أثار مشروع قانون المنظمات غير الحكومية في سوريا انتقادات حقوقية وقانونية، وسط تحذيرات من منحه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واللجان المختصة صلاحيات واسعة للتدخل في تسجيل المنظمات وتمويلها ومراقبة أنشطتها، بما يهدد استقلال المجتمع المدني. وتزامن الجدل مع انتقادات لمهلة التشاور الأولية التي اقتصرت على ثلاثة أيام، قبل تمديدها حتى 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
الاعتمادية والرقابة.. صلاحيات واسعة وضمانات محدودة
تتركز أبرز الاعتراضات على نظام “الاعتمادية”، الذي يُخضع المنظمات لمعايير وإجراءات تحددها لجنة مختصة، تشمل وضع شروط الاعتماد وتحديد الرسوم والنظر في التظلمات. ويحذّر منتقدون من تركّز هذه الصلاحيات في جهة واحدة، مع محدودية تمثيل المنظمات فيها، وغموض المعايير التي قد تُستخدم لرفض الطلبات أو فرض العقوبات، بما يفتح المجال أمام تقييد الأنشطة بقرارات إدارية.
وفي قراءة قانونية، حذّر المحامي ميشال شماس من التناقض بين تأكيد المسودة استقلال المنظمات ومنح الجهات الإدارية صلاحيات واسعة في التسجيل والتمويل والرقابة والتقييم. واعتبر أن الأحكام المقترحة قد تتيح رفض الطلبات أو تقييد الأنشطة من دون ضوابط واضحة، مشيراً إلى أن المنظمات السورية سبق أن رفضت مشروعاً أُعدّ عام 2012 في عهد أسماء الأسد، وأن المشروع الحالي يعيد، وفق رأيه، إنتاج القيود ذاتها بمسميات مختلفة، عبر إخضاع المنظمات لشروط السلطة بدلاً من ضمان استقلالها.
وتشمل المخاوف غموض تعريف “النفع العام”، والتفاوت المحتمل في الحقوق والتسهيلات بين المنظمات، وفرض متطلبات إدارية موحدة قد تثقل كاهل المبادرات الصغيرة والفرق التطوعية. كذلك تثير صلاحيات التفتيش والوصول إلى السجلات والبيانات، واتساع نطاق العقوبات الإدارية، تساؤلات بشأن حماية الخصوصية ومنع تعطيل الأنشطة أو تقييد الموارد، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تحديد المخالفات بدقة وضمان الطعن القضائي الفعّال في القرارات.
التمويل والمناصرة ومهلة التشاور تحت الانتقاد
حذّرت المبادرة السورية للحقوق الأساسية، في ورقة موقف نشرتها في 8 أيلول/سبتمبر، من أن المشروع قد يُبقي المجتمع المدني خاضعاً للرقابة الحكومية عبر الموافقات المسبقة والصلاحيات التقديرية الواسعة. وطالبت بضمان حرية تأسيس الجمعيات ووصولها إلى التمويل المحلي والدولي دون قيود تعسفية، وحصر حلّها بالسلطة القضائية، وإخضاع القرارات الإدارية المؤثرة في عملها لرقابة قضائية فعالة.
وتأتي هذه الاعتراضات في ظل إرث قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958، الذي منح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة في تسجيل الجمعيات والتدخل في إدارتها. ويثير المشروع الجديد تساؤلات بشأن مدى تجاوزه القيود السابقة، ولا سيما في الموافقات على التمويل الخارجي والأنشطة والمشاريع، وتداخل صلاحيات الجهات الحكومية المشرفة على العمل المدني.
وامتدت الانتقادات إلى آلية إعداد المشروع. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر، طالبت مؤسسة “مدد للتنمية وبناء السلام”، بالتعاون مع مؤسسات مدنية وأفراد مستقلين، بتمديد التشاور إلى شهر على الأقل، معتبرة أن ثلاثة أيام لا تكفي لمراجعة مسودة من نحو 78 صفحة تتضمن أحكاماً قانونية ومالية وإدارية معقدة. كما دعت إلى آلية شفافة لدراسة الملاحظات المقدمة والرد عليها.
وفي 11 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت “مدد” تقديم مراجعة حقوقية للمشروع إلى الوزارة، تناولت توافق أحكامه مع الإعلان الدستوري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. ومددت الوزارة لاحقاً مهلة تقديم الملاحظات حتى 18 تشرين الأول/أكتوبر، لكن ذلك لا يحسم الخلاف بشأن مضمون المشروع.
ويتركز الاعتراض على مدى قدرة الصيغة النهائية على الحد من التدخل الإداري وضمان استقلال المنظمات وحرية تمويلها، ومنع استخدام التسجيل والرقابة والعقوبات لتقييد عملها. وتبقى هذه الضمانات مرتبطة بوضوح النصوص القانونية، وتحديد الصلاحيات، وإتاحة الطعن القضائي الفعّال في القرارات الإدارية.
- مشروع قانون المنظمات غير الحكومية في سوريا يثير انتقادات حقوقية وقانونية
- “مؤتمرات بلا إصلاح”.. خبراء ينتقدون التحركات المالية السورية ويحذرون من هدر الموارد
- جواز السفر السوري في المرتبة الأخيرة عربياً بعد العراق واليمن
- الغلاء يلتهم 25% من القدرة الشرائية للسوريين.. هل تدخل الأسواق مرحلة الركود؟
- “خطأ تشغيلي” وراء تضرر سيارات السوريين.. بيان وزارة الطاقة يثير الجدل

