فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى “امتياز للأثرياء”؟

الجامعات الخاصة

لم يعد السؤال الذي يؤرق الطالب السوري وعائلته عند التفكير في التسجيل بالجامعات الخاصة مقتصراً على “سعر الساعة المعتمدة”، بل تحوّل إلى صدمة حسابية مركبة كشفت عنها لوائح رسوم العام الدراسي 2026–2027؛ إذ أزاحت الأرقام الستار عن واقع تعليمي بات يقاس بالملايين، محولاً حلم ارتداء المعطف الأبيض أو نيل شهادة جامعية من طموح أكاديمي مشروع للطبقة الوسطى إلى ما يشبه “امتيازاً طبقياً” محصوراً بشريحة ضيقة من المقتدرين مالياً.

فالكلفة الحقيقية التي يدفعها الطالب لا تقف عند حدود الرقم المعلن للساعة الواحدة في دليل القبول، وإنما تبدأ من حاصل ضرب هذا الرقم في مئات الساعات المعتمدة الإلزامية لنيل الإجازة، لتتراكم فوقها حزم الرسوم الإدارية والفصلية، وتكاليف المستلزمات المعملية، وبدل السكن الجامعي والمواصلات اليومية، فضلاً عن نفقات المعيشة المتصاعدة التي ترافق الطالب على امتداد خمس أو ست سنوات دراسية.

ملايين الليرات في سباق الساعات

تُظهر البيانات والوثائق التي رصدها “الحل نت” لرسوم العام الدراسي الجديد أن كلفة الساعات التدريسية وحدها في برامج الطب البشري باتت تلامس عتبة الـ 5 ملايين ليرة سورية جديدة، فيما تتخطى حاجز الـ 3 ملايين ليرة في كليات طب الأسنان، وتستقر فوق المليونين أو أكثر في كليات الصيدلة والهندسات، وهي أرقام تعكس الكلفة النظرية المجردة وفق الأسعار الحالية الثابتة، دون احتساب ما قد يطرأ عليها من زيادات دورية أو رسوم استثنائية يفرضها واقع التضخم لاحقاً.

في جامعة القلمون الخاصة في مدينة دير عطية بريف دمشق، يتطلب التخرج من كلية الطب البشري إنجاز 257 ساعة معتمدة، حُدد سعر الساعة الواحدة منها بـ 18,300 ليرة سورية جديدة، لتقفز الفاتورة الإجمالية لرسوم الساعات وحدها إلى نحو 4.703 ملايين ليرة.

رسوم أعلى 5 جامعات سورية في 2026- 2027 وفق إعلانها- الحل نت

ولا يبتعد طب الأسنان في الجامعة ذاتها كثيراً؛ إذ يحتاج الطالب لإنهاء 183 ساعة بسعر 16,300 ليرة للساعة (ما يعادل 2.983 مليون ليرة)، بينما تكلف دراسة الصيدلة نحو 2.61 مليون ليرة موزعة على 180 ساعة بسعر 14,500 ليرة، في حين تبلغ ساعات الهندسة المعمارية نحو 1.785 مليون ليرة بواقع 170 ساعة بسعر 10,500 ليرة.

المشهد ذاته يتكرر في جامعة إيبلا الخاصة بريف إدلب ؛ حيث تتطلب إجازة الطب البشري 252 ساعة بسعر 18,300 ليرة للساعة، لتبلغ الكلفة النظرية نحو 4.612 ملايين ليرة، بينما تستلزم الصيدلة 167 ساعة بسعر 14,600 ليرة، محققة كلفة إجمالية تقارب 2.438 مليون ليرة.

أما في جامعة الوادي الدولية بمحافظة حمص، فتصل كلفة ساعات طب الأسنان إلى قرابة 3.129 ملايين ليرة (190 ساعة بسعر 16,470 ليرة)، والصيدلة إلى 2.533 مليون ليرة (173 ساعة بسعر 14,640 ليرة)، بينما تبلغ كلفة البرامج الهندسية (المدنية، المعمارية، والمعلوماتية) نحو 1.856 مليون ليرة على أساس 169 ساعة بسعر 10,980 ليرة؛ يُضاف إليها رسم تسجيلي فصلي ثابت قدره 3,660 ليرة ورسم قيد يُسدد لمرة واحدة بقيمة 7,320 ليرة.

فخ “الساعة المعتمدة” واختلاف الهياكل الأكاديمية

تكشف هذه المقارنات أن التقييم السطحي لـ “سعر الساعة” غالباً ما يضلل أولياء الأمور والطلبة؛ إذ يلعب عدد الساعات المعتمدة في الخطة الدراسية لكل جامعة دوراً حاسماً في قلب المعادلة الحسابية، فقد يبدو رسم الساعة في كلية ما أقل كلفة للوهلة الأولى، لكن اشتراطها عدداً أكبر من الساعات للتخرج يرفع الفاتورة النهائية للشهادة إلى مستويات تفوق نظيراتها.

تتضح هذه المفارقة في الجامعة العربية الدولية (AIU)؛ حيث تبلغ كلفة دراسة طب الأسنان فيها نحو 2.928 مليون ليرة موزعة على 183 ساعة بسعر 16 ألف ليرة للساعة، بينما تقفز الصيدلة إلى 2.67 مليون ليرة (178 ساعة بسعر 15 ألف ليرة)، وتصل هندسة المعلوماتية والاتصالات إلى 2.028 مليون ليرة (169 ساعة بسعر 12 ألف ليرة).

وفي المقابل، تسجل جامعة الشهباء كلفة أعلى لطب الأسنان تتجاوز 3.016 ملايين ليرة (185 ساعة بسعر 16,300 ليرة)، وهندسة المعلوماتية بـ 2.197 مليون ليرة (169 ساعة بسعر 13 ألف ليرة)، وبرنامج الأعمال والإدارة بنحو 858 ألف ليرة (132 ساعة بسعر 6,500 ليرة).

وتصل هذه الإشكالية ذروتها مع غياب الشفافية في بعض المؤسسات، كما هو الحال في جامعة قاسيون الخاصة، التي أعلنت عن أعلى تسعيرة لساعة التدريس في الرصد الميداني بواقع 18,500 ليرة لطب الأسنان و16,800 ليرة للصيدلة، غير أن جداولها المعلنة للعام الدراسي الجديد خلت من تحديد مجموع الساعات الإجمالية المطلوبة لنيل الإجازة، مما يترك الطالب أمام معادلة مالية مجهولة السقف لا يمكن احتساب عبئها التراكمي مسبقاً.

فجوة رقابية وقفزات تتجاوز 100%

تأتي هذه الارتفاعات الصادمة بعد تحول جذري ومربك في السياسة التسعيرية؛ فبعد أن كان مجلس التعليم العالي قد فرض في العام الدراسي 2025–2026 سقوفاً عليا محددة بالدولار الأميركي (50 دولاراً للطب البشري، و45 دولاراً للأسنان، و40 دولاراً للصيدلة، و30 دولاراً للهندسات، مع إلزام الطلاب القدامى بسعر تسجيلهم الأولي)، جرى في عام 2026–2027 إقرار الرسوم بالليرة السورية الجديدة في ظل غياب محددات تنظيمية معلنة.

هذا الغياب سلط عليه الضوء تقرير تحليلي لمركز “جسور للدراسات”، كشف فيه عن “فجوة رقابية” حادة تركت للجامعات الخاصة حرية تحديد أسعارها بشكل منفرد دون صدور قرار مركزي من وزارة التعليم العالي يحدد الأسقف السعرية أو معايير احتسابها للعام الجديد.

ونبه المركز إلى أن هذه الفجوة سمحت للجامعات بإعلان زيادات قياسية تجاوزت في بعض التخصصات حاجز الـ 100 بالمئة مقارنة بالعام الفائت، محذراً من أن تأخر التدخل الحكومي يحول هذه الأرقام المنفردة إلى أمر واقع يصعب تعديله مع انطلاق مفاضلات القبول والتسجيل.

الجامعات أعلنت زيادات قياسية تجاوزت في بعض التخصصات حاجز الـ 100 بالمئة مقارنة بالعام الفائت- إنترنت

وأكد تقرير “جسور” أن هذه القفزات توجه ضربة مباشرة لفرص شريحة واسعة من الطلاب في متابعة تعليمهم الجامعي، لافتاً إلى أن الجامعات الخاصة تمثل في الواقع السوري ملاذاً إجبارياً للراغبين في دراسة تخصصات معينة لم تؤهلهم درجاتهم في الشهادة الثانوية للوصول إليها في الجامعات الحكومية بفوارق طفيفة، ما يعني أن العبء المالي الجديد يحرمهم قسراً من طموحهم الأكاديمي.

وعلى الرغم من محاولة إضفاء طابع الاستقرار عبر التسعير بالعملة الوطنية الجديدة، تكشف المقارنة الاقتصادية مع مستويات الدخل الرسمية عن فجوة هائلة تفوق طاقة المجتمع الاستيعابية؛ فبموجب المرسوم رقم 67 لعام 2026، حُدد الحد الأدنى العام للأجور في البلاد بـ 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً للعاملين في الدولة، ما يعني أن سداد رسوم ساعات الطب البشري في جامعة القلمون وحدها (4.703 ملايين ليرة) يتطلب تخصيص كامل الراتب الشهري لمدة 374.5 شهراً، أي ما يعادل أكثر من 31 عاماً متواصلة من العمل دون اقتطاع قرش واحد للطعام أو الشراب أو السكن.

تتطابق هذه المفارقة الصادمة مع المؤشرات الدولية الصادرة عن الوكالة الأوروبية للجوء (EUAA)، والتي تؤكد أن أكثر من 67 بالمئة من السوريين باتوا يرزحون تحت خط الفقر الوطني، فيما يعيش ما لا يقل عن ربع السكان تحت خط الفقر المدقع (وفق معيار 2.15 دولار يومياً للفرد)، وهو ما يعني أن التكلفة النظرية المجردة لقسط جامعي سنوي واحد تبتلع ميزانية عائلة سورية بأكملها لسنوات عدة.

نفقات الظل

ولا تمثل الأقساط سوى رأس جبل الجليد في رحلة التعليم الخاص؛ فإلزامية التدريب العملي في الكليات الطبية تفرض على طالب الأسنان، على سبيل المثال، شراء أدوات الحفر والمواد الترميمية وقوالب الجبس ورؤوس التوربين من حسابه الخاص وبالقطع الأجنبي، وهي مصاريف تقارب في بعض السنوات كلفة الساعات الأكاديمية نفسها.

يُضاف إلى ذلك التوزيع الجغرافي لمعظم الجامعات الخاصة خارج مراكز المدن؛ فوجود جامعة القلمون في القلمون وجامعة الوادي في ريف حمص الغربي يفرض على عائلات الطلاب القادمين من محافظات أخرى سداد بدلات سكن جامعي ومصاريف معيشية ونقل يومي تتجاوز شهرياً ضعف الحد الأدنى للأجور.

وتعمقت هذه الأزمة المعيشية مع القرار الصادر عن وزارة التعليم العالي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، والذي قضى بإلغاء منح الجامعات الخاصة المجانية والمخفضة بدءاً من العام الدراسي 2025–2026، لتُغلق بذلك آخر نافذة أمل كانت تتيح للطلبة المتفوقين من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة كسر الاحتكار المالي ودخول هذه الكليات عبر بوابة الجدارة العلمية.

جدل “الصندوق السيادي” في الميزان

لم يتوقف قلق الشارع السوري عند الحسابات الرياضية للأقساط، بل غذّته نقاشات واسعة وتساؤلات ربطت بين هذه القفزات السعرية غير المسبوقة وبين ما تردد في الأوساط المحلية عن مساعي “الصندوق السيادي” لإعادة هيكلة ملكية أو إدارة عدد من الصروح الجامعية، مثل جامعات “الشام” و”المنارة” و”السورية” وصولاً إلى “القلمون”.

الجامعات أعلنت زيادات قياسية تجاوزت في بعض التخصصات حاجز الـ 100 بالمئة مقارنة بالعام الفائت- إنترنت

هذا اللغط استدعى توضيحات حاسمة؛ إذ سارعت شركة “النبراس”، المالكة لجامعة القلمون، إلى تفنيد ما يُشاع حول نزع الملكية أو تحويل الاستثمار، مؤكدة أن إجراءات لجنة الكسب غير المشروع انحصرت في التحفظ على شركة “ذرى” التي تحوز حصة أقلية تبلغ نحو 14 بالمئة فقط من أسهم “النبراس”، دون أي مساس بملكية الجامعة أو بنيتها المؤسسية.

كما شدد وزير التعليم العالي مروان الحلبي على أن المتابعات الجارية ذات طابع قانوني بحت يستهدف تسوية ملفات شركات محددة ولا يستهدف بأي شكل المؤسسات التعليمية أو استقرار عمليتها التدريسية.

تسليع المعرفة وتآكل تكافؤ الفرص

رغم المبررات التشغيلية التي تدفع بها إدارات الجامعات، والمتمثلة في تضخم تكاليف الطاقة وتشغيل المولدات، وصيانة التجهيزات المخبرية، وارتفاع أجور الأساتذة؛ يشدد تقرير مركز “جسور” على أن تصاعد الرسوم دون أن يقابله ارتقاء ملموس في جودة التعليم والمخابر وحوافز الكوادر التدريسية، يعزز نمطاً خطيراً يتعامل مع الطالب بوصفه “زبوناً” ومع الشهادة بوصفها “سلعة”.

وهو ما يتقاطع مع رؤية الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، في حديث خاص لـ “الحل نت”، مؤكداً أن القضية تجاوزت الأبعاد المحاسبية للربح والخسارة لتمس صميم العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

الجامعات أعلنت زيادات قياسية تجاوزت في بعض التخصصات حاجز الـ 100 بالمئة مقارنة بالعام الفائت- إنترنت

ويرى شعبو أن التضخم الحالي يمارس ضغطاً مزدوجاً وشرساً، فهو يرفع تكلفة التشغيل على الجامعات من جهة، ويستنزف القدرة الشرائية للأسر السورية من جهة موازية، محذراً من أن “قراءة تكاليف الجامعات بمعزل عن سلم الأجور الوطني هو تضليل اقتصادي؛ إذ تضطر العائلات اليوم للمفاضلة القاسية بين تأمين الغذاء والدواء أو بيع ممتلكاتها وأراضيها لتعليم أحد أبنائها”.

ويخلص شعبو إلى أن استمرار هذا المسار التصاعدي دون تدخل تنظيمي يعيد إحياء المنح الطلابية أو يربط الرسوم ببرامج قروض تعليمية ميسرة، سيكرس انقساماً طبقياً حاداً في سوق العمل المستقبلي؛ بحيث يُحرم الطالب المتفوق علمياً من مقعده المستحق لمصلحة من يمتلك السيولة النقدية، لتتحول الجامعات الخاصة من روافد تنموية تسهم في نهضة البلاد إلى نوادٍ مغلقة لا يدخلها إلا القادرون على دفع الفاتورة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم