الشغب والفوضى.. بوابة خسارة نهوض الليرة والاقتصاد السوري

بوابة خسارة نهوض الليرة والاقتصاد السوري

بعد أسابيع قليلة من الهدوء كانت قد شهدتها سوريا عقب الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد الهارب خارج البلاد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، على يد فصائل “المعارضة السورية” وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”، عادت التوترات لتتصدر المشهد من جديد، ليقع بذلك ما كان يخشى منه النظام الجديد في سوريا والمجتمع الدولي. 

ومنذ أمس الأربعاء وقعت أحداث عنف وشغب غير مُبررة، بعد تداول حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو قديم أظهر اعتداء مسلحين على مقام أبو عبد الله الحسين الخصيبي في منطقة ميسلون بمدينة حلب، وأكدت مقتل 5 من خدم المقام والتنكيل بِـ جثامينهم، مع تخريب المكان وإضرام النار بداخله، لتشتعل الأوضاع من جديد. 

وعلى الفور حاولت السلطات في سوريا إخماد نيران الغضب التي اشتعلت بين العلويين وقطع الطريق على من يهدفون إشعالها، حيث أكدت أن الفيديو المتداول “قديم” ويعود إلى أكثر من ثلاثة أسابيع مضت. 

فوضى تهدد استقرار الاقتصاد 

وأضافت السلطات أن الحادثة تقف وراءها “مجموعات مجهولة”، معتبرة أن “إعادة نشر” المقطع هدفها “إثارة الفتنة بين أبناء الشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة”. 

لكن على الرغم من تأكيد عدم صحة الفيديو تظاهر عشرات الآلاف من الطائفة العلوية في مدن حمص واللاذقية وطرطوس والقرداحة في الساحل السوري، وهي التظاهرات الأولى للطائفة العلوية منذ الإطاحة بنظام الأسد. 

إلى ذلك، شهدت مدن سورية مساء الأربعاء، خروج عشرات الاحتجاجات لمطالبة “الإدارة السورية الجديدة” بمحاسبة “مثيري الفتنة الطائفية” والمحرضينَ على العنف في البلاد، بعد اشتباكات دارت بين مسلحين في طرطوس وحمص واللاذقية السورية من جهة، وقوى الأمن التابعة لـ “إدارة العمليات العسكرية” من جهة أخرى، واستهداف المسلحين سيارة تابعة لقوى الأمن العام ما أدى لإحراقها، وسط اشتباكات عنيفة بين الطرفين، وسقوط قتلى، بحسب ما نقلته قناة “العربية”. 

من شأن زعزعة الاستقرار وانتشار الفوضى والتوترات، أن تهدد استقرار الاقتصاد السوري بعد أن حقّق خلال الأسابيع الفائتة مؤشرات إيجابية تعكس تحسّن الوضع الاقتصادي والعملة الوطنية مقارنة بما كان عليه قبل سقوط نظام الأسد. 

مكتسبات اقتصادية ملموسة 

وحقّق النظام السوري الجديد مؤخرًا مكتسبات عدة حرّكت عجلة الاقتصاد، عبر إجراءات كانت لها نتائج ملموسة بالنسبة لليرة السورية والاقتصاد السوري على حدّ سواء. 

لعل أبرز تلك الإجراءات قيام “المصرف المركزي السوري” بتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، من خلال تحديد سعر الصرف عند 12,500 ليرة مقابل الدولار الأميركي، قبل أن يخفّض قيمة العملة السورية إلى 15 ألف ليرة للدولار، وفي ثالث نشرة رفع متوسط سعر الليرة إلى 14725 ليرة للدولار، وهو ما أعطى دفعة إيجابية للعملة الوطنية. 

هذا كما تم إتاحة تسليم الحوالات الواردة من خارج البلاد بالقطع الأجنبي (الدولار) أو بالليرة السورية حسب رغبة المستفيد، للمصارف وشركات الصرافة وشركات الحوالات المالية الداخلية. 

وسمحت السلطات بتداول العملات الأجنبية، والدولار في التعاملات التجارية والبيع والشراء، بعد أن كان القانون السوري يجرّم التعامل بغير الليرة ويفرض غرامات وعقوبات قاسية تصل إلى السجن سبع سنوات. 

وألغت السلطات جمركة السيارات، مما خفّض أسعارها بشكل كبير، أي إنهاء لاحتكار استيراد السيارات، كما ألغت الضابطة الجمركية التي كانت تضغط على التجار، إضافة إلى إلغاء منصة المستوردات سيئة السمعة التي كانت تسبب قلق دائم للتجار والمستوردين. 

واستطاعت السلطات أن توقف احتكار الاستيراد بعد أن كانت تستحوذ عليه قلة قليلة من التجار المقربين من نظام الأسد البائد، وفتح الاستيراد بالطريقة التي تناسب التاجر، والتوجّه نحو اقتصاد السوق الحر. 

فخ التوترات ونشر الفوضى 

وترتبط النظرة الإيجابية بشأن آفاق الاقتصاد السوري بشكل التحول السياسي في البلاد، وعادة ما يؤكد المحللون أن أي انفراج اقتصادي لن يحدث إلا باستقرار الأوضاع في سوريا، وهو أهم تحدي يواجه بداية البناء الداخلي، محذّرينَ من استمرار التوترات، لما لها من تأثيرات سلبية. 

لعل فخ ارتفاع وتيرة التوترات ومحاولات نشر الفوضى سلاحًا تستخدمه عادة الجهات المُخرّبة بعد أي تغيير سياسي بالبلاد، يستهدف العصف باستقرار الدولة وقدرات النظام السياسي الجديد على أداء مهامه، وهو ما ظهر خلال تجارب دول عدّة مرت بظروف مشابهة في كل من مصر ولبنان والعراق. 

وأورد تقرير لموقع (AGBI) أن “تحقيق الاستقرار” يُعد شرطًا أساسيًا حتى تستعيد سوريا مكانتها كمركز حيوي للتجارة والنقل الإقليمي، كما ستجذب استثمارات أجنبية كبيرة، وإعادة بناء بنيتها التحتية وهو ما سيؤدي دوراً أساسياً في إطلاق هذا الإمكان الاقتصادي الكبير. 

وبحسب التقرير، فإن سوريا تقف الآن عند نقطة تحول حرجة، إذا تم استغلال هذه الفرصة لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، يمكن أن تصبح البلاد لاعباً رئيساً في التجارة الإقليمية والدولية، إلا أن خطر الفوضى والاضطراب لا يزال قائماً. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم