لم يكن السؤال الذي شغل السوريين عقب إعلان الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، التي بقيت فيها منذ عام 1979، هو حجم الانتصار الدبلوماسي الذي حققته دمشق، بقدر ما كان سؤالاً أكثر مباشرة، ماذا سيتغير في حياة المواطن؟ وهل يمكن أن يتحول القرار الأميركي، الذي أزال واحداً من أبرز العوائق القانونية أمام التعامل مع الاقتصاد السوري، إلى انخفاض في الأسعار وتحسن في الرواتب وتوافر أكبر للسلع وفرص العمل، أم أن أثره سيبقى لسنوات محصوراً في الاستثمار والقطاع المالي وإعادة الإعمار؟.
وأعلنت الولايات المتحدة، أمس الاثنين، إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب رسمياً، بعد انتهاء فترة المراجعة التي استمرت 45 يوماً، في خطوة أنهت واحداً من أقدم القيود المفروضة على دمشق، وفتحت الباب أمام توسيع نطاق المعاملات المالية والاستثمارية والتجارية، كما تزامن القرار مع إزالة هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية العالمية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية.
قرار تاريخي.. لكن ماذا بعد؟
لكن الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، يرى أن أهمية القرار لا ينبغي أن تقود إلى توقع تحسن سريع في المستوى المعيشي، مؤكداً أن “رفع اسم سوريا من قوائم الإرهاب عمل هام جداً وخطوة تحسب للحكومة أنها استطاعت إنجازها”، لكنه يضيف أن “التكلفة الباهظة” التي دفعتها دمشق مقابل هذا الانفتاح، سياسياً واقتصادياً، يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم نتائجه.

وبحسب الكريم، فإن المشكلة الأساسية تكمن في الفارق بين إزالة العائق الخارجي وبين قدرة الاقتصاد السوري على الاستفادة منه داخلياً، ويقول إن سوريا قدمت، خلال مسار خروجها من العزلة، “تنازلات كبيرة جداً اقتصادية تؤثر على مستقبل سوريا وإعادة الإعمار وعلى معيشة المواطن”، معتبراً أن جزءاً من انعكاس هذه المرحلة ظهر في صورة ارتفاعات سعرية متواصلة أضعفت القوة الشرائية للسوريين.
وهنا تبدو المفارقة واضحة، فالقرار الأميركي يزيل قيداً قانونياً مهماً أمام الاقتصاد، لكنه لا يلغي تلقائياً التضخم أو يرفع قيمة الليرة أو يزيد الرواتب.
انفتاح اقتصادي لا يخفض الأسعار تلقائياً
تظهر البيانات المتاحة حجم المشكلة التي يدخل إليها القرار، فقد بلغ التضخم السنوي في سوريا 27.5 بالمئة في نيسان/أبريل الماضي، فيما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك 3.5 بالمئة خلال شهر واحد، وفق المركز السوري لبحوث السياسات.
كما يقول برنامج الأغذية العالمي إن تكلفة المعيشة في سوريا تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، وإن الحد الأدنى للأجور لا يزال غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ومن ثم، فإن أول أثر محتمل لرفع التصنيف لن يكون بالضرورة انخفاض الأسعار، وإنما خفض بعض تكاليف ممارسة الأعمال، فإتاحة التعامل مع المؤسسات السورية أمام شركات ومصارف أجنبية يمكن أن تجعل استيراد السلع والمواد الأولية وتمويل المشروعات وتحويل الأموال أكثر سهولة، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على الأسعار والإنتاج، إذا رافقته منافسة حقيقية وإصلاحات داخلية.
وهذا تحديداً ما يراه الكريم نقطة القوة الأساسية في القرار، فهو يقول إن رفع التصنيف “بالنسبة للاستثمار الخارجي يحقق فائدة كبيرة”، لأن المستثمرين أصبح بإمكانهم التعامل مع الحكومة السورية وتنفيذ الاستثمارات التي جرى توقيع مذكرات تفاهم بشأنها، أو الاتفاقيات المرتبطة بالصندوق السيادي والهيئات التابعة لرئاسة الجمهورية، “دون أي خوف من أي عقبات قانونية قد تطالهم”.
من الاستثمار إلى “سويفت”.. الطريق مختلف
هذا الجانب قد يكون مهماً للغاية في بلد يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء اقتصاده، فقد قدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية التي دمرتها الحرب في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى تدفقات مالية واستثمارية تفوق بكثير قدرة الدولة السورية وحدها.
لكن المشكلة، وفق الكريم، أن “محلياً الوضع معقد جداً”، فهو لا يتوقع “في الفترة القريبة عودة السويفت بالشكل الممكن”، لأن الأمر، بحسب تقديره، لا يتوقف على القرار الأميركي وحده، وإنما يحتاج إلى وجود بنوك مراسلة وضامنين وبيئة قانونية ومصرفية قادرة على منع عودة المخاطر التي دفعت المؤسسات المالية الدولية سابقاً إلى الابتعاد عن سوريا.

ويضيف أن “رفع سوريا من قوائم الإرهاب مع هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة يشوبه الكثير من الثمن السياسي”، وهو ما قد يجعل البنوك الدولية، رغم الانفتاح القانوني الجديد، أكثر حذراً في قراراتها، ويقول إن “هذا الأمر يخيف البنوك ويخيف رأس المال”.
وهذا الحذر المصرفي مهم في تفسير سبب عدم ظهور أثر القرار على حياة المواطن فوراً، فالبنك الأجنبي لا ينظر فقط إلى قرار سياسي بإلغاء تصنيف دولة، بل يدرس مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب والعقوبات المتبقية والشفافية ومصادر الأموال والحوكمة والقدرة على التحقق من العملاء، ولذلك فإن إزالة تصنيف “الدولة الراعية للإرهاب” تمثل إزالة عائق كبير، لكنها ليست شهادة تلقائية بأن النظام المصرفي السوري أصبح متوافقاً بالكامل مع المعايير الدولية.
العقوبات تراجعت.. لكن القيود باقية
تشير وزارة الخزانة الأميركية بالفعل إلى أن تحديد سوريا كدولة راعية للإرهاب أُلغي في 24 آب/ أغسطس، وبالتالي لم تعد سوريا خاضعة للقيود الخاصة بلوائح عقوبات الحكومات المدرجة على قائمة الإرهاب، لكن هذا لا يعني انتهاء كل القيود الأميركية المرتبطة بسوريا أو أن جميع مخاطر الامتثال المصرفي اختفت.
يحذر الكريم من أن المشكلة الأكبر قد تكون داخل الاقتصاد نفسه، قائلاً إن “عدم وجود بيئة قانونية من الامتثال المصرفي وقوانين حديثة لتمويل الإرهاب وعدم وجود بنية مصرفية حقيقية أيضاً تجعل من عملية السويفت وتجعل من عملية الاستفادة من رفع العقوبات تحرك التجارة” أمراً أكثر صعوبة.
وهنا ينتقل تأثير القرار من واشنطن إلى دمشق، فحتى لو أصبح المستثمر الأجنبي قادراً قانونياً على الدخول، فإن قراره النهائي سيتوقف على قدرة سوريا على توفير بيئة استثمار مستقرة، وقضاء تجاري فعال، وقواعد واضحة للملكية وتحويل الأرباح، ونظام مصرفي موثوق، وسوق صرف يمكن التنبؤ به.
ويضيف الكريم أن “روتين البلاد بات شديداً جداً، والفساد كبير من حيث مشاركة شخصيات جديدة بالعمل الاستثماري إضافة إلى الصندوق السيادي”، معتبراً أن هذه العوامل “لن تسمح بالاستفادة بشكل متناهٍ من القانون”.
هل تصل مليارات الاستثمار إلى جيوب السوريين؟
يوضح الكريم، أنه بالنسبة للمواطن، قد تكون هذه النقطة هي الأهم على الإطلاق، فدخول مليارات الدولارات إلى سوريا لا يعني تلقائياً أن الأسر ستصبح أكثر قدرة على شراء الغذاء أو دفع الإيجارات، فإذا ذهبت الاستثمارات أساساً إلى العقارات والمشروعات الفاخرة، فقد ترتفع أسعار الأراضي والمساكن من دون أن يرتفع دخل العامل، وإذا تركزت الأموال في مشروعات كثيفة رأس المال ولا توفر وظائف كافية، فقد يرتفع الناتج من دون تحسن ملموس في توزيع الدخل.
ولهذا يتوقع الكريم أن يكون “السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير” استفادة قطاعات مرتبطة بالاستثمار والعقارات وإعادة الإعمار، بينما يتأخر انعكاس ذلك على المواطن العادي.

ويقول صراحة إن المواطن “لن يشعر إلا بارتفاع” في بعض تكاليف الأصول والأسواق، مستشهداً بتجارب دول أخرى، ومحذراً من أن “رفع الاسم لن ينعكس إيجاباً ولو بعد حين بهذه البنية الحالية”، لأن “البنية الحالية لن تسمح ولن تظهر أي تطور اقتصادي اجتماعي لا حالياً ولا مستقبلاً” من دون إصلاحات أعمق.
وتكتسب هذه المخاوف وزناً أكبر بالنظر إلى حجم الفقر، فالأمم المتحدة تقدر أن نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يعني أن أي سياسة اقتصادية لا ترفع الدخول الحقيقية أو تخفض تكلفة السلع الأساسية ستبقى محدودة الأثر بالنسبة إلى غالبية السكان.
إعادة الإعمار.. هل تصبح ماكينة وظائف؟
لا يقتصر الأمر على الأسعار والدخل، بل يمتد إلى فرص العمل، فإعادة الإعمار يمكن أن تكون قناة مهمة لخلق وظائف في البناء والصناعة والخدمات والنقل والطاقة، لكن ذلك يتطلب أن تكون الاستثمارات مرتبطة بالاقتصاد المحلي، وأن يحصل السوريون على النصيب الأكبر من فرص العمل، لا أن تتحول البلاد إلى سوق لمشروعات أجنبية تعتمد بصورة كبيرة على العمالة ورأس المال من الخارج.
يحذر الكريم كذلك من ضعف التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية، قائلاً إن “عدم وجود تنسيق بين وزارة الاقتصاد ووزارة المالية والبنك المركزي بالشكل الأمثل” سيجعل نتائج رفع التصنيف “متأخرة”، خصوصاً مع منح كل مؤسسة قدراً من الاستقلالية في اتخاذ القرارات بعيداً عن استراتيجية اقتصادية موحدة.
ومن هنا، فإن أحد أهم الاختبارات أمام الحكومة سيكون قدرتها على تحويل الانفتاح الخارجي إلى سياسة اقتصادية متكاملة، سعر صرف أكثر استقراراً، قطاع مصرفي قادر على تمويل الإنتاج، نظام ضريبي واضح، قواعد استثمار شفافة، ومؤسسات قادرة على الحد من الفساد ومنع احتكار الفرص.
ويقول الكريم إن “وجود الاستثمارات يحتاج إلى وجود قوى، تحتاج إلى عملة مستقرة قوية، وهذا غير متوفر”، في إشارة إلى أن المستثمر لا يدخل فقط بسبب غياب العقوبات، بل يحتاج أيضاً إلى القدرة على توقع قيمة أمواله وتكاليفه وأرباحه لسنوات مقبلة.
الدولار وحده لا يصنع رفاهية
تمثل هذه النقطة جوهر العلاقة بين الاستثمار ومعيشة المواطن، فالاستثمار الأجنبي يمكن أن يوفر الدولار، لكنه قد لا يؤدي إلى استقرار العملة ما لم يتحول إلى إنتاج وصادرات، ويمكن أن يبني مشروعات جديدة، لكنه لا يخفض الأسعار ما لم يرفع حجم السلع والخدمات المعروضة، ويمكن أن يخلق وظائف، لكنه لا يحسن مستوى المعيشة ما لم تكن الأجور الحقيقية قادرة على اللحاق بتكلفة المعيشة.
أما القطاع المصرفي، فقد يكون الحلقة التي تحدد سرعة انتقال المكاسب إلى المواطن، فكلما عادت البنوك المراسلة، وتحسنت القدرة على إجراء التحويلات وتمويل التجارة، تقلص الاعتماد على النقد والقنوات غير الرسمية، وانخفضت تكاليف المعاملات بالنسبة إلى الشركات والأفراد، لكن ذلك يتطلب إصلاحاً مصرفياً لا يقل أهمية عن القرار السياسي نفسه.

ولا يرى الكريم أن القطاع المصرفي الداخلي أو الشركات المحلية ستكون المستفيد الأكبر فوراً، لكنه يتوقع أن تستفيد بعض المؤسسات الدولية من فتح فروع أو قنوات مالية تخدم الشركات الأجنبية العاملة في سوريا، وفي المقابل، يحذر من أن الخدمات المصرفية والتأمينية قد تبقى مكلفة بالنسبة إلى المواطن إذا لم تتطور المنافسة وتتحسن القوة الشرائية.
ويضاف إلى كل ذلك ملف الديون، فإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي لا تتعلق فقط بإلغاء العقوبات، وإنما أيضاً بإعادة بناء الثقة الائتمانية والتعامل مع المتأخرات والديون الخارجية، وكلما تأخر حل هذا الملف، ظل الوصول إلى التمويل الدولي أقل من المستوى الذي تحتاجه عملية إعادة الإعمار.
الباب فُتح.. لكن العبور يحتاج سنوات
في المقابل، فإن رفع التصنيف يمكن أن يفتح باباً لم يكن متاحاً سابقاً، بانتقال سوريا من اقتصاد يعيش على المساعدات والتحويلات والأنشطة غير الرسمية إلى اقتصاد يستطيع جذب رؤوس الأموال وتمويل التجارة وإعادة تشغيل قطاعات الإنتاج، لكن هذا الانتقال يحتاج إلى سنوات، وليس إلى قرار واحد.
يحذر الكريم في النهاية من زاوية أخرى تتعلق بالماضي، إذ يرى أن رفع أسماء سوريا والجهات المرتبطة بها من قوائم الإرهاب والعقوبات قد يفتح لاحقاً ملفات سياسية ومالية وقانونية جديدة، من بينها المطالبات المتعلقة بالديون والالتزامات التي تراكمت خلال سنوات الحكم السابق، وما قد يترتب عليها من أعباء على الدولة السورية.
وبذلك، فإن المواطن السوري يقف أمام فرصة اقتصادية حقيقية، لكنها ليست مضمونة النتائج، فالقرار أزال عائقاً خارجياً بالغ الأهمية، لكنه ترك أمام الحكومة سلسلة طويلة من العوائق الداخلية، والفرق بين أن يصبح القرار بداية لتعافٍ اقتصادي حقيقي أو مجرد مكسب دبلوماسي هو ما ستفعله دمشق بعده.
وبيّن أنه إذا تحولت الاستثمارات إلى مصانع وطاقة وطرق ومشروعات إنتاجية، وإذا تحسن القطاع المصرفي، واستقرت العملة، وتراجعت تكلفة التجارة، وارتفعت فرص العمل والأجور الحقيقية، يمكن أن يبدأ المواطن في رؤية أثر القرار داخل منزله وسوقه.
المعيار الحقيقي.. ماذا سيحدث في البيوت؟
أما إذا بقيت الاستثمارات محصورة في العقارات والمشروعات الكبرى، وظلت العملة والأسعار والمؤسسات المصرفية على حالها، فقد يكون رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب خبراً كبيراً في العواصم والأسواق، من دون أن يكون بالضرورة خبراً جيداً بالقدر نفسه على موائد ملايين السوريين.
وكما يلخص يونس الكريم، فإن “رفع الاسم لن ينعكس إيجاباً” في ظل البنية الحالية، لأن “رفع التصنيف لا يبني الاقتصاد بمفرده”، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للقرار يبدأ الآن، لا ينتهي به؛ فالنجاح لن يقاس بعدد الاستثمارات التي تدخل سوريا، وإنما بما إذا كان المواطن السوري سيجد بعد سنوات أن راتبه يشتري أكثر، وأن فرص العمل أصبحت أفضل، وأن تكلفة الغذاء والسكن والطاقة باتت أقل ضغطاً على دخله، عندها فقط يمكن القول إن نهاية العزلة القانونية تحولت فعلاً إلى بداية تعافٍ اقتصادي واجتماعي.
- جدل استقبال محافظ طرطوس بـ”السجادة الحمراء”.. بروتوكول رسمي أم مظاهر ترف؟
- “ذا تايمز”: ترهيب النساء الرافضات لأفكار “داعش” في مخيم روج بسوريا
- فاتورة استضافة الوفود الأجنبية في سوريا.. كم تبلغ تكلفتها؟
- غارة إسرائيلية قرب حدود سوريا ولبنان.. من هو يوسف الحسون ولماذا استهدف؟
- لماذا تدفع جماعة “الحوثي” بقياداتها الأمنية إلى جبهات تعز؟

