مع عودة التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، لم تعد تداعيات المواجهة تقتصر على البعد الأمني أو العسكري، بل باتت تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإيراني الذي يواجه ضغوطاً متراكمة نتيجة العقوبات الغربية وتراجع الإيرادات النفطية وارتفاع معدلات التضخم، لتصبح كلفة استمرار الصراع أكبر من أي مكاسب سياسية أو عسكرية قد تحققها طهران، بحسب تقديرات خبراء اقتصاديين.
ويرى الخبير الاقتصادي حسين القمزي أن المشهد الحالي يرسم معادلة مضطربة، إذ إن المكاسب العسكرية أو السياسية التي قد تسعى إيران إلى تحقيقها عبر التصعيد في مضيق هرمز لا تقارن بحجم الخسائر التي يتكبدها اقتصادها، خاصة في ظل عودة الضغوط الأميركية وتصاعد المخاطر التي تهدد صادرات النفط، المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية.
من التصعيد إلى المواجهة المفتوحة
أوضح القمزي في تدوينة له عبر منصة “إكس” أن انهيار التفاهم الأولي الذي كانت تعول عليه طهران مع الإدارة الأميركية أعاد المنطقة إلى مربع المواجهة، وذلك بعد استئناف الهجمات في المضيق منذ السابع من تموز/ يوليو الجاري، وما تبعها من استهداف ناقلتي نفط إماراتيتين، لترد الولايات المتحدة بسلسلة من الضربات العسكرية على أهداف داخل إيران.
ولم تعد هذه التطورات مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية شاملة، فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، يشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق الدولية.
وقد بدأت ملامح هذا التأثر تظهر بالفعل، حيث ارتفعت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 87 دولاراً للبرميل، مسجلة أعلى مستوى لها منذ أكثر من شهر.

وتعكس المؤشرات الملاحية حجم الأزمة بصورة أوضح، فقد أظهرت بيانات شركة “كبلر” لتتبع السفن أن حركة الملاحة عبر المضيق تراجعت خلال عطلة نهاية الأسبوع بأكثر من النصف، مقارنة بالأسبوع السابق، لتصل إلى 19 سفينة فقط، وهو مستوى يعادل تقريباً ما كان عليه الوضع قبل التوصل إلى اتفاق السلام المؤقت في نيسان/أبريل.
وفي تطور لافت، انخفض عدد السفن التي عبرت المضيق يوم الأحد الماضي إلى أدنى مستوى في شهرين، ليأتي هذا التراجع الحاد في ظل عزوف عدد من شركات الشحن عن المرور في المنطقة، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، فضلاً عن استمرار مرافقة البحرية الأميركية لبعض الناقلات التجارية، وهو ما يؤكد أن المخاطر الأمنية باتت عاملاً مباشراً في تعطيل التجارة العالمية.
ضربة موجعة لصادرات النفط
لكن الخاسر الأكبر من هذا المشهد، وفقاً للقمزي، هو الاقتصاد الإيراني نفسه، فالولايات المتحدة أعادت فرض الضغوط على صادرات النفط الإيرانية، واستأنفت إجراءات تشديد الحصار على الشحن البحري، وهو ما يحرم طهران من الاستفادة من أي انفراجة كانت تعول عليها.
تكشف بيانات الشحن عن عمق الأزمة التي تعصف بهذا القطاع الحيوي، فقد هبطت صادرات إيران من الخام والمكثفات في آيار/مايو الماضي إلى أدنى مستوى لها في ست سنوات على الأقل، إذ انخفضت إلى ما دون 300 ألف برميل يوميا.
وتشير تقديرات شركة “فورتكسا” لإمدادات الطاقة العالمية إلى أن متوسط الصادرات بلغ نحو 209 آلاف برميل يومياً في آيار، بانخفاض حاد عن 1.34 مليون برميل يومياً في نيسان، ونحو 1.9 مليون برميل يومياً في آذار، أي بتراجع نسبته 84.4 بالمئة عن نيسان، و89 بالمئة عن آذار.
الصين تغير بوصلتها
يترافق هذا الانهيار في الصادرات مع تراجع قدرة إيران على تسويق نفطها، إذ إن جزءاً من الشحنات التي جرى تصديرها خلال الأسابيع الأولى من التفاهم السابق أصبح يواجه صعوبة في العثور على مشترين، خاصة مع اتجاه عدد من المصافي الآسيوية، وعلى رأسها المصافي الصينية، إلى زيادة مشترياتها من الخام القادم من دول الخليج بأسعار أكثر تنافسية.
وتشير بيانات “كبلر” إلى أن واردات الصين من النفط الإيراني تراجعت في آيار إلى أدنى مستوى لها منذ كانون الثاني 2025، كما تحول الخام الإيراني الخفيف من التداول بعلاوة سعرية إلى التداول بخصم مقارنة بخام برنت، مما يعكس تراجع الطلب من المشترين.

الرقم الأكثر إثارة للقلق هو ما كشفته الحكومة الإيرانية نفسها، حيث قدرت المتحدثة باسمها فاطمة مهاجراني الخسائر الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية بنحو 270 مليار دولار، وهو ما يعادل نحو 57 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقديرات معهد الشرق الأوسط.
ويحذر المعهد من أن كل شهر إضافي يستمر فيه القتال قد يرد بالاقتصاد الإيراني إلى الوراء لأكثر من خمس سنوات، مما يعكس الأثر التراكمي على رأس المال والإنتاجية، ومع استمرار التصعيد العسكري، فإن فجوة الخسائر المالية ستتسع حتماً، ولن تتحقق مكاسب اقتصادية يمكن البناء عليها مستقبلاً.
اقتصاد يخسر أكثر مما يربح
يرى القمزي أن استمرار التوتر في مضيق هرمز لا يخدم الاقتصاد الإيراني، لأن أي إغلاق فعلي أو شبه كامل للمضيق سيؤدي أيضاً إلى تعطيل جزء من صادرات إيران نفسها، وبالتالي فإن طهران ستكون من أوائل المتضررين من أي شلل طويل الأمد في هذا الممر البحري، حتى وإن استطاعت إلحاق خسائر مؤقتة بالأسواق العالمية أو بالدول المنافسة.
وأشار إلى أن القراءة العسكرية للأزمة تختلف جوهرياً عن القراءة الاقتصادية، فبينما تواصل إيران تطوير ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن الاقتصاد هو الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.
بناء على ما سبق فإن استمرار التصعيد لن يغير ميزان القوى الاقتصادية لصالح إيران، بل سيزيد الضغوط على اقتصادها ويؤخر أي فرصة لاستعادة النمو، فطهران قد تحقق مكاسب تكتيكية على المستوى العسكري، لكنها تخسر في المقابل مليارات الدولارات من الإيرادات النفطية والاستثمارات والتجارة الخارجي
لذلك، فإن كلفة استمرار المواجهة أصبحت، من منظور اقتصادي، أكبر بكثير من أي مكسب سياسي أو عسكري يمكن تحقيقه في المدى القصير، ليبقى الحل الأكثر جدوى لجميع الأطراف هو العودة إلى المسار الدبلوماسي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، باعتبارها مصلحة دولية تتجاوز حدود الصراع الإقليمي، وهو ما أكد عليه الخبير القمزي في ختام تحليله.

