“نيو لاينز”: أمام سوريا فرصة لمنع انهيار الدولة وعليها أن تفكر بنظام لا مركزي

أمام سوريا فرصة لمنع انهيار الدولة وعليها أن تفكر بنظام لا مركزي

بعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، باتت طبيعة الحكومة السورية الجديد ونظام الحكم في سوريا، من أكثر المواضيع إثارة للجدل والنقاش في البلاد، إذ طرح تقرير سؤالا محوريا فيما إذا كان على سوريا أن تتبنى اللامركزية في الحكومة أم لا؟

وسلط التقرير الذي نُشره “معهد نيو لاينز”، الضوء على نظام الحكم في سوريا والحكومة السورية، إذ طرح قضية اللامركزيةبعد أن ظهر عدد أكبر من أصحاب المصلحة في البلد الذين صاروا يطالبون بمزيد من المشاركة وبإقامة بنية سياسية محلية تتمتع بسلطات واسعة تمنحها استقلالاً ذاتياً في مناطق معينة من البلد.

وأصبح هذا الجدل يعبر عن الديناميات المحلية والطائفية والعرقية المعقدة في سوريا، وخلال هذه المرحلة الانتقالية المضطربة، يكشف ذلك عن مؤشرات لوجود صراع طويل الأمد بين الفرقاء السياسيين في البلد بالنسبة لرسم شكل الدولة مستقبلاً.

دور الولايات المتحدة

مع دخول سوريا هذه المرحلة السياسية الجديدة، أضحت الولايات المتحدة أمام فرصة حساسة للإسهام في رسم شكل مستقبل سوريا بحيث يصبح أكثر استقراراً ويقوم على مشاركة أوسع. ومن خلال رفع سائر العقوبات أصبحت أمام الولايات المتحدة فرصة فريدة يمكنها من خلالها أن تفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا.

وفق التقرير، فإن طرح سياسة تؤيد اللامركزية، من خلال المساعدات المقدمة لمؤسسات محلية، لا يعتبر السبيل الوحيد الناجع لتحقيق ذلك، بل إنه ضروري على المستوى الاستراتيجي، إذ يمكن لذلك أن يسهل عملية تشكيل حكومة شاملة ونظام سياسي تشاركي في سوريا، أي ذلك النظام القائم على الأهداف التي بقيت مركزية بالنسبة للسياسة الأميركية، خاصة بعد سقوط الأسد.

 هذا النموذج يفتح الطريق أمام تخفيف وطأة النزاع، ومنع الحكم الاستبدادي من العودة، مع التشجيع على تحقيق تمثيل عادل للشعب. وعبر الاستثمار في أسس الدولة السورية المرنة، يمكن لواشنطن أن تحول نفوذها الحالي إلى نفوذ دائم مستمر، أي ذلك النفوذ الذي يمكن السوريين من خلاله إعادة بناء بلدهم من دون أن يجر ذلك الولايات المتحدة إلى تدخل ليس له نهاية.

قبل كانون الأول/ديسمبر من عام 2024، كانت سوريا تُحكم بنظام شديد المركزية تحت هيمنة “حزب البعث” التي امتدت لخمسة عقود، فعند وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1971، طبّق تحولات بعيدة المدى شملت سائر بنية الحكم وغيرها من المجالات الحساسة في الدولة، وكان هدفه من كل ذلك ترسيخ سيطرته على البلد.

بعد أن ورث بشار الأسد الحكم عن أبيه، عمل على ترسيخ جهاز الحكم المركزي في بعض الحالات، وذلك عندما ضمن بقاء عملية اتخاذ القرار بيد دمشق، مع بقاء بنى الحكم المحلية في مختلف أنحاء البلد مجرد أجهزة رمزية وغير فاعلة.

وبعد اندلاع الثورة السورية، أدخل نظام الأسد تعديلات كثيرة على الدستور في عام 2012، إذ منح إدارات المحافظات ولو بصورة إسمية سلطات موسعة تحت مسمى: “مبدأ لامركزية السلطات والمسؤوليات”، وقبل تلك التعديلات الدستورية، التي كانت مجرد إجراء شكلي وتجميلي، كان مجلس الشعب السوري قد أقر قانون الإدارة المحلية رقم 107 الذي طرح رؤية النظام للامركزية الإدارة.

واعتبر التقرير أن أطر العمل الدستورية السابقة والتطورات التي ظهرت مؤخراً تُظهر أن هيكل الحكم اللامركزي ليس مجدياً فحسب، بل إن له أساس في سابقة تاريخية وفي الشرعية السياسية.

رؤية “هيئة تحرير الشام”

استأثرت “هيئة تحرير الشام”، وهي تلك الجماعة الثورية التي ترأست الهجوم الذي أسقط نظام الأسد، بالسلطة على الجيب الذي تمتع باستقلال ذاتي في شمال غربي سوريا، والذي بقي خارج سيطرة سلطة دمشق لبضع سنين.

على الرغم من خبرة “الهيئة” في ممارسة الحكم المحلي، ظهرت قيادة “هيئة تحرير الشام” التي تهيمن اليوم على الحكومة المركزية كأحد أشد المعارضين الصريحين للامركزية في سوريا. ويرى مناصرو المركزية بأن تبني هذا النموذج بسهم في تعزيز مسألة وحدة التراب السوري، وتدعيم مؤسسات الدولة، مع الحد من خطر التقسيم بحسب العرق والطائفة.

لكن الكُرد الذي يشكلون 15 بالمئة من سكان سوريا، يُعتبرون من أبرز المؤيدين لفكرة اللامركزية، وقد بنوا موقفهم هذا على أساس تمسك راسخ بالنظام اللامركزي بوصفه الرد الأمثل على التهميش العرقي الذي عانوا منه على مر التاريخ.

تقرير معهد “نيو لاينز”

 كما يعتبر ذلك رداً على التحديات البنيوية الأوسع التي تعتري جسد الدولة السورية، ويؤكدون تلك الفرضية عبر الاستشهاد بفترة امتدت لأكثر من عقد من الحكم الذاتي الذي فرض بحكم الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا.

وفي نيسان/أبريل الماضي، اجتمعت الفصائل الكردية السورية، التي كانت مقسّمة على مر الأزمان، لتعلن عن رؤية موحدة لحل القضية الكردية في سوريا بعد الأسد. إذ طالبت باللامركزية كإطار حكم ناجع، وذكر ممثلو الكرد بأن اللامركزية ضرورية ليس فقط لمنع الحكم الاستبدادي من الظهور مجدداً، بل أيضاً من أجل تعزيز المصالحة الوطنية، وعملية التوظيف العادلة، والاستقرار على المدى البعيد، بما أن هذه الأمور الثلاثة تعتبر عماد أي نظام سياسي مستدام بعد النزاع.

وأبدت الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا أهمية إقامة نموذج حكم شبه ذاتي متعدد الأعراق والأديان، وذلك لأن هياكل الحكم لديها أسست لتلبي احتياجات المجتمعات المحلية بشكل فاعل.

وشجع عدم وضوح الوجهة على المستوى السياسي بعد سقوط الأسد وما تلا ذلك من ظهور لقائد “هيئة تحرير الشام”، أحمد الشرع، في دمشق، عدداً متزايداً من المجتمعات على المطالبة بحكم لامركزي في مناطقها، وكان أبرز تلك المجتمعات المجتمع الدرزي الذي يشكل نحو 3 بالمئة من سكان سوريا، والذي أعلن وبشكل صريح عن هذا المطلب عبر قيادته الروحية بعد أيام قليلة من رحيل الأسد.

وذكر التقرير أن تلك المطالبات أصبح لها زخم وقوة عقب الأحداث العنيفة التي استهدفت الطائفة العلوية في آذار الماضي، وارتفع صوت تلك المطالبات أكثر في أيار الماضي بعد وقوع اشتباكات دموية بين ميليشيات درزية وفصائل تابعة للسلطات المؤقتة في جنوبي سوريا. وهذه المطالبات تعبر عن تصور يرى بأنه يمكن للحكم الذاتي المحلي أن يحمي الأقليات، بما أن معظمها بات يخشى من تنامي نفوذ القوات الإسلامية التي تهيمن على الحكومة في دمشق اليوم، والأهم من كل ذلك هو أن قضية اللامركزية لا تقتصر على حماية مصالح الأقليات في سوريا، بل إن الأغلبية العربية السورية ستكون من أكبر المستفيدين من هيكل الحكم اللامركزي الذي يعتبر وسيلة لتخفيف التوتر الداخلي الذي امتد لزمن طويل بين أبناء وبنات الشعب السوري المتنوع أيديولوجياً وثقافياً ومناطقياً.

إلى ماذا خلُص التقرير؟

أسهمت سنوات طويلة من سوء التفاهم بين الطوائف المختلفة وانعدام الثقة بين المجتمعات السورية المتنوعة والذي تعمق كثيراً بينها، في انتشار تصور يرى بأن اللامركزية أو أي شكل من أشكال الفيدرالية يستلزم بالضرورة تفكك البلد وتقسيمه، ولقد عزز هذه السردية الرفض الصريح للمركزية الذي أبدته النخبة الدمشقية وغيرها من النخب المدنية والسواد الأعظم من الإعلام السوري، وشرائح من الشارع السوري، وقد أتى ذلك كنتاج لسنوات من الرسائل السياسية التي بثت ضد هذا الأمر. ويظهر هذا التصور بشكل واضح عندما تبدر المطالبة باللامركزية من الأقليات، وهذا ما يغذي الخوف من الانقسام بدلاً من أن يُنظر إليه على أنه دعوة لإقامة حكم جامع قائم على المشاركة.

ولكن، يمكن تبديد كل تلك المخاوف عبر تحديد آلية انتقال السلطة الإدارية والمالية والسياسية من الحكومة المركزية إلى هيئات الحكم المنتخبة محلياً، فهذا النموذج يعمل على تمكين السلطات المحلية من إدارة الخدمات العامة الأساسية، إلى جانب التخطيط الاقتصادي، وأداء وظائف الحوكمة بما يتماشى مع احتياجات المجتمع وهويته، كما ينطوي ذلك على توزيع عادل للثروات والموارد الوطنية، بما يضمن حصول كل المناطق على فرص تنموية عادلة، بصرف النظر عن خصائصها الديمغرافية والجغرافية. وفي الوقت ذاته، يمكن للحكومة المركزية في دمشق أن تضطلع بمسؤولية المهام الأساسية التي تعبر عن سيادة البلد وعلى رأسها السياسة الخارجية والمالية والدفاع.

بوسع إطار العمل المتوازن هذا أن يعزز المحاسبة على المستوى المحلي مع الحفاظ على وحدة البلد، لذا فإن المحادثات المستمرة بين دمشق وممثلي قسد والإدارة الذاتية تفتح نافذة أمام فرصة التفاوض على مستقبل الحكم الذاتي ليس فقط في شمال شرقي سوريا، بل في كامل البلد، ويمكن لتلك النقاشات أن تمهد الطريق أمام مزيد من العمل الإطاري السياسي الشامل الذي تضم رموز اللامركزية والتشارك في السلطة.

تقرير معهد “نيو لاينز”

لكن إنشاء هيكل حكم متماسك قد يحتاج إلى إعادة تقييم للتقسيمات الإدارية القائمة في سوريا حالياً، بما أن الحرب خلفت واقعاً جديداً على المستوى السياسي وعلى الأرض في مختلف أنحاء سوريا في وقت طفت على السطح من جديد المظالم القديمة التي قُمعت منذ أمد بعيد خلال عقود حكم البعث المركزي.

فبعد 14 عاماً من النزاع والتقسيم وانهيار المؤسسات، بات من الواجب التفكير بنماذج حكم بديلة تنأى بعيداً عن تركة المركزية في سوريا. ولذلك، يجب ألا ننظر لهذه المرحلة على أنها مجرد فرصة للقيادة بل بداية لعملية بناء الدولة، وذلك لأنها تقدم فرصة لتشكيل نظام حكم يمكن من خلاله لجميع مكونات المجتمع السوري المتنوع أن تشارك بصورة فعالة في رسم ملامح مستقبل البلد.

وحتى يغدو هذا التحول ممكناً، من الضروري العودة من جديد لدراسة الإعلان الدستوري بشكل دقيق والذي أقر في آذار/مارس الماضي، بما أنه لم يتطرق للحديث عن تحديات الحكم الهيكلية التي تعترض سبيل سوريا. إذ اعتبر “نيولاينز” أنه من الضروري أن يعبر هذا النص التأسيسي عن مبدأ المشاركة وخاصة فيما يتصل باللامركزية إلى جانب مبدأ المشاركة في السلطة، وذلك لبناء نظام سياسي شرعي ودائم بعد النزاع.

وعلى دمشق أن تقاوم ضغط القوى الإقليمية، ويجب على الحكومة المؤقتة أن تؤكد بأن الحكم في سوريا مستقبلاً يعتبر مسألة متعلقة بسيادتها ولهذا لا يمكن لأحد أن يقر ذلك إلا السوريون أنفسهم عبر عملية وطنية جامعة. إذ من الضروري ألا تخضع الأولويات الداخلية لسوريا للأجندات الجيوسياسية التي تتبناها دول الجوار، وذلك من أجل إقامة تسوية سياسية شرعية في سوريا.

وأشار إلى أن انفتاح الولايات المتحدة الذي حدث مؤخراً على السلطات السورية الجديدة، يجب أن يترافق مع تدخل حقيقي يعمل على مساعدة السوريين في بناء مؤسساتهم، ويجب على واشنطن أن تعطي الأولوية لنموذج الحكم اللامركزي وأن تعمل على مناصرته بوصفه جزءاً من استراتيجيتها الدبلوماسية والساعية لنشر الاستقرار.

وختم “نيو لاينز” بأنه “إن كانت أمام سوريا فرصة لمنع انهيار الدولة وللمحافظة على وحدة أراضيها، فعليها أن تفكر بجدية ببناء نظام لامركزي يعبر عن التنوع العرقي والديني والطائفي في البلد ويتبناه بشكل صريح.”

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم