هيفاء محمود.. أشهر مدربة رقص عراقية تكسر العتمة وتصنع المساحة الآمنة

في العادة، يولد الفن من رحم الرفاهية، لكنه أحياناً يولد من قاع الوجع، ليغدو طوق نجاة حقيقياً لمن تقطعت بهم السبل. وفي مشهد نسائي عراقي يغلي بالتحديات والتحولات، تقف هيفاء محمود كواحدة من أكثر الأسماء إلهاماً؛ امرأة لم تكتفِ بأن تكون متفرجة على جمال الحياة من بعيد، بل نزلت إلى ميدان الصنعة لتصنع من رماد اليأس مساحة حية للبهجة، والشفاء، وانتصار الذات. إنها أشهر مدربة رقص في العراق.

النشأة الأولى: طفولة الحصار والحرية المفتوحة

تسترجع هيفاء محمود، ولادة عام 1994، ذكريات بداياتها الأولى التي اقترنت بفترة عصيبة من تاريخ العراق الحديث؛ حيث الحصار الاقتصادي القاسي، والظروف المادية الصعبة، ومن ثم التداعيات الأمنية والطائفية المظلمة عقب سقوط النظام السابق.

رغم كل تلك التحديات، كانت الطفولة تحمل في طياتها مساحة نادرة من الحرية والتأمل. نشأت هيفاء في بيئة شبه ريفية تميزت بالخضرة والمساحات الواسعة، وهي البيئة التي شكلت وعيها الجمالي الأول. كانت تقضي ساعات طوالاً بين الزرع، تراقب السماء والأشجار وتتساءل عن أسرار هذا العالم، مما خلق لديه شغفاً مبكراً بالجمال والفن بشتى أشكاله.

“كنا نبتكر ألعابنا وفننا من أبسط الأشياء؛ نقتطع الطين لنصنع منه مجسمات وقلائد، ونستخدم الفحم للرسم على الجدران، ونمثل المسرحيات الصغرى مع الأخوات. الفن كان ملاذنا الفطري التلقائي”.

الانتقال للمدينة ومتاهة الجدران الأربعة

جاءت نقطة التحول الأولى الحادة في حياة هيفاء عندما انتقلت عائلتها من تلك المساحات الريفية المفتوحة إلى بيت مغلق داخل المدينة. وجدت الفتاة الصغيرة نفسها فجأة محاصرة بين 4 جدران نتيجة مخاوف الأهل الشديدة من أوضاع الشارع الأمنية والخطف.

تلك العزلة الإجبارية دفعت هيفاء نحو العوالم البديلة؛ فالتحمت بالسينما والروايات والموسيقى. وهناك، في الغرفة المغلقة، اكتشفت شغفها بالرقص كوسيلة للتعبير الحر عن الذات وكسر قسوة العزلة والقيود.

“في العزلة، تصبح الموسيقى والرقص هما النافذة الوحيدة المطلة على العالم. كان الرقص هو المهرب الأعظم والجسر الذي أبقاني على قيد الحياة”.

شبح الاكتئاب واختيار ألم الشغف

لم يكن شبح الاكتئاب طارئاً عابراً في حياة هيفاء، بل رافقها لفترات طويلة وبشكل حاد؛ لم يكن مجرد تقلب مزاجي، بل كان ثقيلاً لدرجة أن نال من جسدها وصحتها، وحرمها من أبسط طقوس الاستيقاظ ومغادرة الفراش، وامتد لأشهر طويلة.

القسوة الكبرى بلغت ذروتها بين عامي 2019 و2020 بعد تخرجها وحصولها على وظيفة حكومية. تحول الاكتئاب إلى خطر حقيقي يهدد وجودها، وشعرت برغبة عارمة في ترك الوظيفة برمتها للهروب من هذا الجحيم الداخلي. الشعور بالخواء التام أخذ يتفاقم بشكل مرعب، وهنا أدركت أن الحل لا يكمن في الهروب، بل في التوقف والمواجهة الشجاعة.

“جلست مع نفسي قرابة سنة كاملة في صمت وتأمل، وقررت لجوءاً واعياً للعلاج النفسي. من تلك اللحظة الفاصلة، بدأتُ رحلة ولادة جديدة تماماً”.

حين تحولنا إلى التحدي الأكبر في حياة هيفاء، هكذا قالت: “في رحلة الحياة نجد أنفسنا بين نوعين من الألم؛ ألم الندم والتحسر لأننا لم نكن نملك الشجاعة بما يكفي لتحقيق ما نحب، وألم مواجهة نظرات المجتمع وأحكامه. جربت عيش الظل طويلاً حتى قادني إلى قاع الاكتئاب، فاخترت الألم الذي يطوّرني على ألم الخضوع لألسنة لا تنتهي”.

هيفاء محمود وبناء المساحة الآمنة 

بعد تعافيها، اتخذت هيفاء محمود قراراً شجاعاً بنقل شغفها في الرقص إلى العلن وتدريبه للآخرين. لم يكن الأمر سهلاً في مجتمع يحمل نظرة نمطية متوجسة تجاه الرقص. خاضت محاولات عديدة لم تخلُ من الصعوبات والرفض في البدايات.

وسط شح القاعات المتخصصة والرفض المجتمعي في بدايات الطريق، لم تستسلم هيفاء لنقص الدعم في الاستوديوهات السابقة، فاستخدمت المتاح حتى يتوفر لها غير المَتاح. وبدأت بمساعدة صديقتها في قاعة صغيرة، ومن ثم انطلقت لتستقطب شيئاً فشيئاً أولئك النسوة اللواتي يبحثن عن النجاة.

إصرارها قادها لتأسيس مساحتها الخاصة المكرسة كلياً للنساء فقط، قائلة إن “كلاساتها” مخصصة لهن فقط، لتضمن لمتدرباتها الخصوصية والأمان التامين بعيداً عن أية نظرات أو ضغوط خارجية.

استطاعت هيفاء تدريب ما يزيد عن 1000 متدربة، لتتحول صالتها من مجرد مكان لتعلم الحركات إلى “مجتمع نسائي مصغر” ينبض بالصداقات الحقيقية، والدعم النفسي المتبادل للموظفات وصاحبات الأعمال اللاتي يجدن في صالتها الملاذ الآمن من ضغوط الحياة.

“رقصة العرسان” والحلم الكبير

في عام 2024، أطلقت هيفاء فكرتها الجريئة وغير المسبوقة في العراق: “رقصة العرسان” (First Dance). ورغم أن الأصدقاء والعاملين في قطاع الأعراس استقبلوا الفكرة بتحفظ خشية عدم تقبل المجتمع لها، إلا أنها أصرت على خوض الغمار.

مع حلول عامي 2025 و2026، تحولت الفكرة إلى ظاهرة ناجحة ولافتة. أصبحت أول مدربة لرقصة العرسان، وهنا تقول: “الشباب يبدأون دائماً بحالة شديدة من الخجل والتردد، لكن بالصبر والتدريب الهادئ، يتجاوزون ذلك التحفظ ليقدموا في أعراسهم لوحات فنية مفعمة بالبهجة”.

تشير هيفاء، إلى أن الرقص الشرقي والرقص العراقي (الهِجَع) هما الأكثر طلباً وتأثيراً في النساء. الأول يحرر أنوثة المرأة ويجعلها تتصالح مع جسدها بلا معايير شكلية صارمة. الثاني يربطها بجذورها وتراثها الأصيل.

طموح هيفاء محمود لا يتوقف عند عند حدود الحاضر: “حلمي الأكبر أن أمتلك يوماً ما استوديو كبيراً ومخصصاً فقط للرقص بتجهيزات عالمية، وأن نبدأ بتعليم الأطفال والفئات العمرية المبكرة كما هو الحال في الدول المتقدمة، لنخلق جيشاً من المواهب الحقيقية”.

علي الكرملي

علي الكرملي

صحفي عراقي، كاتب ومحرر المحتوى البصري والرقمي في "الحل نت". حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة بغداد.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم