4 عوامل تفسر ارتفاع الدولار بنحو 25% في السوق الموازية السورية منذ مطلع العام

الدولار

تواجه الليرة السورية ضغوطاً متزايدة منذ مطلع عام 2026، مع عودة الدولار الأميركي إلى مسار الصعود في السوق الموازية، وسط تداخل اختلالات الاقتصاد المحلي مع تحديات السياسة النقدية وتكاليف الاستيراد ومخاطر التوترات الإقليمية.

وبينما تعكس حركة سعر الصرف تراجعاً في قيمة العملة المحلية، فإن تفسيرها لا يقتصر على المضاربات أو التطورات السياسية، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد السوري على توليد القطع الأجنبي، وكفاءة النظام المصرفي في تلبية احتياجات السوق، ومدى استقرار الإمدادات الأساسية.

مسار متقلب للدولار

بحسب بيانات السوق الموازية، ارتفع سعر بيع الدولار من أدنى مستوى مسجل مطلع العام عند 111.5 ليرة سورية جديدة إلى 139 ليرة، اليوم الأربعاء، بزيادة بلغت نحو 24.7 بالمئة، أي ما يقارب 25 بالمئة خلال الفترة، وكان الدولار قد تجاوز 145.5 ليرة في منتصف تموز/ يوليو، قبل أن يتراجع نسبياً، في إشارة إلى التقلبات التي تشهدها سوق الصرف وصعوبة استقرارها عند اتجاه مستدام.

ارتفع سعر بيع الدولار من أدنى مستوى مسجل مطلع العام عند 111.5 ليرة سورية جديدة إلى 139 ليرة- إنترنت

في المقابل، ظل السعر الرسمي للدولار عند 122.50 ليرة للبيع، وفق بيانات مصرف سوريا المركزي المنشورة أمس الثلاثاء، ما وسّع الفارق مع السعر الموازي إلى نحو 16.1بالمئة، ليعكس هذا التباين استمرار اختلاف ظروف التسعير وتوافر القطع الأجنبي بين القنوات الرسمية والسوق الموازية.

ويأتي هذا التطور رغم التحسن الذي أشار إليه البنك الدولي في بعض المؤشرات الاقتصادية السورية خلال الفترة السابقة، بما في ذلك تحسن الاتصال الخارجي وتخفيف العقوبات والتقدم في الإصلاحات المؤسسية، لكن البنك حذّر، في تقييمه للاقتصاد السوري، من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد ينعكس سلباً على التجارة والسياحة والاستثمار وإمدادات الكهرباء، بما يهدد بإبطاء التعافي.

ارتفاع المحروقات يضاعف كلفة الإنتاج

يبرز العامل الأول في ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، بعدما رفعت الحكومة السورية أسعار المشتقات النفطية في 13 أيلول/ سبتمبر، في ظل ارتفاع تكاليف تأمين الوقود عالمياً وخضوع مصفاة بانياس لعمرة شاملة زادت الحاجة مؤقتاً إلى استيراد المشتقات الجاهزة.

ارتفع سعر المازوت إلى 175 ليرة جديدة للتر، والبنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة، وفق وزارة الطاقة، في زيادات انعكست على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات.

ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن ارتفاع أسعار المحروقات، بنسب تراوحت بين 25 و40 بالمئة وفق تقديره، يضغط على الليرة عبر رفع كلفة التشغيل والشحن والتخزين، فضلاً عن زيادة احتياجات المستوردين إلى الدولار لتغطية فواتير التوريد.

 ولا تتوقف التداعيات عند ارتفاع الأسعار، إذ قد تدفع تكاليف الإنتاج المرتفعة بعض المنشآت إلى تقليص نشاطها، بما يضعف المعروض المحلي ويزيد الاعتماد على السلع المستوردة، فتتسع الحاجة إلى العملات الأجنبية في وقت تتراجع فيه قدرة الاقتصاد على توليدها محلياً.

اختلالات السيولة تهز الثقة بالليرة

أما العامل الثاني، فيتصل بإدارة السيولة والسياسة النقدية، إذ يشير الكريم إلى قصور في آليات توفير السيولة وتسهيل المدفوعات الخارجية، إلى جانب ما يصفه بعدم التوازن في توزيع النقد بعد استبدال العملة.

 وتزداد حساسية السوق مع استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، إذ قد يدفع عدم اليقين بعض التجار والأفراد إلى الاحتفاظ بالدولار بدلاً من توظيف أموالهم في النشاط الإنتاجي، بما يعزز الطلب عليه.

ارتفع سعر بيع الدولار من أدنى مستوى مسجل مطلع العام عند 111.5 ليرة سورية جديدة إلى 139 ليرة- إنترنت

وتتصل هذه الإشكالية أيضاً بثقة المتعاملين في القنوات المصرفية، ففي آب/ أغسطس، أعلن البنك الدولي موافقته على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، مشيراً إلى أن النظام المصرفي لا يزال صغيراً، ويعتمد بدرجة كبيرة على النقد، ويواجه تحديات في البنية التحتية للمدفوعات الرقمية والرقابة والاستقرار المالي، ما يشير إلى أن إعادة بناء الثقة وتسهيل التحويلات الدولية تتطلبان إصلاحات مؤسسية وتقنية، لا مجرد تثبيت الأسعار بقرارات إدارية.

فجوة القطع الأجنبي تكشف ضعف الإنتاج

يتمثل العامل الثالث في الاختلال الهيكلي بين احتياجات الاقتصاد من القطع الأجنبي وقدرته على توليده، حيث يقول الباحث الاقتصادي الدكتور جاسم العقلة إن ارتفاع الدولار يعكس فجوة بين اقتصاد يستنزف العملات الأجنبية لتأمين احتياجاته الأساسية، وآخر لا يزال عاجزاً عن توفير تدفقات مستقرة منها عبر الإنتاج والصادرات والاستثمارات، مؤكداً أنه في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية، يمكن أن يتحول الدولار من أداة لتسوية المدفوعات إلى وسيلة لحفظ القيمة، خصوصاً عندما تتزايد المخاوف من التضخم وتقلبات السوق.

أما العامل الرابع، فيتمثل في القيود المالية الخارجية والتوترات الجيوسياسية، فيوضح الكريم أن صعوبات التعامل المصرفي الدولي وتسوية التحويلات والاعتمادات التجارية قد تدفع المستوردين إلى استخدام وسطاء ومسارات بديلة، بما يرفع كلفة المعاملات ويزيد الطلب على السيولة الأجنبية.

ويشير إلى أنه رغم التطورات التي شهدتها عودة بعض خدمات الدفع الدولية إلى سوريا، فإن استعادة الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي لا تزال تتطلب تطوير العلاقات المصرفية والامتثال والحوكمة.

الحرب الإقليمية تضاعف الضغوط

من جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور عزيز موسى أن الحرب الأميركية الإيرانية واضطرابات الخليج والبحر الأحمر تضاعف الضغوط على سوق الصرف، لكنها ليست السبب الجذري للأزمة.

وبيّن أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واحتمال تأجيل الاستثمارات، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل تزيد هشاشة اقتصاد يعتمد على الاستيراد ويعاني محدودية الاحتياطيات والسيولة، محذراً من أن استمرار الاختلالات قد يدفع الدولار إلى مستويات أعلى، وصولاً إلى 200 ليرة جديدة وفق تقديره، وهو احتمال لا يمكن اعتباره توقعاً مؤكداً في ظل تقلبات السوق.

ويظل احتواء تراجع الليرة مرهوناً بمعالجة هذه العوامل مجتمعة، عبر ضمان إمدادات الطاقة، وتسهيل التحويلات والمدفوعات الخارجية، وتعزيز شفافية السياسة النقدية، وتنسيق إدارة العجز المالي مع المصرف المركزي، بالتوازي مع دعم الإنتاج والصادرات، فاستقرار سعر الصرف لا يتحقق بمجرد تثبيت السعر الرسمي، بل ببناء قدرة اقتصادية مستدامة على توليد الدولار وتلبية الطلب عليه، واستعادة الثقة بالقنوات المصرفية، وتقليص تعرض السوق للصدمات الخارجية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم