“مؤتمرات بلا إصلاح”.. خبراء ينتقدون التحركات المالية السورية ويحذرون من هدر الموارد

اجتماع بانكوك

تفتح مشاركة وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان في الاجتماع الأول للمجلس الحاكم لمنصة الدول المقترضة التابعة للأمم المتحدة، نقاشاً حول جدوى التحركات المالية الخارجية في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، من عجز الموازنة وضعف البنية المصرفية إلى الحاجة لإصلاح المؤسسات وتعزيز الشفافية.

وبينما تتيح هذه المشاركات فرصاً لتبادل الخبرات وتوسيع التعاون الدولي، يرى خبيران اقتصاديان أن الاستفادة منها تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات السورية على تحويلها إلى نتائج ملموسة.

منصة دولية لاختبار فرص التمويل

شارك برنية ورسلان، الاثنين الماضي، في الاجتماع الذي عُقد في العاصمة التايلاندية بانكوك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، وشهد اعتماد بيان يحدد أولويات عمل المنصة خلال المرحلة المقبلة تمهيداً لانتقالها إلى مرحلة التنفيذ.

وتهدف المبادرة، التي يدعمها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، إلى تعزيز التنسيق بين الدول المقترضة وتبادل الخبرات في إدارة الدين العام، فضلاً عن تقوية حضورها في النقاشات المتعلقة بالنظام المالي الدولي.

مشاركة وزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي في الاجتماع الأول للمجلس الحاكم لمنصة الدول ‏المقترضة

وأكد وزير المالية، خلال الاجتماع، أن الاقتراض أو التمويل ينبغي أن يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي، لا في تراكم العجز والمديونية، مشدداً على أهمية منح الدول الخارجة من الصراعات اهتماماً أكبر.

وتأتي المشاركة في وقت تواجه فيه سوريا تحديات مالية ومصرفية تتطلب تعبئة الموارد وتحسين كفاءة الإنفاق وتطوير أدوات التمويل، ما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد المؤسسات المحلية للاستفادة من فرص التعاون الدولي.

التمويل يحتاج إلى إصلاحات مسبقة

في هذا السياق، انتقد الخبير الاقتصادي والمصرفي عامر شهدا مشاركة المسؤولين السوريين في المؤتمرات المالية الدولية، معتبراً أن الحضور الخارجي لا يشكل بحد ذاته دليلاً على التعافي الاقتصادي أو الاندماج في النظام المالي العالمي، ما لم يستند إلى إصلاحات مؤسسية وبنية تحتية مالية ومصرفية قادرة على ترجمة اللقاءات إلى نتائج داخل البلاد.

وقال شهدا، في منشور عبر منصة “فيسبوك”، إن التوسع في المشاركة بالمؤتمرات والترويج لها، بالتزامن مع استمرار التحديات الإدارية والمالية والنقدية، قد يحوّل هذه التحركات إلى إنفاق لا يحقق عائداً واضحاً، داعياً إلى إعطاء الأولوية لتحسين الإدارة المالية والنقدية، وتطوير الكفاءات البشرية، ووضع سياسات اقتصادية قابلة للتنفيذ والقياس.

وتساءل عن جدوى المشاركة في منصة الدول المقترضة في ظل تصريحات رسمية تشدد على تجنب الاقتراض، معتبراً أن الأمر يستدعي توضيح أهداف المشاركة والتمييز بين تبادل الخبرات والتوجه الفعلي نحو الاستدانة.

وربط أي توجه مستقبلي نحو الاقتراض بضرورة إعداد إطار مالي يوازن بين الموارد المتاحة والعجز واستحقاقات السداد، إلى جانب سياسة نقدية قادرة على إدارة السيولة والحد من الضغوط التضخمية وحماية القوة الشرائية، مشدداً على أهمية الشفافية بشأن الالتزامات المالية، وتحديد أولويات التمويل ومردوده ومخاطره، ومحذراً من أن استمرار ضعف التصنيف الائتماني السيادي قد يرفع تكلفة التمويل ويحد من فرص الحصول على قروض ميسرة.

تساؤلات حول نتائج التحركات الخارجية

تعزز المؤشرات المالية أهمية هذه المطالب؛ إذ أظهرت بيانات وزارة المالية للنصف الأول من عام 2026 أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام قارب 3.7 مليارات دولار، بعجز يناهز مليار دولار، لتبرز هذه الأرقام الحاجة إلى تقييم أولويات الإنفاق العام وقياس العائد من النفقات، بالتوازي مع توجيه الموارد المحدودة إلى الخدمات الأساسية والإصلاحات التي ترفع كفاءة المؤسسات وتدعم النشاط الاقتصادي.

ومن جهته، ركز الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في منشور عبر “فيسبوك”، على الفجوة بين كثافة التحركات الخارجية وما وصفه بضعف نتائج الإصلاح داخل المؤسسات المالية، داعياً وزير المالية وحاكم المصرف المركزي إلى التركيز على التنظيم الداخلي وتطوير الأداء المؤسسي، معتبراً أن قيمة اللقاءات الدولية تُقاس بما تحققه على أرض الواقع، لا بعدد المؤتمرات أو الصور الرسمية.

كما أثار الكريم تساؤلات بشأن المشاركة في منصة الدول المقترضة في ضوء التصريحات الرسمية المتعلقة بتجنب تراكم المديونية وعدم وضوح الموقف من الديون السورية القائمة، مشيراً إلى أن معالجة إرث الديون وتطوير الأسواق المالية المحلية وإصلاح القطاع المصرفي ملفات مهمة لتعبئة التمويل التنموي، ما يجعل توضيح الموقف الرسمي من الالتزامات القائمة وخيارات التمويل المستقبلية أمراً أساسياً.

بين شروط الاقتراض وجدوى الحضور الدولي

تتقاطع ملاحظات الخبيرين عند ضرورة ربط الانفتاح المالي بإصلاحات داخلية قابلة للتنفيذ، فيما يركز شهدا بصورة خاصة على شروط الاقتراض واستدامة الدين، ويشدد الكريم على ضرورة إظهار نتائج عملية للتحركات الخارجية.

ووضعا هذه المشاركات أمام معيار واضح وهو مدى إسهامها في تطوير القطاع المصرفي، وتحسين إدارة المالية العامة، وتعزيز الشفافية، وتوفير فرص تمويل أكثر استدامة.

مشاركة وزير المالية وحاكم مصرف سوريا المركزي في الاجتماع الأول للمجلس الحاكم لمنصة الدول ‏المقترضة

وبين الانفتاح الخارجي والحاجة إلى إصلاح الداخل، تبدو الأولوية في المرحلة المقبلة هي ربط المشاركة الدولية ببرنامج عمل قابل للقياس، يحدد أهدافاً زمنية ومؤشرات أداء واضحة، ويكشف ما تحقق في ملفات إدارة الدين والتعاون المصرفي والإصلاح المالي.

خاصة وأن المؤتمرات لا تمثل في حد ذاتها دليلاً على التعافي، كما أن جدواها لا يمكن الحكم عليها من مجرد المشاركة فيها؛ لكن الفيصل هو تحول مخرجاتها إلى إصلاحات ملموسة تعزز كفاءة المؤسسات وتخفف اختلالات المالية العامة وتدعم التعافي الاقتصادي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم