النفط الإيراني ينفد من الناقلات.. كيف يواجه اقتصاد طهران حصار واشنطن؟

ناقلة نفط إيران

تواجه إيران منعطفاً اقتصادياً بالغ الصعوبة مع استنزاف مخزونها النفطي العائم الذي اعتمدت عليه لأشهر في مواصلة التصدير إلى الصين، رغم الحصار البحري الأميركي الذي عطّل خروج شحنات جديدة من الخليج.

 ووفقاً لتحليلات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع أسواق الطاقة، نفدت بحلول منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الجاري الكميات المتاحة من هذا المخزون لتسليمها إلى المصافي الصينية، بعدما تعذر على طهران تعويض البراميل التي تبيعها باستمرار.

 ضربة جديدة للإيرادات

يهدد هذا التطور بحرمان الحكومة الإيرانية من أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، في وقت تتفاقم فيه الضغوط التضخمية وتتراجع قيمة العملة المحلية.

وقال رئيس تحليل النفط الخام في “كبلر”، همايون فلكشاهي، إن الكميات المتاحة للتفريغ في الصين لم تعد موجودة، في إشارة إلى تراجع المخزون الذي مكّن طهران من مواصلة بيع النفط حتى بعد تشديد القيود البحرية.

ناقلة نفط إيرانية- إنترنت

 ويشكّل ذلك تحولاً في مسار المواجهة الاقتصادية، إذ لم يعد التأثير مقتصراً على تعطيل الصادرات الجديدة، بل امتد إلى استنزاف الشحنات التي غادرت إيران قبل إعادة فرض الحصار، وكانت توفر متنفساً مالياً مؤقتاً للحكومة.

وتشير بيانات “كبلر” إلى أن إيران امتلكت نحو 135 مليون برميل من النفط في الخارج مع بداية الحرب، تركز جزء كبير منها في المياه القريبة من ماليزيا وسنغافورة، وكانت هذه الشحنات، التي قُدّرت قيمتها بنحو 10 مليارات دولار أو أكثر بعد ارتفاع أسعار النفط، تمثل احتياطياً استراتيجياً يسمح لطهران بمواصلة التصدير رغم العقوبات وتعطل حركة الناقلات.

وبعد رفع الحصار مؤقتاً في منتصف حزيران/ يونيو، أعادت إيران بناء مخزونها، قبل أن تعيد واشنطن فرض القيود في منتصف تموز/ يوليو، لتبدأ الكميات المتاحة بالتراجع مجدداً.

شبكة الالتفاف على العقوبات

كانت طهران قد طورت على مدى سنوات شبكة معقدة لنقل نفطها إلى الصين، أكبر عملائها، بعيداً عن مسارات الشحن التقليدية التي يسهل تتبعها، فبدلاً من توجه الناقلات مباشرة إلى المصافي الصينية، كانت سفن مرتبطة بإيران تنقل الخام إلى مناطق قبالة ماليزيا وسنغافورة، حيث يجري نقله من سفينة إلى أخرى قبل استكمال الرحلة.

أسهمت هذه الممارسات، المعروفة بالنقل من سفينة إلى أخرى، إلى جانب استخدام ناقلات تعمل بعيداً عن الرقابة المعتادة، في إخفاء منشأ الشحنات وتعقيد جهود تطبيق العقوبات الأميركية.

لكن هذه المنظومة فقدت جانباً أساسياً من فاعليتها بعدما حال الحصار دون خروج شحنات جديدة تستطيع تعويض ما يُفرّغ في الصين، وأظهرت تقارير سابقة استندت إلى بيانات “كبلر” أن المخزون العائم المتاح خارج نطاق الحصار هبط من نحو 90 مليون برميل في منتصف تموز إلى قرابة 29 مليوناً مطلع أيلول/ سبتمبر، ثم واصل الانخفاض حتى اقترب من النفاد في تشرين الأول.

مخزونات عالقة خلف الحصار

مع ذلك، يتطلب تقييم حجم المخزونات المتبقية التمييز بين النفط الموجود على الناقلات إجمالاً والكميات التي يمكن الوصول إليها تجارياً، فقد ذكرت شركة “فورتكسا” لتتبع أسواق الطاقة أن النفط الإيراني الموجود على متن الناقلات بلغ نحو 83 مليون برميل في بيانات تشرين الأول، بينها 43 مليون برميل عالقة غرب مضيق هرمز بفعل الحصار.

 ولا يتعارض هذا الرقم بالضرورة مع تقديرات “كبلر” بشأن نفاد المخزون المتاح للتسليم إلى الصين، إذ يشمل النفط العالق الذي لا يستطيع الوصول إلى المشترين، وليس فقط الشحنات القابلة للتفريغ خارج منطقة الحصار.

ناقلة نفط إيرانية- إنترنت

وتبرز التداعيات المالية بوصفها الجانب الأكثر خطورة على الاقتصاد الإيراني، فبحسب فلكشاهي، تمثل مبيعات النفط نحو 30 إلى 40 بالمئة من إيرادات الحكومة، فضلاً عن كونها مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية.

 وفي 17 تشرين الأول، قالت القيادة المركزية الأميركية إن الإجراءات البحرية حرمت إيران من إيرادات نفطية لا تقل قيمتها عن 25 مليار دولار، غير أن هذا الرقم يمثل تقديراً أميركياً للخسائر الناجمة عن منع الصادرات، وليس حصيلة مالية مستقلة جرى التحقق منها.

الريال تحت ضغط تراجع الدولار

تزداد المخاطر مع تراجع قيمة الريال الإيراني وارتفاع تكاليف الاستيراد، إذ يؤدي انخفاض تدفقات الدولار إلى زيادة صعوبة تمويل المشتريات الخارجية ودعم الاستقرار النقدي، وقد ينعكس ذلك على أسعار السلع وتوافرها، في اقتصاد يعاني أصلاً من التضخم والضغوط المعيشية، كما أن تأخر وصول المدفوعات الصينية عن شحنات بيعت سابقاً قد يتيح لطهران الحصول على تدفقات مالية محدودة خلال الأسابيع التالية، لكنه لا يعوض توقف تدفق الصادرات الجديدة إذا استمر الحصار.

في المقابل، بدأت المصافي الصينية البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها، من بينها النفط القادم من البرازيل وغرب أفريقيا، بينما ساعدت الإمدادات الروسية بعض المشترين على تقليل اعتمادهم على الخام الإيراني، ليحد هذا التحول من قدرة طهران على استعادة موقعها السابق بسرعة، حتى لو خُففت القيود لاحقاً، لأن المشترين قد يكونون قد أعادوا ترتيب مصادر الإمداد.

ولا يعني نفاد المخزون العائم بالضرورة توقف الاقتصاد الإيراني أو انهياره فوراً؛ إذ يمكن للحكومة اللجوء إلى التخزين داخل البلاد أو النقل البري عبر الحدود، لكن هذه المسارات لا توفر بسهولة الحجم الذي كانت تنقله الناقلات بحراً، وفي المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية قدرة الاقتصاد على الصمود، رافضةً تصوير الضغوط الحالية بوصفها انهياراً وشيكاً.

وبين الرهان الأميركي على دفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملف النووي، وتمسك القيادة الإيرانية بمواصلة المواجهة، تتقلص مساحة المناورة الاقتصادية المتاحة أمام إيران، فاستنزاف المخزون الذي كان يؤجل أثر الحصار يعني أن الاختبار المقبل لن يقتصر على قدرة طهران على العثور على مسارات بديلة للتصدير، بل سيمتد إلى قدرتها على تحمل تراجع الإيرادات الأجنبية لفترة أطول، في وقت تتزايد فيه كلفة الحرب والعقوبات على الاقتصاد والمجتمع.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم