بعد عقود من العزلة المالية والاقتصادية، تدخل سوريا مرحلة مختلفة مع الإزالة الرسمية من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، لكن السؤال الاقتصادي الأهم لم يعد ما إذا كانت دمشق ستخرج من عزلتها، وإنما ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الانفتاح إلى أموال فعلية تدخل الاقتصاد، دولارات من الاستثمار، وحوالات من الخارج، وتمويل للمشروعات، وعائدات من التجارة والسياحة، خاصة وأن القرار الأميركي أزال عائقاً مهماً، لكنه لا يصنع تدفقات مالية بمفرده.
أزالت الولايات المتحدة، الاثنين، رسمياً سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد استكمال فترة المراجعة التي أعقبت إخطار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس بنيته إلغاء التصنيف.
الخروج لا يعني نهاية العقوبات
كانت سوريا قد بقيت على القائمة منذ عام 1979، ووفق رويترز، تزيل الخطوة قيوداً مرتبطة بالمساعدات الأميركية وبعض صادرات الدفاع والمعاملات المالية، وتفتح مجالاً أوسع أمام الاستثمار في إعادة إعمار البلاد، كما اعتبرت دمشق القرار إزالة آخر عائق كبير أمام الاستثمار في سوريا.

لكن أهمية القرار تحتاج إلى قراءة دقيقة، إذ لا يعني شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب انتهاء جميع القيود الأميركية المفروضة عليها.، ففي حزيران/ يونيو 2025، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً أنهى برنامج العقوبات الأميركي الشامل على سوريا اعتباراً من الأول من تموز/ يوليو، مع الإبقاء على عقوبات تستهدف بشار الأسد ومقربين منه ومنتهكي حقوق الإنسان وتجار الكبتاغون وأطرافاً مرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة” وإيران ووكلائها.
وبذلك، فإن قرار آب/ أغسطس يمثل إزالة عائق قانوني وسياسي إضافي أمام التعامل مع سوريا، وليس بداية الانفتاح من نقطة الصفر.
“خبر مفرح”.. لكن ليس نقطة البداية
هذه النقطة تحديداً هي التي يلفت إليها المحلل الاقتصادي فراس شعبو، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إذ يقول إن قرار الولايات المتحدة إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل “خبراً مفرحاً لكل السوريين”، لكنه شدد على ضرورة وضع القرار في سياقه الصحيح، باعتباره خطوة ضمن مسار تراكمي من الانفتاح، وليس حدثاً منفرداً يبدأ معه الانفتاح الاقتصادي من نقطة الصفر.
المسار بدأ فعلياً في حزيران/ يونيو من العام الماضي، عندما أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً ألغى بموجبه مجموعة واسعة من العقوبات والقيود الاقتصادية المفروضة على سوريا، فيما يأتي قرار إزالة التصنيف ليشكل إحدى العقبات القانونية والسياسية المتبقية أمام عودة البلاد إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي، وبالفعل، أنهى الأمر التنفيذي الأميركي برنامج العقوبات الشامل على سوريا، مع استمرار إجراءات تستهدف جهات وأفراداً محددين.
المحلل الاقتصادي فراس شعبو
وأشار إلى أن أهمية القرار لا تكمن فقط في آثاره القانونية المباشرة، وإنما في إزالة “لافتة تحذيرية” كانت ترفع مستوى المخاطر أمام المصارف والمستثمرين الدوليين الراغبين في التعامل مع سوريا.
من أين يأتي الدولار؟
قال شعبو إن بقاء التصنيف كان يعزز المخاوف المتعلقة بالمخاطر السيادية والامتثال، ويجعل المؤسسات المالية أكثر حذراً في التعامل مع السوق السورية، وهو ما انعكس على قدرة البلاد على جذب الاستثمارات وتسهيل التحويلات والارتباط بشبكات المال العالمية.

وهنا تظهر أهمية العملة الصعبة في المعادلة الجديدة، فسوريا لا تحتاج إلى قرار سياسي فقط، وإنما إلى قنوات مستدامة تدخل عبرها الأموال الأجنبية إلى اقتصادها، خاصة وأن الاستثمار الأجنبي أحد هذه القنوات، وكذلك الحوالات والتجارة والسياحة والتمويل الدولي، لكن جميعها تحتاج إلى نظام مالي قادر على استقبال الأموال وتحويلها وإدارتها، وإلى بيئة قانونية ومؤسسية تمنح المستثمر القدرة على تحويل أرباحه وحماية أصوله وعقوده.
وأضاف شعبو أن رفع التصنيف يحمل أيضاً قيمة تتجاوز الأثر الاقتصادي المباشر، لأنه يزيل جزءاً من “وصمة” ظلت مرتبطة بسوريا لعقود، ويمنحها مساحة أوسع للوصول إلى التكنولوجيا ورؤوس الأموال والخدمات المالية والتعاملات الدولية.
صندوق النقد يدخل المشهد
لفت شعبو إلى أن هذا الانفتاح يتزامن مع عودة المؤسسات الدولية إلى العمل مع دمشق؛ إذ بدأ صندوق النقد الدولي برنامجاً مكثفاً للتواصل مع السلطات السورية، وشملت زياراته بحث الوضع الاقتصادي والإصلاحات وأولويات بناء القدرات.
في تموز/ يوليو الماضي، قال الصندوق إن فريقاً منه زار دمشق لمناقشة التطورات الاقتصادية والإصلاحات والسياسات ذات الأولوية، والاتفاق على مزيد من المساعدة الفنية.
ويرى شعبو أن حجم الاحتياجات السورية يجعل الاستفادة من الانفتاح الدولي مرتبطة بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية واقتصادية عميقة، مشيراً إلى أن سوريا تحتاج إلى تمويل ضخم لإعادة الإعمار.
وقدّر البنك الدولي كلفة الأضرار المادية وإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، في تقدير يغطي الأضرار التي لحقت بالأصول المادية خلال الفترة من 2011 إلى 2024، مع نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، ويشمل الرقم 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 ملياراً للمنشآت غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية.
أثر نفسي على الليرة
يكشف هذا الرقم حجم الفجوة بين ما تستطيع سوريا تمويله من مواردها الداخلية وما تحتاج إليه لإعادة بناء اقتصادها، فتكلفة إعادة الإعمار المقدرة من البنك الدولي تقترب من عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري المتوقع لعام 2024، ما يجعل رأس المال الخارجي والشراكات الدولية ضرورة لا مجرد خيار.
وعن التأثير المباشر للقرار، توقع شعبو أن يظهر أولاً في صورة تحسن نفسي في الأسواق، قد ينعكس على سعر صرف الليرة، لكنه حذر من اعتبار أي تحسن سريع مؤشراً على تعافٍ مستدام.

وقال إن الأثر الأولي قد يكون مؤقتاً، وإن استدامته تتطلب تدخلات وسياسات حكومية وإصلاحات بنيوية، خصوصاً في القطاع المصرفي، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار وزيادة التدفقات المالية والحوالات والاستثمار الأجنبي المباشر.
وهنا تحديداً يبرز الاختبار الحقيقي أمام دمشق، فارتفاع قيمة الليرة، إن حدث استجابة للخبر، لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على توليد العملة الصعبة، لكن التحسن المستدام يحتاج إلى زيادة حقيقية في تدفقات النقد الأجنبي، وإلى نظام مصرفي يستطيع التعامل مع المؤسسات الدولية، وإلى زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار، لا إلى موجة مضاربية مؤقتة على سعر الصرف.
الثقة قبل تدفق الأموال
أكد شعبو أن استعادة الثقة بالقطاع المالي ستكون عاملاً حاسماً في تحويل القرار السياسي إلى مكاسب اقتصادية فعلية، خصوصاً أن صندوق النقد الدولي يركز في تعاونه مع سوريا على الإصلاحات الاقتصادية وبناء القدرات والمؤسسات، فيما تشمل المساعدة الفنية ملفات الإدارة المالية العامة والسياسات الاقتصادية.
ولا يقتصر الأمر على قدرة سوريا على جذب الأموال، بل يمتد إلى قدرتها على الاحتفاظ بها، فالمستثمر الأجنبي يحتاج إلى وضوح في قواعد الاستثمار، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ العقود، ونظام مصرفي يسمح بتحويل الأموال، وإلى قدر من الاستقرار السياسي والأمني يخفض المخاطر التي يضعها في حساباته قبل اتخاذ قرار الاستثمار، ولهذا فإن إزالة التصنيف قد تخفض جزءاً من علاوة المخاطر، لكنها لا تلغي المخاطر الاقتصادية والمؤسسية الأخرى.
وختم شعبو بالقول إن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تخفض أحد مكونات المخاطر التي كانت تواجه الاقتصاد، لكنها لا تكفي وحدها لإطلاق طفرة استثمارية، إذ إن جذب رؤوس الأموال يتطلب بيئة مؤسسية ومصرفية مستقرة، وقواعد واضحة للاستثمار، وإصلاحات تعزز الحوكمة والشفافية.
وأضاف أن تحريك الأصول والأموال السورية المجمدة في الخارج، حيثما تسمح القوانين والإجراءات الدولية بذلك، يمكن أن يشكل عاملاً إضافياً في دعم التعافي، لكن الأهم يبقى قدرة دمشق على تحويل الانفتاح السياسي والمالي الجديد إلى إصلاحات واقتصاد منتج وتدفقات مستدامة لرؤوس الأموال.
بذلك، لا تبدو معركة سوريا المقبلة مع الدولار مجرد معركة على سعر الصرف، وإنما معركة على الثقة، فالولايات المتحدة أزالت عائقاً مهماً، والمؤسسات المالية الدولية بدأت تعود إلى التواصل مع دمشق، لكن رأس المال لا يتحرك بمجرد صدور قرار سياسي، يحتاج إلى مصارف، وقواعد، وضمانات، وإصلاحات، واقتصاد قادر على إنتاج العملة الصعبة.
- جدل استقبال محافظ طرطوس بـ”السجادة الحمراء”.. بروتوكول رسمي أم مظاهر ترف؟
- “ذا تايمز”: ترهيب النساء الرافضات لأفكار “داعش” في مخيم روج بسوريا
- فاتورة استضافة الوفود الأجنبية في سوريا.. كم تبلغ تكلفتها؟
- غارة إسرائيلية قرب حدود سوريا ولبنان.. من هو يوسف الحسون ولماذا استهدف؟
- لماذا تدفع جماعة “الحوثي” بقياداتها الأمنية إلى جبهات تعز؟

