وجد السوريون أنفسهم مع انقضاء الأسبوع الأول على اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما تبعها من تمدد للصراع نحو الساحة اللبنانية، أمام واقع معيشي مضطرب يعيد إلى الأذهان أقسى ذكريات سنوات الحرب الماضية.
ولم تكن الصواريخ التي عبرت الأجواء هي وحدها ما أقلق السوريين، بل كانت الارتدادات الاقتصادية العنيفة التي ضربت الأسواق المحلية في دمشق وحلب وبقية المدن، محولة الاستقرار النسبي الهش إلى حالة من الترقب والحذر، حيث تصدرت طوابير المحروقات وارتفاعات أسعار المواد الغذائية المشهد اليومي، في انعكاس مباشر لهشاشة الاقتصاد المحلي أمام الهزات الإقليمية الكبرى.
محطات الوقود في قلب الأزمة
هذه التداعيات، التي تعكس هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الإمدادات الخارجية، أعادت المشهد التجاري واللوجستي إلى ما يشبه أزمات السنوات الماضية، مع تصاعد الضغوط على المواطنين والتجار على حد سواء.

فعلى مدار الأسبوع الأول للحرب، شهدت محطات الوقود في المدن الكبرى طوابير طويلة وغير مسبوقة، حيث تجاوزت مبيعات بعض المحطات 300 بالمئة من معدلها اليومي المعتاد، وفق ما نقل موقع “الجمهورية نت” عن مصادر وزارة الطاقة.
وفي دمشق، وصفت سيدرا، موظفة في القطاع الخاص، الزحام بأنه “رهيب”، مشيرة إلى أن انتظار الدور في بعض المحطات استغرق ثلاث إلى أربع ساعات، مضيفة أن هذه المشاهد أعادت إلى الأذهان أزمات البنزين السابقة.
ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية
امتدت الأزمة إلى ريف دمشق، حيث اختفت المحروقات المهربة من لبنان تقريبًا، وارتفع سعر عبوة 9 لترات من 110 آلاف ليرة إلى 220 ألفًا، بحسب بائع محروقات محلي، الذي أكد أن الدوريات الرقابية شددت ملاحقتهم رغم أن الكميات المتبقية تكفي بالكاد للرزق اليومي.
تزامن ذلك مع موجة ارتفاع حادة في أسعار الخضار والفواكه، إذ ارتفع سعر كيلو البندورة في دمشق من 7 آلاف إلى 15 ألف ليرة، والباذنجان من 5 آلاف إلى 9 آلاف، والموز من 9 آلاف إلى 15 ألفًا خلال أيام قليلة.
وقد عبرت إحدى ربات البيوت في حي الدويلعة بدمشق، عن دهشتها لارتفاع الأسعار، قائلة: “من يومين كانت البندورة 3 آلاف، معقول فورًا تأثرت بالحرب؟”، فيما أرجع أحد البائعين السبب إلى ارتفاع سعر الدولار.
صعوبات التجار وارتفاع تكاليف النقل
فيما يعاني تجار الجملة بسبب انعكاسات ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إضافة إلى التوقف الجزئي لخطوط الاستيراد، ما أدى إلى نقص نسبي في المعروض وزيادة الأسعار، وهو ما أوضحه أبو مصطفى، بائع خضار في سوق كراج الست، حيث قال إن ارتفاع الأسعار مرتبط بارتفاع أسعار النقل وصعوبة الوصول إلى السوق، لكنه يضيف: “إذا استقرت الأوضاع ورجعت الكميات طبيعية، ستنخفض الأسعار”.

في المقابل، بقيت أسعار المواد الغذائية في محافظات مثل إدلب والرقة والحسكة عند مستويات بداية شهر رمضان، دون تغييرات ملحوظة، ما يعكس تفاوت التأثير الجغرافي للتداعيات الاقتصادية للحرب.
وشهد سوق دمشق، بحسب أحد تجار المواد الغذائية، حركة أفضل نسبيًا بعد صرف المواطنين لرواتبهم، لكنه أكد أن أي تغيير في سعر الدولار ينعكس فورًا على الأسعار المحلية، مع بقاء المخزون من المواد الأساسية متوفرًا، لكن بترقب شديد من قبل التجار.
تقلبات سعر الدولار وتأثيرها على السوق
أبو راتب، تاجر جملة في دمشق، أشار إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن، بعد صدور تعرفة جديدة للحاويات البحرية، قد يؤدي إلى زيادة الأسعار قبل وصول البضائع، مؤكدًا أن التجار يتابعون الوضع عن كثب قبل اتخاذ أي قرارات.
بدوره يعكس سوق صرف العملات التداعيات الاقتصادية للحرب، حيث شهد سعر الدولار تقلبات ملحوظة خلال الأسبوع الأول، فقد ارتفع سعر البيع من 11,750 ليرة سورية للشراء إلى 11,880 ليرة للمبيع بعد أنباء التصعيد الميداني، قبل أن يعكس اتجاهه تدريجيًا نحو الانخفاض مجددًا، ما يعكس القلق المتزايد وتأثر الأسواق بالاضطرابات الإقليمية.
هكذا، وبعد أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب في الجوار، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة تداعيات صراع لم يكونوا طرفًا فيه، لكن موقعهم الجغرافي وهشاشة اقتصادهم جعلهم في قلب العاصفة، يعيشون معاناة يومية متصاعدة بين طوابير المحروقات وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتقلبات العملة.
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا
- سوريا “تشدّ الحزام”.. هل يدفع المواطن فاتورة ضبط الإنفاق الحكومي؟
- “الأشغال” تدافع عن مشروعية الاستملاك.. وحقوقيون يطالبون بإثبات التعويض
- ضمن خطة “صفر مخيمات”: إغلاق مخيم الشهابات وعودة مئات المهجرين من دير الزور
- بين “القطيع” و”قوم كرام”.. جدل حول تصريحات يوسف قبلاوي

