في مساء الخميس 25 أيلول/ سبتمبر الماضي، وبينما بدأت مكبرات الصوت تبث خطاب “عبد الملك الحوثي”، زعيم الجماعة “الحوثية”، دوت انفجارات متزامنة في صنعاء، كان أعنفها في حي الرقاص.
خلال دقائق، انهار المبنى الذي قٌدم للسكان على أنه “سكن طلابي”، لكن المشهد الذي تلا الضربة حمل ما هو أبعد من رواية جماعة “الحوثي” عن “استهداف أعيان مدنية”.
ماذا حدث بعد الغارات؟
طوقت عناصر بلباس مدني يتبعون جماعة “الحوثي” المكان، وفرضوا طوقاً كبيراً على المنطقة، مع انتشار أمني في جميع الشوارع المحيطة، منعوا التصوير، وطلبوا من السكان الصمت “لأسباب أمنية”.

وفق “المصدر أونلاين” فقد سٌحبت عشرات الجثث سريعاً، وصناديق معدنية وٌثّقت وهي تٌنتشل من تحت الركام، ثم أٌغلقت المنطقة بطوق أمني محكم، وكأنها مسرح سر عسكري كبير.
أٌخلي الموقع من الجثث والجرحى دون أي إعلان تفصيلي، وأٌزيلت بقايا المبنى خلال أيام، قبل أن يٌقام جدار من الطوب يخفي ما تبقى من المشهد، وفق سكان محليين تحدثوا لـ”المصدر أونلاين”.
وفي المقابل، أصدرت وزارة الداخلية التابعة لجماعة “الحوثي” بياناً يمنع المواطنين من نشر أي صور أو مقاطع لمواقع القصف بذريعة “خدمة العدو”، لتتحول الواقعة إلى مثال مكثّف على سياسة التعتيم الممنهجة.
إعلان “الحوثي” وفجوة الواقع
بينما أعلنت جماعة “الحوثي” عن 9 قتلى و170 جريحاً في عموم مدينة صنعاء، يؤكد سكان شارع الرقاص أن الحي وحده شهد أضعاف ذلك العدد.

وقد غابت القوائم الاسمية وتوزيع الإصابات بحسب المواقع المستهدفة، لتتحول الحصيلة إلى رقم سياسي أكثر منه حصيلة ميدانية قابلة للتحقق.
ويكشف هذا التناقض في رواية “الحوثي” جزءاً من “إدارة الضباب الإحصائي” التي تحوّل الأرقام إلى أداة لتقليل الخسائر وإخفاء المواقع الحساسة التي طالتها الضربات.
ما وراء الجدار؟
وبحسب المعطيات الميدانية التي وثّقها الأهالي، فإن المبنى المستهدف يعد مقراً استخبارياً لجماعة “الحوثي”، تدار فيه أنشطة سرية.

وتشير حركة المركبات قبل القصف بدقائق، والصناديق المعدنية التي أٌخرجت من تحت الأنقاض، والطريقة السريعة في تطويق المكان، مؤشرات على أن الضربة أصابت هدفاً نوعياً تحاول جماعة “الحوثي” إخفاءه بكل الوسائل.
وتحاول جماعة “الحوثي” منذ سنوات إدارة الحرب بالمعلومات قبل السلاح، فهي تٌخفي الخسائر، وتستبدل الشفافية ببيانات جاهزة، لا معلومة فيها.
وقد كشفت هذه الضربات، عن خوف جماعة “الحوثي” من الحقيقة، حيث منعت التصوير وصادرت هواتف الناس، ورغم ذلك فقد بقيت ذاكرة الحي هي الوثيقة الأخيرة.
وتعد غارة شارع الرقاص، لحظة انكشاف نادرة لما تحرص جماعة “الحوثي” على دفنه بالروايات الرسمية، حتى جاءت شهادات أهالي الحي التي نطقت بما رأته العيون في لحظة الغارات.

