العقول المركزية لتنظيم “القاعدة” في إيران.. هل تستخدمها طهران لمواجهة أميركا والخليج؟

كان الفريق مايكل فلين، الذي تولى رئاسة وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية سابقاً وعمل في العراق وأفغانستان، من أوائل القادة العسكريين الأميركيين الذين قدموا شهادات وأدلة حول طبيعة الدعم والتسهيلات التي منحتها إيران لتنظيم “القاعدة”، ملقياً الضوء على الدور الإيراني في تسهيل انتقال فلول التنظيم وعناصره من أفغانستان عقب التدخل الأميركي.

وفي توثيق أعمق لهذه الحقبة، يفصل الكاتب أدريان ليفي في كتابه “المنفى: فرار أسامة بن لادن”، الدور المحوري الذي اضطلع به “الحرس الثوري” الإيراني في توفير ملاذات آمنة وحماية لأسرة بن لادن وإيوائها داخل مجمعات سكنية في إيران، إلى جانب قيادات تاريخية وازنة من الصف الأول لتنظيم “القاعدة”، وفي مقدمتهم سيف العدل، الذي يتولى تزعم التنظيم حالياً وعبد الرحمن المغربي اللذان لا يزالان يقيمان فوق الأراضي الإيرانية.

وتقدم وقائع ما قبل هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 أحد الأدلة الأوضح على وجود قنوات اتصال سابقة وتفاهمات مصلحية بين الجانبين؛ إذ خلص تقرير لجنة التحقيق الأميركية في الهجمات إلى وجود أدلة قوية تثبت أن إيران سهلت عبور عناصر من التنظيم إلى أفغانستان ومنها، وأن بعض هؤلاء كانوا ضمن المجموعات المنفذة للهجمات لاحقاً. وأشار التقرير الاستقصائي إلى أن النظام الإيراني كان يغض الطرف عن مرور مسافري التنظيم عبر أراضيها دون ختم جوازات سفرهم، في إجراء تكتيكي يقلل من احتمالات إثارة الشبهات حولهم عند عودتهم إلى بلدانهم الأصلية.

بعد التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان عام 2001، انتقل الملف إلى مربع أكثر تعقيداً؛ حيث تدفق إلى إيران أفراد من تنظيم “القاعدة” الفارين من العمليات العسكرية، وكان من بينهم قيادات بارزة وعائلاتهم. وتواترت التقارير الاستخباراتية والصحفية التي تؤكد خضوع عدد منهم للإقامة الجبرية المقيدة أو الاحتجاز المرن، قبل أن تتغير خطوط التعامل وأوضاع بعضهم القانونية في مراحل لاحقة تبعاً لمتغيرات المشهد الإقليمي.

وتؤكد التحليلات الاستخباراتية والإعلامية أن طهران استضافت واحتجزت الرعيل الأول من قادة التنظيم، وفي مقدمتهم سيف العدل، وأبو محمد المصري، وأبو الخير المصري. وتجلت خطورة هذا الملف في الإعلان عن مقتل “أبو محمد المصري” رفقة ابنته (أرملة حمزة بن لادن) في قلب العاصمة طهران عام 2020، في عملية اغتيال غامضة نسبتها صحيفة “نيويورك تايمز” لاستخبارات دولية، وهي الرواية التي سارعت طهران إلى نفيها رسمياً آنذاك للتنصل من تبعات استضافة قادة مصنفين على قوائم الإرهاب الدولية.

العقول المركزية في طهران

تكتسب قضية وجود سيف العدل وغيره من القيادات في إيران أهمية بالغة بالنظر إلى موقعه في هرم القيادة؛ إذ وضعت التقارير الأمنية والأممية تواجده داخل الأراضي الإيرانية كمعطى أساسي يحدد مركز الثقل الفعلي للقيادة العليا للتنظيم عالمياً.

وفي تقريرها الصادر في شباط/ فبراير 2026، أشارت لجنة الرصد والدعم التحليلي التابعة لمجلس الأمن الدولي إلى أن الأسئلة لا تزال قائمة ومثيرة حول طبيعة قيادة سيف العدل الفعلية للتنظيم وهامش الحرية المتاح له. ولا تقتصر القيمة المحتملة لوجود شخصية بهذا الوزن داخل إيران على مخزون معلوماته حول الشبكات الدولية، إنما تحوله إلى ورقة مقايضة تفاوضية ثقيلة يمكن إشهارها أو إخفاؤها في القنوات الخلفية مع القوى الغربية. بالإضافة إلى كونه قناة اتصال استخباراتية تتيح له النفاذ إلى القرارات الداخلية للفروع المنتشرة في ساحات متعددة.

وينطبق الأمر ذاته على عبد الرحمن المغربي، الذي تضعه دراسات مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت” ضمن أبرز الوجوه القيادية المرتبطة بإيران والمقيمة فيها. وقد أكد تقرير فريق الرصد الأممي لعام 2026 إشراف المغربي المباشر على إدارة مؤسسة “السحاب”، التي تمثل المنصة الإعلامية الرئيسية والأداة التوجيهية الكبرى لقيادة التنظيم المركزية.

وتمنح هذه المسؤوليات التنفيذية والإعلامية “المغربي” أهمية تتجاوز دوره التقليدي؛ فإمساكه بزمام المنصة المركزية يضعه في عمق عملية إنتاج الرسائل وصياغة الخطاب الأيديولوجي الموجه لعناصر التنظيم وفروعه. بإضافة إلى تقارير وتحقيقات استقصائية تفيد بضلوعه في مهمات أكثر مسؤولية ومنها إدارته للجنة بخارى التي أسسها الظواهري ليدير الخلافات الداخلية في التنظيم.

كيف تلتقي إيران الشيعية بـ “القاعدة” السلفية؟

لم تكن العلاقة بين إيران وتنظيم “القاعدة” يوماً تحالفاً تقليدياً يجمعه تطابق أيديولوجي أو مشروع سياسي مشترك؛ فعلى الرغم من التناقض العقائدي والمذهبي الحاد بين نظام شيعي اثني عشري في طهران، وتنظيم سلفي جهادي متشدد يكفر الشيعة في أدبياته المعلنة؛ يبرز السؤال المركزي إلا وهو: كيف ولماذا استضافت إيران العديد من قيادات الرعيل الأول وعائلات تنظيم “القاعدة” فوق أراضيها؟

وفي تفسيره للجذور التاريخية والفكرية لهذا التداخل، يرى الدكتور عصام الفيلي، المختص في شؤون الجماعات الإرهابية، في تصريح خاص لـ “الحل نت”، أن “علاقة إيران مع تنظيمات القاعدة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لجذور أعمق؛ فمن الناحية الفكرية، استوحت القاعدة اسمها وأيديولوجيتها من أفكار سيد قطب حول (القاعدة الصلبة)، وهو المفكر السني الذي ارتبطت الثورة الإيرانية بأفكاره مبكراً”.

ويضيف الفيلي: “لقد ازداد هذا التعاون في مرحلة ما بعد ظاهرة (الأفغان العرب) إثر سقوط الاتحاد السوفيتي وانتفاء الحاجة إليهم في أفغانستان. حيث تؤمن إيران استراتيجياً بأن أي بعد إسلامي، وإن اختلف معها مذهبياً أو طائفياً، هي قادرة على احتوائه وتوظيفه واستغلاله؛ والدليل هو وجود أبناء أسامة بن لادن في إيران باعتراف القيادة الإيرانية نفسها، ناهيك عن التنسيق القديم مع مكاتب “الحرس الثوري” الإيراني التي كانت تعمل في السودان وترتبط بعلاقات واضحة مع بن لادن أثناء تواجده هناك”.

ويحدد الدكتور الفيلي نقطة الالتقاء الجوهرية في “وحدة الهدف؛ فالهدف بالنسبة لتنظيمات القاعدة هو مقاتلة أميركا، وإيران تؤمن بأن أميركا هي عدوها الأول. لذلك، تتحرك طهران في المناطق الرخوة مثل إفريقيا وبقية الساحات مدفوعة بهذا التعاون التكتيكي”.

يضرب الفيلي مثالاً بـ “الدعم الإيراني الكامل لحركة حماس ذات الجذور الإخوانية السنية منذ توقيع اتفاقية أوسلو، مما يبرهن على أن طهران تؤمن تماماً بأن قوتها تكمن في أذرعها، وتتعامل مع القاعدة كتنظيم إسلامي راديكالي يمثل مرتكز قوة وورقة ضغط ومناورة إقليمية، سواء ضد دول الخليج العربي أو كأداة ضغط على الباكستان”.

ثلاثة خطوط لتجسير العلاقة مع “القاعدة”

يكشف الدكتور عصام الفيلي في تصريحه لـ “الحل نت” عن الهيكلية المعقدة داخل النظام الإيراني التي تدير هذا الملف الحساس، مشيراً إلى أنه يوجد ثلاثة خطوط متوازية تلتقي في النهاية عند نقطة واحدة ويتمثل الخط الأول في “الحرس الثوري” حيث يمتلك القدرات المالية والمقومات الميدانية للتحرك في إفريقيا وآسيا الوسطى وأميركا الجنوبية. والخط الثاني يتمثل في المرشد الأعلى الذي يعمل كخط استراتيجي مستقل وموجه لضبط طبيعية التعاطي والاستفادة من العلاقات مع تنظيم “القاعدة”.

 أما الخط الثالث، وفق المختص والمحاضر الجامعي في العراق، يتمثل في التبادل الاستخباراتي وتولي المتابعة الأمني والاختراق وبناء صفقات سرية لضرب حلفاء أميركا في المنطقة.

 ويرى الفيلي أن “هذا النظام ذو الهيكلية الكبيرة والأذرع الكثيرة يرى في التعامل مع القاعدة مكسباً ونضجاً سياسياً، وتتحرك هذه الخطوط الثلاثة بالتوازي تحت غطاء مناورات دبلوماسية مثل مؤتمرات (تقريب المذاهب)، بينما الحقيقة هي أن تحريك هذه الأذرع يمثل جزءاً ثابتاً من السياسة الإيرانية في الماضي، والحاضر، والمستقبل”.

هل تستخدم طهران “القاعدة” ضد واشنطن وحلفائها؟

إن وجود قيادات مركزية من “القاعدة” في إيران قد يمنح إيران فرصة للاستغلال التنظيم التكفيري الذي لا توجد مؤشرات عن تراجع قدرته في اتباع العنف والأساليب الإرهابية، كما أن سجل التعاملات السابقة يجعل توظيفه سياسياً وأمنياً احتمالاً جدياً.

يشير طارق السعد، محلل الإسلام السياسي، في تصريح خاص لـ “الحل نت”، إلى إن العلاقة محكومة ببراغماتية وانتهازية متبادلة، موضحاً أن إيران وفرت ملاذات ومضيفات آمنة لهؤلاء القادة وحمتهم في مراحل مختلفة، ثم فاوضت عليهم لتحقيق مكاسب أمنية وسياسية”.

إلا أن السعد ينبه إلى نقطة حاسمة في الجغرافيا السياسية للتوظيف: “من الممكن جداً عقد صفقات قصيرة المدى لمواجهة أعداء مشتركين”. ويوضح: “هذا التعاون التكتيكي قصير المدى قد ينشط في مواجهة دول مثل الأردن، أو السعودية، أو الإمارات، أو أي دولة تصنف كخصم مشترك للطرفين. ينتهي هذا التعاون بنهاية المهمة، وعملياته تبدو منفصلة ميدانياً لكنها في المحصلة تخدم الأجندة الإيرانية وتدار لصالحها”.

ويظهر هذا النمط بوضوح في الساحة اليمنية؛ حيث رصد تنسيق وتعاون ميداني سري ومحدود بين ذراع إيران جماعة “الحوثي” وعناصر من تنظيم “القاعدة” بهدف تقويض الأطراف الموالية لمدن خليجية كالإمارات. إنها معادلة “لا أصدقاء ولا أعداء دائمين”، بل صفقات موضعية تحرك خلايا وعائلات هؤلاء القادة كأوراق ضغط ومقايضة صامتة. وفقاً للمحلل.

تكشف هذه العلاقة عن جانب من سياسة طهران الإقليمية العدائية، تقوم على التعامل مع الخصوم والحلفاء المحتملين وفق حسابات المصلحة، لا وفق التقارب الأيديولوجي وحده. فاحتواء قيادات من “القاعدة”، رغم العداء العقائدي بين الطرفين، قد يمنح إيران أوراقاً إضافية لاستخدامها في مواجهة أميركا وحلفائها.

وعليه، يتعين على الولايات المتحدة الأميركية أن تتعامل بحزم مع هذا الملف لحماية مصالحها ونفوذها، وخصوصاً أن هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 أظهرت الكلفة الباهظة التي قد تترتب على الإخفاق في تقدير تهديدات التنظيمات الجهادية وشبكات تحركها، وخاصة في ظل الحديث عن إيران التي تآكل اقتصادها وقدراتها العسكرية، وتراجع نفوذها الإقليمي بشكل كبير بفعل التصعيد الأميركي الأخير.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري، يغطي الشؤون السياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة، مع اهتمام خاص بالملف الكردي وتقاطعاته مع الملفات الإقليمية. عمل على إعداد تحقيقات استقصائية وتقارير ميدانية وتحليلات إخبارية منشورة باللغة العربية، كما عمل مراسلاً ميدانياً لدى موقع "الجزيرة نت". وساهم أيضاً في مشروع "متحف سجون داعش"، المعني بتوثيق تجربة السجون المرتبطة بتنظيم داعش.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم