يتحول مضيق هرمز تدريجيًا إلى بؤرة توتر جيوسياسي واقتصادي، تعيش على وقعها منطقة الخليج العربي أسوأ أزمة ملاحية منذ عقود، مع تصاعد الهجمات الإيرانية على السفن التجارية وتردد الولايات المتحدة في تقديم حماية مباشرة لناقلات النفط، حيث تقف التجارة البحرية الدولية على حافة الهاوية، في مواجهة شبح إغلاق مطول قد يخنق الصادرات ويشل الحركة الاقتصادية العالمية
فالمضيق الذي يشكل المنفذ البحري الوحيد لمعظم صادرات الخليج النفطية بات اليوم ساحة مواجهة مفتوحة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي في لحظة شديدة الحساسية.
هجمات مباشرة ورسائل ردع
جاء التصعيد الأخير بعد أن شن الحرس الثوري الإيراني هجمات مباشرة على ثلاث سفن شحن كانت تحاول عبور المضيق، في رسالة واضحة مفادها أن المرور عبر هذا الشريان الحيوي لم يعد آمنًا في ظل الحرب المتصاعدة بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

ولم تقتصر التهديدات على المضيق نفسه، إذ اندلعت حرائق في ناقلتين أجنبيتين تحملان وقودًا عراقيًا داخل المياه العراقية بعد تعرضهما لقصف، ما يعكس اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة.
وتزامن هذا التصعيد مع قرار أميركي أثار قلق شركات الشحن والطاقة، إذ رفضت واشنطن حتى الآن طلبات متكررة لتوفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط العابرة للمضيق، حيث يرى مسؤولون دفاعيون أن إرسال سفن حربية إلى هذا الممر الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه نحو 21 ميلًا عند أضيق نقطة، يحمل مخاطر كبيرة في ظل الانتشار الكثيف للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فضلًا عن احتمال وجود ألغام بحرية وغواصات كامنة في أعماق المياه.
“أسطول البعوض” يغير قواعد المواجهة
على الرغم من أن القوات الأميركية نفذت ضربات استهدفت خلالها مواقع بحرية إيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، فإن قدرة طهران على مواصلة الهجمات ما تزال قائمة، ويقول محللون عسكريون إن إيران تمتلك ما يعرف بـ”أسطول البعوض”، وهو شبكة من الزوارق السريعة المأهولة وغير المأهولة المصممة لمهاجمة السفن الكبيرة عبر هجمات خاطفة يصعب التصدي لها في المياه الضيقة.
تجعل هذه المعادلة العسكرية المعقدة المضيق أقرب إلى منطقة محظورة للملاحة التجارية، وهو ما بدأ بالفعل ينعكس على حركة الشحن العالمية، فمع تزايد المخاطر الأمنية، شرعت شركات النقل البحري وشركات الطاقة في الاستعداد لسيناريو إغلاق طويل الأمد، قد يستغرق التعافي منه أشهرًا حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
في السياق يقول الرئيس التنفيذي لشركة “كابيتال كلين إنرجي كاريرز” اليونانية المتخصصة في نقل الغاز الطبيعي المسال، إن استعادة حركة الملاحة لن تكون مسألة سريعة حتى في حال توقف القتال، وفق ما نقلت عنه صحيفة “وول ستريت جورنال“.
ويضيف أن مالكي السفن لن يعيدوا تشغيل خطوطهم إلا عندما يتأكدوا أن المخاطر التي تهدد السفن والبحارة قد انخفضت بشكل ملموس، مشيرًا إلى أن تجربة البحر الأحمر تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، حيث لم تعد حركة الملاحة إلى طبيعتها رغم مرور أشهر على توقف هجمات الحوثيين.
صدمة في أسواق الطاقة
اقتصاديًا، بدأت آثار الأزمة تظهر سريعًا في أسواق الطاقة العالمية، فقد أدى التراجع المؤقت في الإمدادات إلى قفز أسعار النفط فوق حاجز 100 دولار للبرميل، ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود للمستهلكين في العديد من الدول، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على الحكومات، خصوصًا في الدول الصناعية التي تواجه أصلًا موجة تضخم مرتفعة.
كما يضع الإغلاق المحتمل ضغوطًا غير مسبوقة على دول الخليج المنتجة للنفط، التي تعتمد ميزانياتها بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة، فمع تعطل الصادرات، قد تضطر بعض الدول إلى خفض الإنتاج أو حتى إغلاق حقول نفط مؤقتًا في حال تراكم الخام دون وجود منافذ تصدير كافية.

وتشير تقديرات شركة “ريستاد إنرجي” لأبحاث الطاقة إلى أن إنتاج دول الخليج تراجع بنحو سبعة ملايين برميل يوميًا، مع وجود خطر حقيقي بفقدان مليوني برميل يوميًا من الإمدادات العالمية إذا استمر الإغلاق ستة أسابيع أخرى، في وقت تواجه فيه مصافٍ في الكويت والبحرين أعلى مخاطر تشغيلية لاعتمادها الكلي على التصدير عبر المضيق .
وقد حذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين ناصر، من أن إغلاقًا مطولًا لمضيق هرمز سيؤدي إلى عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية، وقد يسبب اضطرابًا واسع النطاق في الاقتصاد الدولي، فالمضيق استوعب قبل اندلاع الحرب نحو 38 بالمئة من تجارة النفط الخام المنقولة بحرًا في العالم، ما يجعله نقطة اختناق رئيسية في منظومة الطاقة العالمية.
ورقة ضغط إيرانية
على الجانب الآخر، تراهن إيران على هذه الورقة بقوة، ففي رسائل نصية جماعية أرسلها فرع المخابرات التابع للحرس الثوري للمواطنين، قالت طهران إن سيطرتها على المضيق منحتها القدرة على “تحريك الاقتصاد العالمي”، وهو ما أكده وزير الخارجية عباس عراقجي، مشيرًا إلى أن أسعار النفط تضاعفت منذ بداية العملية العسكرية.
يمثل ارتفاع أسعار الطاقة تحديًا كبيرًا للإدارة الأميركية، التي تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره المباشر على معدلات التضخم، ورغم أن الرئيس دونالد ترامب ألمح إلى إمكانية إرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط إذا لزم الأمر، فإن مسؤولين في البحرية الأميركية يؤكدون أن مثل هذه العمليات ستكون شديدة الخطورة في ظل الظروف الحالية.
ويمنح المضيق إيران أفضلية تكتيكية، إذ يمكن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من منصات متنقلة على الساحل أو من جزر قريبة، ما يقلص الوقت المتاح أمام السفن الحربية لرصد التهديدات والرد عليها.
مرافقة محفوفة بالمخاطر
بحسب الزميل البارز في معهد هدسون والمسؤول السابق في البنتاغون، برايان كلارك، إنه نظرًا لضيق المضيق، فإن الأفراد العسكريين الأميركيين أو غيرهم لن يكون لديهم سوى القليل من الوقت للرد على الهجمات القادمة، مقدرًا أن كل ناقلة نفط قد تحتاج إلى مرافقة سفينتين حربيتين على الأقل لضمان حمايتها، وهو ما يتطلب انتشارًا بحريًا ضخمًا قد يصعب توفيره في ظل انخراط القوات الأميركية في عمليات عسكرية أخرى في المنطقة.

كما أن عمليات المرافقة العسكرية لن تسمح إلا بمرور عدد محدود من السفن في كل مرة، ما يعني أن حركة الشحن ستبقى بطيئة ومكلفة حتى في أفضل السيناريوهات.
كما يزيد من تعقيد المشهد بحسب كبيرة محللي المخاطر والامتثال في شركة لويدز ليست إنتليجنس في لندن، بريدجيت دياكون، هو تراكم مئات السفن التجارية داخل الخليج العربي بانتظار الخروج، إذ تشير تقديرات شركات الاستخبارات البحرية إلى وجود أكثر من 600 سفينة عالقة حاليًا داخل الخليج من بين أكثر من ألف سفينة في المنطقة، مشيرة إلى أنه حتى إذا أعيد فتح المضيق، فإن الولايات المتحدة وشركائها سيواجهون تحدي إزالة تراكم كل هذه السفن.

