فورين بوليسي: سياسة الشرع الاستثمارية قد تتحول إلى وصفة لاضطراب داخلي

دعت تحليلات دولية إلى التدقيق في مسار إعادة الإعمار الذي تروج له الحكومة السورية، محذرة من تحوله إلى أداة لتعزيز نفوذ المستثمرين والمتنفذين على حساب ملايين المتضررين من الحرب، وفق تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية.

ورصدت المادة التحليلية تحول خطاب السلطة السورية نحو تسويق البلاد كوجهة استثمارية، بالتوازي مع توقيع صفقات بمليارات الدولارات في مجالات الطاقة والعقارات والبنية التحتية.

استثمار أم إعادة إعمار؟

طرحت الحكومة السورية رؤية تقوم على جذب رؤوس الأموال الأجنبية بدل الاعتماد على المساعدات أو القروض الدولية، في محاولة لتقديم نموذج “اقتصاد مفتوح” بعد سنوات الحرب.

الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يتحدث خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض 2025 – أ ف ب

لكن التقرير أشار إلى أن هذا التوجه، رغم ضخامته، يثير تساؤلات حول المستفيد الحقيقي، مرجحاً أن تأتي هذه الصفقات على حساب السوريين الذين فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم، لصالح مستثمرين أجانب يبحثون عن فرص في سوق مدمّرة.

وتقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار، في وقت لا يتجاوز فيه الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20 مليار دولار، ما يضع الحكومة أمام تحدٍ اقتصادي غير مسبوق.

مشاريع كبرى.. واحتياجات غائبة

يركز جزء كبير من الاستثمارات المعلنة على مشاريع ضخمة، مثل تطوير مطار دمشق الدولي، وإنشاء شبكات نقل حديثة، ومجمّعات عقارية وناطحات سحاب، بتكاليف تصل إلى عشرات المليارات.

المنتدى الاستثماري السوري السعودي بحضور رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع – انترنت

غير أن هذه المشاريع، بحسب التقرير، تبدو بعيدة عن أولويات السوريين، في ظل وجود ملايين النازحين داخلياً، واستمرار انهيار الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر إلى نحو 90% من السكان.

ويرى الباحث السوري عمر العظم أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون إعادة الناس إلى سوق العمل وتأمين احتياجاتهم الأساسية، محذراً من أن التركيز على المشاريع الاستثمارية وحدها لن ينعش الاقتصاد.

شبح إعادة إنتاج النظام القديم

يذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، إذ يحذر من أن بعض الصفقات المطروحة قد تعيد إنتاج شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق، خاصة مع مشاركة رجال أعمال لهم صلات سابقة بمراكز القرار.

كما يشير إلى غياب الشفافية في بعض الاتفاقيات، وتركز القرار الاقتصادي ضمن دائرة ضيقة، ما يعزز المخاوف من “اقتصاد محسوبية” يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي.

وفي هذا السياق، وصف الباحث يزيد صايغ سياسات الإعمار بأنها “خليط غير متجانس” من قرارات اقتصادية ومشاريع استثمارية لا تعالج فعلياً احتياجات البلاد.

ويشير التقرير أمثلة على مشاريع كبرى، منها خطة بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق الدولي وفق تصميم من شركة “زها حديد للهندسة المعمارية”، إلى جانب مشاريع مترو جديدة ومجمعات ناطحات سحاب في العاصمة، تقودها شركات إقليمية ودولية، وسط غموض في تفاصيل بعض العقود.

غضب شعبي مكتوم

داخل سوريا، تتزايد الانتقادات لهذه السياسات، خاصة في المناطق المدمّرة، حيث يرى السكان أن مشاريع الأبراج والمجمّعات التجارية لا تعنيهم، في ظل غياب خطط واضحة لتعويضهم أو إعادة بناء منازلهم.

وتنقل المادة شهادات لسكان يعتبرون أن ما يجري قد يشبه سياسات سابقة صادرت ممتلكاتهم، محذرين من أن إعادة الإعمار “لا يجب أن تتم على حساب حقوقهم”.

في المحصلة، يرى التقرير أن مسار إعادة الإعمار في سوريا يقف عند مفترق حاسم، إما أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد شامل يعيد الاعتبار للمجتمع، أو أن يصبح مدخلاً جديداً لتركيز الثروة والسلطة بيد قلة.

ويحذّر من أن تجاهل الفجوة بين المشاريع الكبرى واحتياجات السكان قد يعمق الاحتقان الاجتماعي، ويعيد إنتاج الأسباب التي فجرت الثورة في سوريا في الأساس.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم