موجة غلاء تضرب الأسواق السورية قبيل رمضان.. كيف أصبحت الأسعار؟

الأسواق السورية

تدخل الأسواق  السورية الأيام الأخيرة التي تسبق شهر رمضان على وقع موجة غلاء جديدة تضرب معظم السلع الأساسية، في مشهد يتكرر كل عام لكن بحدة أكبر هذه المرة، وسط تآكل مستمر في القدرة الشرائية للأسر وغياب مؤشرات واضحة على استقرار الأسعار.

وباتت جولات التسوق تبدو أقرب إلى اختبار يومي لقدرة العائلات على التكيف مع أرقام تتبدل بسرعة، فيما تتحول قائمة الاحتياجات الرمضانية من طقس اجتماعي مألوف إلى عبء اقتصادي ثقيل.

الحبوب ومشتقاتها: زيادات غير مسبوقة

سجلت المواد الغذائية الرئيسية زيادات لافتة طالت الحبوب ومشتقاتها، وهي مكونات أساسية في المائدة السورية، لا سيما خلال شهر الصيام، فقد بلغ سعر كيلو البرغل “الفرط” نحو 85 ليرة جديدة، فيما وصل المغلف منه إلى 95 ليرة، وفقًا لبيانات مؤشر “بزنس 2 بزنس” الذي يرصد حركة الأسواق.

أما الأرز، الذي يشكل مادة رئيسية في أطباق رمضان، فارتفع سعر “الأرز الغولدن” إلى 135 ليرة للكيلو الفرط و145 ليرة للمغلف، بينما تصدر الأرز البسمتي قائمة الأغلى بسعر 180 ليرة للفرط و190 ليرة للمغلف.

ولم تكن بقية الأصناف أفضل حالًا؛ إذ سجلت الشعيرية 111 ليرة للكيلو، والمعكرونة 112 ليرة، فيما قفز سعر كيلو الفريكة إلى 300 ليرة، وهو رقم يعكس فجوة واضحة بين الدخل المتوسط للأسرة وتكلفة طبق تقليدي يرتبط عادة بموائد الشهر الفضيل.

كما بلغ سعر كيلو الفوشار 120 ليرة، ووقية جوز الهند 150 ليرة، بينما وصل كيلو السمنة إلى 240 ليرة، في مؤشر على ارتفاع تكلفة مستلزمات الطهي والحلويات المنزلية.

التموين والمعلبات: زيادة بلا توقف

الزيادات لم تتوقف عند الحبوب، بل امتدت إلى المواد التموينية والمعلبات، فقد بلغ سعر كيلو المتة 560 ليرة، وكيلو السكر 72 ليرة، في حين وصل سعر كيلو الحمص الحب إلى 250 ليرة.

أما الزيوت، فسجلت علبة زيت “الأونا” 230 ليرة، بينما قفز سعر ليتر زيت الزيتون البلدي إلى 750 ليرة، وهو ما يضع هذا المنتج المحلي خارج متناول شريحة واسعة من المستهلكين.

وفي قسم المعلبات، بلغ سعر علبة السردين 90 ليرة، والتونا 120 ليرة، وعلبة المرتديلا (400 غرام) 80 ليرة، كذلك سجل كيلو الحلاوة “الفرط” 450 ليرة، وكيلو العدس المجروش 130 ليرة، وعدس المجدرة 180 ليرة.

الغلاء يصل حتى الروتين اليومي

حتى المواد المرتبطة بالروتين اليومي لم تسلم من الغلاء، إذ وصل سعر كيلو القهوة إلى 1300 ليرة جديدة، ووقية الشاي إلى 250 ليرة، بينما بلغ سعر كيلو السمنة النباتية 260 ليرة.

بينما في أسواق الخضار والفواكه، بدت الصورة مشابهة، فقد سجل الفطر أعلى سعر عند 750 ليرة للكيلو، تليه الفاصولياء الخضراء بـ 250 ليرة والبازيلاء بـ 240 ليرة.

أما البندورة فبلغت 100 ليرة للكيلو، واستقرت البطاطا والبصل عند 60 ليرة، فيما وصل سعر الكوسا والباذنجان إلى 120 ليرة، والفول الأخضر إلى 150 ليرة. وسجل الخيار 120 ليرة، والخس 50 ليرة، في حين تراوحت أسعار الربطات الصغيرة بين 15 ليرة للبقدونس و20 ليرة للنعناع و80 ليرة للسلق و90 ليرة للهندباء، وعلى صعيد الفواكه، بلغ سعر التفاح 150 ليرة للكيلو، والبرتقال 120 ليرة، والجزر 70 ليرة، واللفت والشوندر 40 ليرة.

وتعكس هذه الأرقام اتساع دائرة التضخم لتشمل مختلف مفاصل الاستهلاك، في وقت تشير فيه تقديرات منظمات دولية، بينها برنامج الأغذية العالمي، إلى أن أكثر من 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن انعدام الأمن الغذائي ما زال عند مستويات مرتفعة.

أسباب التضخم وموجة الغلاء

يعزو تجار هذه الارتفاعات إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها تقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى زيادة الطلب الموسمي قبيل رمضان، وهو ما يفتح الباب أمام موجات مضاربة وتخزين.

كما أن ضعف الإنتاج المحلي في بعض المحاصيل نتيجة ارتفاع كلفة مستلزمات الزراعة، من أسمدة ومحروقات، يحدّ من قدرة السوق على امتصاص الطلب المتزايد، ما ينعكس مباشرة على الأسعار.

في المقابل، يرى بعض التجار أن جزءًا من الزيادات مرتبط بتغيرات في سلاسل التوريد وارتفاع أسعار المواد المستوردة عالميًا، لا سيما البن والزيوت والسكر، وهي سلع تتأثر بتقلبات الأسواق الدولية وأسعار الشحن.

تراجع القدرة الشرائية بشكل حاد

بمقارنة المستويات السعرية الحالية بما كانت عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي، يبرز جليًا حجم “الانهيار المتسارع” في القدرة الشرائية للسوريين؛ إذ سجلت السلة الغذائية الرمضانية قفزات تضخمية تراوحت بين 80 و 150 بالمئة في بعض الأصناف الاستراتيجية.

فبينما كان المستهلك في العام المنصرم يفاضل بين جودة العلامات التجارية، انتقلت المعركة اليوم إلى “تأمين الكفاف”؛ حيث خرجت سلع مثل الفريكة والقهوة والزيوت من دائرة الاستهلاك اليومي لتتحول إلى “سلع رفاهية” قسرية، مدفوعةً بالانعكاسات المباشرة لرفع الدعم عن حوامل الطاقة وزيادة كلف النقل التي التهمت الهوامش الربحية الهشة للمنتجين والتجار على حد سواء.

ولم يقتصر هذا التحول على هيكل الأسعار فحسب، بل أحدث تغييرًا بنيويًا في السلوك الاستهلاكي؛ حيث تخلت الأسر السورية عن ثقافة “التموين الموسمي” لصالح “الشراء المجهري” بالوقية أو القطعة الواحدة، في محاولة يائسة لترميم الفجوة بين الدخول الثابتة والتكاليف المتصاعدة.

ويشير هذا الفارق السنوي الصادم إلى أن الراتب المتوسط، الذي كان يغطي نحو 50 بالمئة من احتياجات الشهر الفضيل في العام الماضي، بات اليوم بالكاد يلامس عتبة الـ 20 بالمئة، ما يضع المائدة السورية أمام اختبار تقشف غير مسبوق يهدد بغياب أصناف كانت تاريخيًا تشكل الهوية الاجتماعية لموسم رمضان.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم