في مشهد اختلط فيه الوهم بالواقع، وبدا خلاله أن الشعارات الدولية مجرد أقنعة لواجهات ورقية، أعلنت محافظة حلب أواخر آب/أغسطس 2025 عن توقيع مذكرة تفاهم وُصفت بـ”الضخمة” مع ما سُمّي “المنظمة الدولية لحقوق الإنسان وشؤون اللاجئين” المعروفة اختصاراً بـ IOHR، بقيمة عشرة ملايين دولار، يفترض تخصيصها لمشاريع صيانة وتأهيل الطرق في المدينة المنهكة.
وجرى الإعلان عبر الصفحة الرسمية للمحافظة على موقع فيسبوك، وتناقلته وسائل الإعلام الرسمية بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا وتنمويًا يفتح الباب أمام مساهمة دولية في إعادة الإعمار.
منظمة بلا أثر في أي سجل دولي
حقيقة الأمر سرعان ما انكشفت، بعد أن كشف تحقيق صحفي نشرته منصة “تأكد” أن الكيان ورقي يفتقر إلى أي اعتراف قانوني أو مؤسسي، بعد التدقيق في هوية المنظمة والشخصيات التي مثلتها.

وفي حفل التوقيع ظهر المحافظ عزام غريب إلى جانب المدعو مروان محمد كنجو، الذي قدم نفسه بصفة “المفوض السامي للجمهورية العربية السورية” ممثلاً عن المنظمة.
وبدا الإعلان محاطًا بهالة من الرمزية، وكأنه خطوة نحو تدويل جهود إعادة إعمار حلب عبر قنوات إنسانية، لكن التدقيق في سجل المنظمة كشف سريعًا أن لا وجود لها في أي قاعدة بيانات للمنظمات غير الحكومية في الولايات المتحدة.
صور عشوائية وشعارات مسروقة
كما كشفت المنصة أن المنظمات غير مدرجة لدى الاتحاد الأوروبي أو المنصات الرقابية المتخصصة كـ Charity Navigator وGuidestar. حتى الموقع الإلكتروني الخاص بها بدا فقيرًا، يفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية، ويعتمد على صور عشوائية تحمل أسماء ملفات من قبيل “WhatsApp Image”، في إشارة واضحة إلى غياب أي بنية مهنية.
نوه التحقيق إلى أن أخطر ما في القصة أن الجهة المعلنة عن الاتفاقية نسبت لنفسها تاريخًا من العمل الدولي في مجال حقوق الإنسان واللاجئين، وزعمت امتلاك مكاتب في الولايات المتحدة.
وأظهر التحقيق أن الكيان سُجِّل لفترة وجيزة في بريطانيا عام 2023 بعنوان ثابت في أربيل – العراق قبل أن يُغلق بعد أقل من عام، وأن مديره ماجد الركبي قد اعتمد سلسلة من الكيانات المشابهة التي تتكرر أسماؤها وألقابها من دون أي نشاط فعلي.
أرقام افتراضية ونطاق مثير للريبة
في الوقت نفسه، أظهرت مراجعة الموقع الرسمي للمنظمة استخدامه شعارات منظمات كبرى مثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والصليب الأحمر للإيحاء بوجود شراكات، فيما لم تُسجل أي من هذه المؤسسات الأممية تعاونًا أو حتى ذكرًا لاسم IOHR في مشاريعها.

فيما تعلق جانب آخر من التحقيق بالوسائل التقنية للمنظمة، فالرقم الأميركي المدرج على موقعها تبين أنه رقم افتراضي مسجل عبر شركة متخصصة بتقديم خطوط VOIP قابلة لإعادة التخصيص، وقد حصل على مؤشر خطورة مرتفع وفق أدوات التحقق الدولية، في حين أن المنظمات المسجلة عادة ما تعتمد خطوطًا أرضية رسمية لدى مزوّدين كبار مثل AT&T أو Verizon.
أما النطاق الإلكتروني iohr-us.org فقد سُجل عبر مزوّد منخفض الكلفة، مع إخفاء بيانات المالك، وتبدلت عناوينه مئات المرات، وهو مؤشر آخر على ضعف البنية المؤسسية.
وجوه مرتبطة بفضائح مالية
لكن علامات الاستفهام لم تتوقف عند الكيان ذاته، بل طالت الأسماء المرتبطة به، فقد برز اسم فريدريك شولمان الذي قُدم كأمين عام للمنظمة، ليتبين أنه مستثمر أميركي مدان بالاحتيال المالي في قضايا تضخيم قروض عقارية بملايين الدولارات.
وزارة العدل الأميركية أعلنت عام 2024 اعترافه بالذنب في قضية تلاعب مالي، وفي ربيع 2025 صدر بحقه حكم بالسجن لعام كامل مع إقامة جبرية لاحقة، إضافة إلى إلزامه برد أموال ضمن إجراءات قضائية، وبذلك، فإن تقديمه كواجهة حقوقية دولية بدا أقرب إلى عملية تضليل ممنهجة.
أما الشخصية الأبرز في هذه الشبكة فهي ماجد الركبي، الذي يصف نفسه بـ”المفوض السامي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا” مستخدمًا لقب “دكتور”، رغم أن شهادته تعود لجامعة وهمية غير مدرجة في أي من قواعد بيانات التعليم الأميركية أو العالمية.
كيانات وهمية للدعاية السياسية
نشاط الركبي يكشف نمطًا متكررًا يقوم على تسجيل منظمات بأسماء رنانة، سواء في كاليفورنيا أو بريطانيا، باستخدام عناوين مكاتب افتراضية لا تتجاوز وظيفتها استقبال البريد، ثم حلها بعد فترة قصيرة.

وقد أسس خلال صيف 2025 وحده أربع منظمات في ولاية كاليفورنيا تحمل أسماء مثل “الاتحاد الدولي للتعليم” و”الاتحاد الموحد”، لكنها تتشارك جميعًا العنوان ذاته لشركة خدمات بريدية مقابل 50 دولارًا سنويًا فقط، النتيجة أن هذه الكيانات تبقى بلا وجود فعلي، لكنها تُستخدم كأدوات لتلميع صورة الركبي وإضفاء الشرعية على نشاطاته.
هذا النمط من الواجهات لم يقتصر على الخارج، بل ارتبط مباشرة بالدعاية السياسية للنظام السوري، فقد أطلقت “مؤسسة الماجد للتنمية” التي يديرها الركبي حملات إعلامية مؤيدة لبشار الأسد، وتبنت شعارات تمجيدية، بل وشاركت في دعم المجهود الحربي عبر توفير مواد لوجستية للجيش، مثل حطب التدفئة، وتنظيم مهرجانات في مناسبات بعثية رسمية.
واجهة دعائية لنظام “الأسد”
كما ارتبطت بشراكات مع اتحادات شبابية ورياضية تابعة للحزب، وظهرت في توقيع اتفاقيات مع وزارة التربية، حتى ذراعها الإعلامية “لأجلك سورية” لم تخف خطابها التعبوي الذي يربط نشاطات المؤسسة بالأسد مباشرة.
في هذا السياق، لا تبدو مذكرة التفاهم المعلنة بين محافظة حلب والمنظمة المزعومة سوى امتداد طبيعي لهذا النمط، فهي تمنح مشروعًا محليًا غطاءً “دوليًا” شكليًا، في حين أن جميع المؤشرات القانونية والمؤسسية تؤكد غياب أي صفة دولية حقيقية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف قُبلت جهة بهذه الضبابية لتكون شريكًا في اتفاقية بعشرة ملايين دولار؟، وهل هناك تمويل فعلي سيُضخ في مشاريع البنية التحتية، أم أن الأمر لا يتجاوز حملة دعائية لإيهام الشارع بوجود تعاون خارجي يعزز سردية النظام حول إعادة الإعمار؟
إعادة الإعمار بين الوهم والدعاية
الإجابة ليست واضحة بعد، لكن التحقيق الذي أجراه فريق “تأكد” يكشف أن المنظمة لا تمتلك أي سجل مالي أو قانوني معترف به في الولايات المتحدة أو أوروبا، ولا تظهر في بيانات الضرائب أو الرقابة على الجمعيات الخيرية، ولا تحظى بأي شراكة مع وكالات أممية رغم استخدام شعاراتها.

أما الشخصيات المحيطة بها فهي إما مدانون بجرائم احتيال مالي أو ناشطون في واجهات ورقية مرتبطة بالدعاية البعثية، وبذلك، تبدو الاتفاقية أقرب إلى اتفاق صوري يعيد إنتاج النهج الذي اعتاد عليه النظام عبر إنشاء كيانات موازية للترويج لإنجازات شكلية.
يبقى أن مثل هذه القصص تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل إعادة الإعمار في سوريا، فإذا كانت المشاريع تُدار عبر واجهات وهمية وشخصيات مثيرة للجدل، فإن الثقة بأي شراكات أو استثمارات ستبقى معلقة.
كما أن غياب الشفافية، وافتقار المؤسسات الرسمية إلى الحد الأدنى من آليات التدقيق، يفتح الباب أمام تضليل الرأي العام واستخدام شعارات “الدعم الدولي” كوسيلة لتغطية مشاريع داخلية لا تختلف كثيرًا عن حملات الدعاية السياسية.

