كم تحتاج الأسرة السورية شهرياً لتأمين طعامها.. وهل تكفي الرواتب؟

الأسواق

لم يعد تأمين الطعام في دمشق مجرد بند أساسي في ميزانية الأسرة السورية، بل تحوّل إلى عبء يستنزف جزءاً كبيراً من دخلها، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء واتساع الفجوة بين الأجور والاحتياجات اليومية.

 ومع تراجع القدرة الشرائية، تجد عائلات كثيرة نفسها مضطرة إلى تقليص مشترياتها وتغيير عاداتها الغذائية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أفرادها.

خمسة ملايين ليرة للغذاء وحده

بحسب مؤشر “قاسيون” لتكاليف المعيشة، بلغت الكلفة الشهرية الدنيا لسلة الغذاء الأساسية لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد في دمشق نحو 4,914,750 ليرة سورية بالعملة القديمة في نهاية أيلول/سبتمبر 2026، أي ما يعادل نحو 49,150 ليرة بالعملة الجديدة، وفق نظام حذف صفرين من العملة.

 ولا تشمل هذه الكلفة سوى الغذاء، فيما تُقدّر النفقات الضرورية الأخرى، بما فيها السكن والمواصلات والتعليم والصحة واللباس والاتصالات، بنحو 3,276,500 ليرة إضافية شهرياً، ليصل الحد الأدنى الإجمالي لتكاليف المعيشة إلى 8,191,250 ليرة.

بلغت الكلفة الشهرية الدنيا لسلة الغذاء الأساسية لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد في دمشق نحو 4,914,750 ليرة سورية – إنترنت

وتكشف مقارنة هذه الأرقام بمستويات الدخل عن فجوة واسعة، فالحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 1,256,000 ليرة بالعملة القديمة شهرياً، لا يغطي سوى نحو ربع تكلفة الغذاء الأساسية المقدّرة لأسرة من خمسة أفراد، وحتى إذا بلغ دخل الأسرة مليوني ليرة شهرياً، فإنها تحتاج إلى نحو ضعفي هذا المبلغ ونصف لتغطية الطعام وحده، من دون احتساب الإيجار والفواتير والمواصلات وسائر الالتزامات اليومية.

وأمام هذه المعادلة، تتجه أسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والتركيز على المواد الأساسية الأقل كلفة، وتقليص كميات المشتريات أو الاستغناء عن بعض الأصناف.

المؤونة الشتوية تحت ضغط الأسعار

لم تعد القدرة على شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة وتخزينها متاحة كما في السابق، إذ باتت المشتريات اليومية المحدودة خياراً تفرضه السيولة المتوافرة، مع الاكتفاء أحياناً بشراء ما يلزم لإعداد وجبة واحدة، أو ما يُعرف شعبياً بـ”تأمين الطبخة”.

وامتدت هذه التغيّرات إلى عادات إعداد المؤونة الشتوية، التي شكّلت تقليدياً وسيلة لتوفير بعض المواد الغذائية وتوزيع نفقاتها على أشهر السنة، فمع ارتفاع تكاليف الخضار والمواد اللازمة لتحضير المكدوس والمخللات وغيرها، تضطر بعض الأسر إلى تقليص الكميات التي تخزّنها أو استبدال مكونات بأخرى أقل كلفة، فيما تتراجع قدرتها على تنويع الطعام والاحتفاظ بمخزون يكفيها خلال الشتاء.

بلغت الكلفة الشهرية الدنيا لسلة الغذاء الأساسية لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد في دمشق نحو 4,914,750 ليرة سورية – إنترنت

ولا تنفصل هذه الضغوط عن أزمة الأمن الغذائي الأوسع في البلاد، فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي في أيار/مايو 2026 أن 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن نقص التمويل أجبره على خفض المساعدات الغذائية الطارئة إلى النصف، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً، وتعليق برنامج دعم الخبز الذي كان يساعد ملايين الأشخاص يومياً، محذراً من أن بعض الأسر باتت تقلّص حصص الطعام أو تلجأ إلى وجبات أقل قيمة غذائية أو تتخطى بعض الوجبات.

وبينما تستنزف فاتورة الغذاء جزءاً متزايداً من دخول الأسر، لم يعد تقليص الإنفاق مجرد محاولة للادخار، بل وسيلة للتكيّف مع محدودية الموارد، لتبقى المشكلة أوسع من أسعار المواد الغذائية وحدها، إذ ترتبط بقدرة الأجور على مواكبة تكاليف المعيشة، وبمدى توافر فرص العمل والدعم للفئات الأكثر هشاشة، حتى لا يتحول تأمين الطعام اليومي إلى معركة مستمرة على حساب تنوع الغذاء واحتياجات الأسرة الأخرى.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم