“من العراق إلى السعودية”.. قضية المسيّرات تضع حكومة الزيدي تحت الضغط

دخل ملف السلاح المنفلت في العراق واجهة المشهد الأمني والسياسي مجدداً، بعدما أعلنت وزارة الدفاع السعودية تدمير 3 مسيرات قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت أراضي المملكة.

ووصفت الرياض المسيرات بأنها “قادمة من العراق”، وأكدت احتفاظها بحق الرد، بينما سارعت بغداد إلى الإعلان عن فتح تحقيق والتشديد على التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، في وقت قالت فيه وزارة الخارجية العراقية إنها لم ترصد أي إطلاق لمسيرات من داخل الأراضي العراقية.

رسالة إلى حكومة الزيدي

وقعت الحادثة في أمس الأحد، ما جعلها أول اختبار أمني كبير لرئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يواجه منذ اللحظة الأولى تحدي ضبط الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار.

وبحسب تقارير صحفية، فإن إعلان السعودية مصدر المسيرات بهذه الصيغة العلنية يقرأ بوصفه  إشارة سياسية إلى بغداد بأن أي ثغرة في ضبط الحدود أو السلاح ستنعكس مباشرة على علاقات العراق الإقليمية.

في المقابل، فتح نفي الخارجية العراقية لرصد انطلاق المسيرات باباً لاحتمالين متوازيين، أولهما وجود إطلاق من مناطق لا تخضع لرقابة حكومية كاملة، وثانيهما وجود تضارب في التقديرات الفنية ومصادر الرصد بين بغداد والرياض.

ويزيد من حساسية المشهد أن الواقعة جاءت بعد شهر من توتر دبلوماسي معلن، إذ سبق للسعودية أن استدعت السفيرة العراقية وسلمتها مذكرة احتجاج، ما يضع الحكومة الجديدة أمام ضغط مضاعف لاحتواء الأزمة ومنع تكرارها.

بين التحقيق الرسمي والضغط الأميركي

أعلنت بغداد فتح تحقيق، لكنها لم تقدم حتى الآن تفاصيل عن الجهة المحتملة أو مسار الإطلاق، بينما يترقب الشارع السياسي ما إذا كانت نتائج التحقيق ستقود إلى إجراءات تنفيذية تمس شبكات السلاح خارج مؤسسات الدولة.

ترى مصادر سياسية أن الحادثة ترتبط بسلوك فصائل مسلحة موالية لإيران، وتصفها بأنها اختبار لمدى استعداد الحكومة الجديدة لترجمة تعهداتها إلى قرارات، خصوصاً أن ملف حصر السلاح طالما ارتبط بتوازنات داخلية معقدة داخل قوى “الإطار التنسيقي”.

وفي واشنطن، تتزايد مؤشرات الدفع باتجاه ملاحقة رؤوس الفصائل المسلحة، وهو توجه اعتبره مراقبون “خدمة كبرى لبغداد” لأنه يمنحها غطاءً سياسياً وأمنياً لتشديد الإجراءات من دون أن تتحمل وحدها كلفة المواجهة.

من يملك قرار السلاح والعلاقات الإقليمية؟

يطرح محللون أسئلة تتجاوز واقعة المسيرات نفسها، وتتعلق بمن يملك فعلياً قرار استخدام القوة داخل العراق، وهل تستطيع حكومة علي الزيدي فرض معادلة “الدولة أولاً” من دون صدام سياسي وأمني مع الفصائل المسلحة.

ويرى فريق من المتابعين أن ما جرى يمثل فرصة لا تعوض للحكومة لإثبات السيادة عبر خطوات ملموسة، تبدأ من ضبط منصات الإطلاق وممرات التهريب وصولاً إلى إعادة تنظيم الملف الأمني، بينما يحذر فريق آخر من أن أي اندفاعة غير محسوبة قد تفجر أزمة داخلية وتعيد إنتاج الاستقطاب.

وبين الرؤيتين، يبقى الامتحان الأبرز أمام بغداد هو منع تحويل النزاع الإقليمي إلى ساحة عراقية، لأن استمرار هذا النمط يهدد الاستقرار الاقتصادي ويضعف ثقة المستثمرين ويعقد مسار العلاقات مع دول الخليج، وهي علاقات تحتاجها الحكومة الجديدة لتخفيف الضغوط المالية وتوسيع فرص التعاون.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري مقيم في حلب، يغطي الشؤون السياسية والعسكرية في سوريا والمنطقة، مع اهتمام خاص بالملف الكردي وتقاطعها مع الملفات الإقليمية. عمل على تحقيقات استقصائية وتقارير ميدانية وتحليلات إخبارية منشورة باللغة العربية، ونُشرت أعماله في عدة مواقع اسورية، كما عمل مع موقع "الجزيرة نت" بصفة مراسل ميداني في شمال شرق سوريا.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم