بعد إعلان توقيف أحد المتهمين.. ماذا نعرف عن “مجزرة العتيبة” بريف دمشق؟

أعلنت السلطات السورية توقيف الطيار السابق في قوات النظام خلدون حسين مبارك، واتهمته بالمسؤولية عن مجزرة العتيبة التي وقعت في ريف دمشق عام 2014، في تطور يعيد إلى الواجهة ملف هجوم أسفر عن مقتل عشرات الأشخاص، وسط روايات متباينة حول هوية الضحايا والجهات التي نفذت الكمين.

وقالت قناة “الإخبارية السورية”، أمس الجمعة، نقلاً عن مصدر في إدارة مكافحة الإرهاب، إن عناصر الإدارة ألقوا القبض على مبارك خلال عملية في منزله بريف جبلة. ونقلت عنه أن مبارك “مسؤول عن مجزرة العتيبة”، من دون أن تنشر تفاصيل عن الأدلة التي استند إليها الاتهام أو طبيعة الدور المنسوب إليه في العملية.

أكد “تلفزيون سوريا” توقيف مبارك، وقال إنه اعتقل في بلدة بيت ياشوط بريف اللاذقية، وإنه متهم بارتكاب مجازر في سوريا باستخدام طائرته الحربية. ولم يقدم التقرير، تفاصيل عن صلته المباشرة بهجوم العتيبة أو عن ملف قضائي معلن ضده في هذه القضية.

ماذا حدث في العتيبة عام 2014؟

وقعت الحادثة في 26 شباط/ فبراير 2014، عندما تعرضت مجموعة كانت تحاول الخروج من الغوطة الشرقية عبر منطقة العتيبة لكمين أدى إلى مقتل عدد كبير من الأشخاص.

وتباينت الروايات منذ الساعات الأولى بشأن طبيعة المجموعة وعدد القتلى. وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” آنذاك، نقلاً عن مصدر عسكري، إن 175 من مقاتلي “جبهة النصرة” و”لواء الإسلام” قتلوا في كمين نفذته قوات النظام، بينما تحدث “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن مقتل 152 مقاتلاً من “جبهة النصرة” وفصائل إسلامية، وقال إن الكمين نفذته قوات من “حزب الله” مدعومة بقوات النظام.

في المقابل، قالت مصادر معارضة في ذلك الوقت إن المجموعة كانت تضم مدنيين من الغوطة الشرقية كانوا يحاولون الخروج من المنطقة المحاصرة، وإن عدد القتلى كان أقل من الرقم الذي أعلنته السلطات آنذاك. كما وثقت تقارير حقوقية رواية قالت إن النظام و”حزب الله” نصبا كميناً للمجموعة أثناء محاولتها مغادرة الغوطة.

رفات في العتيبة بعد 11 عاماً

أعيد فتح ملف العتيبة بصورة أكبر في أيلول/ سبتمبر 2025، بعد اكتشاف مقبرة جماعية في منطقة البحيرة بالبلدة.

الدفاع االمدني السوري يعثر على رفات في منطقة العتيبة بريف دمشق – 2025 – سانا

وقالت السلطات السورية آنذاك إن فرقها عثرت على رفات نحو 170 شخصاً، فيما بدأت الهيئة الوطنية للمفقودين، بالتنسيق مع الدفاع المدني والنيابة العامة، عمليات انتشال الرفات وتوثيقها بهدف تحديد هويات أصحابها وحفظ الأدلة.

وأفادت وكالة “سانا” في 19 أيلول/ سبتمبر 2025 بأن السلطات انتشلت 75 جثة إضافية من الموقع، ليرتفع إجمالي ما استخرج إلى 175 جثة. وقالت الوكالة إن بعض أقارب المفقودين حضروا إلى الموقع بحثاً عن ذويهم، فيما بقيت هوية عدد من الرفات غير محسومة.

كما نقلت الوكالة عن الهيئة الوطنية للمفقودين أن إجراءات التعرف على الضحايا تعتمد على حفظ الرفات والمقتنيات الشخصية، بما يسمح للأهالي بالتعرف على ذويهم، مع استمرار العمل على توثيق الموقع وحفظ الأدلة.

ما الذي يثبت صلة مبارك بالمجزرة؟

يكتسب توقيف الطيار السابق في النظام السوري خلدون حسين مبارك أهمية بالنسبة إلى قضية العتيبة، إلا أن مراقبون يرون أنها لا تحسم وحدها المسؤولية الفردية عن العملية. كما أن اكتشاف الرفات لا يقدم، في حد ذاته، دليلاً منشوراً يربط مبارك شخصياً بالكمين.

جرافات لقوات النظام السوري السابق تجمع جثامين ضحايا مجزرة العتيبة في 2014 – منصة “تأكد” للتحقق من المعلومات

كما أن المعلومة الجديدة بشأن مبارك تأتي من السلطات السورية الحالية، التي قالت إن إدارة مكافحة الإرهاب اعتقلته واتهمته بالمسؤولية عن مجزرة العتيبة. لكن المصادر المفتوحة التي أمكن مراجعتها لا تتضمن حتى الآن وثيقة قضائية أو شهادة منشورة أو تحقيقاً سابقاً يذكر مبارك بالاسم بوصفه أحد المخططين أو المنفذين للكمين.

ويظهر في السجل المتاح عن مبارك أنه كان طياراً في قوات النظام السابق، كما أورد مركز توثيق سوري اسمه برتبة مقدم طيار في آذار/ مارس 2020. وسبق أن أفادت تقارير بأنه نجا بعد إسقاط طائرته في ريف إدلب عام 2020. لكن هذه المعلومات، بحد ذاتها، لا تثبت دوره في هجوم العتيبة عام 2014.

وبذلك، يفتح توقيف مبارك مساراً جديداً في ملف العتيبة، لكن تحديد مسؤوليته عن الحادثة يبقى مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات والأدلة التي تستند إليها السلطات في توجيه الاتهام.

ويظل ملف العتيبة واحداً من القضايا التي تتقاطع فيها روايات متعارضة حول هوية الضحايا والجهات المنفذة، فيما يوفر اكتشاف الرفات عام 2025 أساساً جديداً لعمليات التعرف والتحقيق. أما الاتهام الموجه إلى مبارك، فيبقى حتى الآن اتهاماً صادراً عن السلطات السورية، إلى أن تظهر أدلة أو إجراءات قضائية علنية توضح دوره ومسؤوليته بصورة أكثر تفصيلاً.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم