تعمل أم سهير وزوجها على عربة صغيرة لبيع الذرة والمعجنات على كورنيش طرطوس، فيما تعمل موظفة في مؤسسة المياه صباحاً، ويعمل زوجها في مخبز خاص مساءً. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة عمل الأسرتين، إلا أنهما تواجهان واقعاً واحداً في سوريا اليوم، إذ إن الدخل بات لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وتكاليف المعيشة، وبالتالي تعمل العائلات على تحديد أولوياتها القصوى في الحياة، مما يعني تالياً تقليص خيارات الأسر السورية، فيما تتسع المسافة بين ما تجنيه وما تحتاج إليه لتعيش، حتى يصبح تعليم الأبناء أو مواجهة نفقات طارئة عبئاً يفوق القدرة المالية للعائلة السورية.
يمكن القول إنه في سوريا اليوم، لم يعد العمل كافياً حتى يؤمّن قوت يومه، ولم يعد أيضاً وحده ضمانة للاستقرار، بل بات كثيرون يعملون كي لا ينحدروا أكثر في ضيق المعيشة، فيما تتآكل تدريجياً مقومات الحياة التي كانت تتيح للطبقة الوسطى الحفاظ على وجودها.
الدولة لا تُقاس قدرتها على التعافي بما تستعيده من موارد فحسب، ولكن بكيفية توزيع تكلفة هذا التعافي، وبما إذا كانت قراراتها تخفف العبء عن الناس أم تنقله إليهم كلما ضاقت الخيارات. فحين تعمل الأسرة السورية طوال الشهر ولا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية، أو يصبح تعليم الأبناء عبئاً يفوق دخل الموظف، هنا لا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، بل بأولويات السياسة الاقتصادية نفسها، وبقدرة المؤسسات على مراجعة قراراتها وتحمل مسؤولية آثارها. فالموارد العامة ليست أرقاماً في الموازنات، إنما هي فرصة لتقليص المسافة بين ما ينتجه الناس وما يستطيعون الحصول عليه من حياة مستقرة.
حين لا يكفي العمل لتأمين الاستقرار
لم تكن أم سهير تتوقع أن تصبح تكلفة نقل ثلاثة من أبنائها إلى مدرسة أبعد من منزلها في طرطوس عبئاً إضافياً يحتاج إلى دفتر حساب جديد. أُبلغت بأن أبناءها الثلاثة سينتقلون من مدرسة “عقبة بن نافع” إلى مدرسة المتفوقين “التجمع الغربي سابقاً”، بسبب العدد الكبير من المتقدمين. الأمر بالنسبة إليها بمثابة تغيير في مكان الدراسة، بل بنفقة مواصلات جديدة لم تكن مدرجة في حساباتها، فيما تحاول توزيع دخل أسرتها على احتياجات أربعة أبناء، والطعام والفواتير، وتكاليف العمل الذي تعيش منه، وفق ما تروي لـ”الحل نت”.

تعمل أم سهير مع زوجها على الكورنيش البحري في طرطوس؛ تساعده في إعداد وبيع المعجنات، فيما يبيع هو الذرة والفول. تبدو العربة مشروعاً صغيراً قادراً على تأمين دخل يومي، لكنها في الحقيقة عمل تحكمه تقلبات الموسم والطلب، وتسبقه تكاليف لا تتوقف حين يقل الزبائن. تحتاج إلى الغاز لتشغيل صاج المعجنات، وبطارية للإنارة، ومواد غذائية تشمل “الجبنة والزعتر والقريشة والمحمّرة والكشك والخضار”.
وتعمل أم سهير ساعات طويلة، ثم تجد أن ما أعدّته لم يُبع، فيما لا يمكنها استرداد ما أنفقته على التحضير بمجرد إغلاق العربة. تقدّر أم سهير حاجة أسرتها إلى نحو 6 ملايين ليرة سورية قديمة شهرياً.
وفي أيام العطلات الصيفية، حين يزداد وجود الزوار على الكورنيش، قد تصل مبيعات العربة إلى 600 ألف ليرة سورية قديمة في اليوم، لكن الربح اليومي الذي تقدّره يتراوح بين 100-300 ألف ليرة قديمة، فيما ينخفض الطلب كثيراً في الأيام الأخرى. ومع انحسار الموسم السياحي، يتوقف عمل العربة خلال الشتاء، فتنتقل أم سهير إلى رعاية الأطفال الرضّع والصغار في منزلها، مقابل نحو 25 ألف ليرة قديمة عن ساعة رعاية للطفل الواحد.
لا تستطيع هذه الأسرة انتظار موسم أفضل من دون البحث عن مصدر دخل آخر، ولا يمكنها تحويل يوم صيفي جيد إلى ضمانة للشهر المقبل. ولكن تضطر لأن تعمل باستمرار، لكنها لا تعرف مقدار ما ستجنيه، ولا تستطيع توقع كل النفقات التي ستُفرض عليها. وحين تظهر كلفة جديدة، مثل حالة صحية أو مواصلات الأبناء إلى مدرسة أبعد، لا تجد بنداً يمكن اقتطاعه بسهولة، لأن معظم ما يدخل المنزل موزّع سلفاً على احتياجات أساسية.
ما تكشفه لنا حكاية أم سهير يتجاوز ضيق حال أسرة واحدة. ففي سوريا، لا تتعلق أزمة المعيشة بمن لا يجدون عملاً فحسب، بل أيضاً بمن يعملون ولا تكفيهم عائدات عملهم لبناء حد أدنى من الاستقرار. وبين صاحب المهنة الحرة الذي لا يضمن مبيعاته، والموظف الذي يعرف راتبه مسبقاً لكنه لا يستطيع الاعتماد عليه لتغطية نفقات الشهر، تتقلص المساحة التي كانت تسمح للأسرة بأن تعيش من عملها وتدّخر قليلاً، وتخطط لتعليم أبنائها ومستقبلهم.
هذه المساحة هي ما يمكن تسميته الطبقة الوسطى، لا كشريحة اختفت دفعة واحدة، بل كنمط حياة قد تآكل بالفعل في سوريا. قد يحتفظ الموظف بوظيفته وقد يستمر صاحب المحل أو العربة في العمل، لكن كليهما يخسر شيئاً من قدرته على الاستقلال عن الحاجة، وعلى مواجهة مصروف طارئ، وعلى اتخاذ قرار بشأن مستقبل أبنائه من دون أن تكون الكلفة هي العامل الحاسم. فالتراجع هنا لا يُقاس فقط بمن فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم، بل أيضاً بمن ما زالوا يعملون، لكنهم ليسوا قادرين على الاحتفاظ بمستوى الاستقرار الذي من المفترض أن يضمنه لهم عملهم.
فجوة الدخل تحرم الأسر من التعليم والاستقرار
تقدم الأرقام صورة عن اتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات. ففي تقرير نشرته صحيفة “قاسيون” في 27 أيلول/سبتمبر الفائت، قدّر “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” متوسط كلفة معيشة أسرة سورية من خمسة أفراد بنحو 13.106 ملايين ليرة سورية شهرياً، والحد الأدنى بنحو 8.19 ملايين ليرة. وذكر التقرير أن الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 1.256 مليون ليرة، لا يغطي سوى نحو 9.5 بالمئة من متوسط كلفة المعيشة التي يحسبها المؤشر، فيما ارتفع متوسط التكاليف بنحو 2.5 بالمئة بين نهاية حزيران/يونيو ونهاية أيلول/سبتمبر.
يعتمد المؤشر منهجية تقدّر كلفة الغذاء الضروري بنحو 60 بالمئة من إجمالي الاحتياجات، وتخصص النسبة المتبقية للسكن والمواصلات والتعليم والصحة واللباس وغيرها. لذلك لا تتعلق الفجوة بالطعام وحده، بل بالأولويات اللازمة لحياة مستقرة.

لا تبدو الموظفة التي تعمل في مؤسسة المياه في طرطوس بعيدة عن هذه الصورة، رغم اختلاف طبيعة دخلها عن دخل أم سهير. فهي تتقاضى مليوناً 400 ألف ليرة بالعملة القديمة شهرياً، فيما يعمل زوجها في مخبز خاص خلال الفترة المسائية. هي تعمل صباحاً وهو يعمل مساءً، ويتوزع يومهما بين وظيفتين لا تتيحان لهما الالتقاء كثيراً، لكنهما يحتاجان إلى هذا الترتيب كي تستمر عجلة الحياة.
ليست المشكلة هنا غياب الرغبة في العمل أو التقصير في تدبير المنزل، بل أن الراتب الذي يفترض أن يمنح الأسرة قدراً من الاستقرار لم يعد يؤدي هذه الوظيفة وحده.
الموظفة الحكومية، سمر وهو اسم مستعار، لديهما ثلاثة أبناء، لكل منهم حكاية تكشف وجهاً من وجوه الضغط الاقتصادي. تدرس الابنة الكبرى الحقوق في حمص، بما يرافق الدراسة خارج المدينة من نفقات إضافية، ويعمل الابن الثاني في توصيل طلبات لأحد المطاعم، بينما حصلت الابنة الصغرى على شهادة البكالوريا ولم تتمكن من الالتحاق بالجامعة، لأن الأسرة لا تستطيع تحمل تكاليف دراستها، إذ لم تتمكن من بدء تعليمها الجامعي بسبب العجز عن تأمين نفقاته، بحسب ما تحدث لـ”الحل نت”.
حين تعمل الأم صباحاً والأب مساءً، ويضطر أحد الأبناء إلى العمل لتأمين دخله، فيما تُحرم ابنة من الجامعة، لا يعود الفقر مجرد حالة مالية آنية. إنه عامل يعيد توزيع الفرص داخل الأسرة، ويحدد من يستطيع مواصلة تعليمه ومن عليه أن يتوقف. وبينما تواصل شقيقتها دراسة الحقوق في حمص، ويعمل أخوها لتأمين دخله، بقيت الابنة الصغرى خارج التعليم الجامعي لأن أسرتها لم تعد قادرة على تحمل نفقاته.
وهكذا يتحول العجز المالي من أزمة في الحاضر إلى عامل قد يعيد إنتاج نفسه في المستقبل، عبر فرص تعليم أقل وخيارات أضيق لدخول سوق العمل.
وتتسع المفارقة حين ننظر إلى الاقتصاد السوري من زاوية المؤشرات العامة. ففي بيان صدر في 4 آب/أغسطس 2026، توقع صندوق النقد الدولي نمواً اقتصادياً بمعدلات من خانتين خلال العام، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج المحروقات والكهرباء والتجارة والخدمات.

لكنه أشار أيضاً إلى استمرار انتشار الفقر وعدم توازن التعافي بين المناطق، وإلى عودة الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار المستوردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخدمات والسكن.
هذا التقييم لا ينفي إمكان تحسن النشاط الاقتصادي، لكنه يذكّر أيضاً بأن النمو لا يترجم تلقائياً إلى تحسن متساوٍ في حياة الأسر. فقد تتوسع التجارة أو تتحسن قطاعات الإنتاج، فيما يظل دخل الموظف عاجزاً عن تغطية نفقات منزله، ويظل صاحب المشروع الصغير معرضاً لتراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.
وما يهم الأسرة ليس النمو في حد ذاته، بل ما إذا كان سيمنحها قدرة فعلية على شراء احتياجاتها، وتعليم أبنائها، ومواجهة نفقات طارئة من دون أن تضطر إلى التضحية بأحد هذه الاحتياجات.
بالنسبة إلى أم سهير، أزمة أو نقص توفر مادة الغاز فاتورة إضافية، بل عاملاً أساسياً لتشغيل فرن الصاج الذي تعمل عليه لتعيش منه. وبالنسبة إلى الموظفة، لا تنفصل كلفة النقل والطعام والطاقة عن قدرتها على الاحتفاظ بما تبقى من راتبها. وبينهما تتضح مشكلة لا يمكن اختزالها في أن الأسعار مرتفعة: الدخل نفسه صار موزعاً على احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها، وكل زيادة في واحدة منها تقلص ما يبقى للأخرى.
التعافي يبدأ من قدرة السوريين على العيش من عملهم
لا تعني تلك الصورة أن جميع السوريين يعيشون الظروف نفسها، أو أن كل أصحاب الأعمال الحرة والموظفين أصبحوا في وضع واحد. لكنها تشير إلى أن العمل لم يعد، بالنسبة إلى شرائح كبيرة من الأسر السورية اليوم، ضمانة كافية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وحين يتزامن ضعف القوة الشرائية مع تقلب دخل المهن الصغيرة وارتفاع تكاليف الخدمات، تبدأ الأسر بالتخلي عن أشياء كانت تعدّها جزءاً من الحياة الطبيعية، مثل الادخار لمواجهة الطوارئ، أو فرصة تعليم جامعي، أو القدرة على استقبال نفقات جديدة من دون الوقوع في أزمة.
لذلك لا يكفي قياس التعافي السوري بمعدلات النمو أو بعودة النشاط إلى الأسواق، مهما كانت أهميتهما. ينبغي أن يُقاس أيضاً بما يستعيده الناس من قدرة على العيش من عملهم، وبالفجوة بين الأجور وتكلفة الاحتياجات الأساسية، وبقدرة الأسرة على إبقاء أبنائها في المدارس والجامعات، وبما إذا كان المشروع الصغير يستطيع تغطية تكاليفه وتأمين دخل مستدام لصاحبه.
وبالتالي استعادة الطبقة الوسطى لا يأتي من حيث مطالبة السوريين بمزيد من الصبر أو بالتعويل على نمو اقتصادي قد لا يتأثروا إيجاباً على معيشتهم اليومية. يبدأ الحل من تقليص الفجوة بين الأجور وتكلفة المعيشة، عبر مراجعة دورية للأجور تستند إلى الأسعار الفعّلية، وتوسيع الحماية الاجتماعية لتصل إلى الأسر الأكثر هشاشة، وضبط تكاليف الخدمات الأساسية والنقل، مع دعم المشاريع الصغيرة التي تلتهم تكاليف التشغيل جزءاً كبيراً من دخل أصحابها.

ولذلك أيضاً، سوريا لن تستعيد عافيتها الاقتصادية بمجرد توافر المحروقات والكهرباء والغاز أو تحسن بعض المؤشرات، ما دام أسعار هذه الخدمات تفوق قدرة السوريين الاقتصادية، رغم أنهم يعملون لساعات طويلة. التعافي الممكن ليس وعداً كبيراً بالنهوض، بل خطة معلنة تربط الأجور بكلفة المعيشة، وتوجّه الحماية الاجتماعية إلى الأسر التي استنزفتها الأزمة والحرب، وتدعم المشاريع الصغيرة، وتتيح التعليم لمن باتت كلفته تهدد مستقبل أبنائهم. وينبغي نشر نتائج هذه الخطة بانتظام ومساءلة المسؤولين عن تعثرها، لأن التعافي لا يُقاس بما تصرحه الدولة عن اقتصادها، بل بما يستطيع المواطن شراءه من راتبه، وبما إذا كان قادراً على إبقاء أبنائه في مدارسهم وجامعاتهم من دون أن يتحول ذلك إلى عجز في مواصلة الحياة اليومية. عندها فقط يصبح بناء الدولة الجديدة تغييراً يلمسه الناس في حياتهم، لا مرحلة أخرى يُطلب منهم دفع ثمنها والانتظار لسنوات طويلة أخرى.
- “العمل وحده لا يكفي”.. كيف تفقد الأسر السورية استقرارها تحت وطأة تكاليف المعيشة؟
- القضاء الأميركي يسجن قرصاناً سورياً عمل لمصلحة نظام الأسد
- السيول في سوريا تودي بحياة 8 أشخاص وآخرون عداد المفقودين
- غارات تستهدف رتلاً “حوثياً” في هيجة العبد وتوقع أكثر من 50 قتيلاً وجريحاً
- العقول المركزية لتنظيم “القاعدة” في إيران.. هل تستخدمها طهران لمواجهة أميركا والخليج؟

