغذي تلك الضائقة الاقتصادية الاضطرابات الاجتماعية، فارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، وارتفعت معدلات البطالة في المحافظات الأكثر تضررًا، و ردّ النظام باعتقالات جماعية وإعدامات مُعجّلة بهدف ردع المعارضة، كما أن بؤر التوتر مثل الأهواز وتبريز ومشهد قد تُشعل احتجاجات أوسع نطاقًا إذا توقّفت إعادة الإعمار أو تقلص دعم السلع الأساسية.
فيما من المفترض أن يقوم هذا المجلس مهام عاجلة تتمثل في إعادة الكهرباء إلى المراكز الصناعية، وإعادة فتح الطرق السريعة المتضررة، وطمأنة شركات التأمين الأجنبية بأن ممرات الشحن وخطوط الأنابيب آمنة. ومع ذلك، فبدون العملة الصعبة، سيكون التقدم بطيئًا. وبحسب خبير اقتصادي مقيم في طهران: فإنه “حتى لو خُففت العقوبات، فالأمر سيستغرق سنوات لتأمين التمويل والعمالة والمواد اللازمة لمشروع بهذا الحجم”.
أما الأزمة الأكبر لطهران، هي كيفية إعادة بناء مواقع صواريخ “الحرس الثوري” واستئناف إنتاج أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وهي نفس البرامج التي منحتها نفوذًا في المحادثات النووية، وذلك بعد أن أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 11 عالمًا بارزًا و20 قائدًا في “”الحرس الثوري” الإيراني، مما أدى إلى استنزاف الخبرة التقنية والقيادة، فليس من الواضح كيف سيساعد مجلس الدفاع في حل تلك الأزمة وتجهيز بدائل، أو تهيئة الأوضاع للعودة إلى التخصيب الكامل أو استعراض قوتها الإقليمية.
فيما تواجه طهران أزمة أخرى تتعلق بعدم وجود مساعدين لها في مسألة إعادة الترميم العسكري، ففي أثناء الحرب، أدانت موسكو الضربات لكنها لم تُقدّم أي مساعدة؛ ولا تزال بكين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، لكنها غير مستعدة لتمويل إعادة الإعمار، ومن المشكوك فيه أن تجازف بعلاقاتها مع الدول السنية وإسرائيل والولايات المتحدة وتقدم على تسليح إيران.
ويقول المحللون إنه إذا لم يتمكن النظام من إظهار تقدم واضح في غضون الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، فإن المظالم الاقتصادية قد تمتزج بالغضب السياسي بشأن التخطيط لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يبلغ من العمر الآن 86 عاما.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

