بعد تهديدات “ترامب” بالعقوبات الاقتصادية.. من يقف خلف شريان التجارة الإيرانية؟

ترامب

تدخل الحرب الاقتصادية التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران مرحلة أكثر اتساعاً، بعدما هدد الأربعاء باتخاذ إجراءات غير مسبوقة لعزل الاقتصاد الإيراني، محذراً الدول والجهات التي تواصل دعم طهران اقتصادياً أو تجارياً من تبعات محتملة.

 ولا تستهدف واشنطن بذلك الاقتصاد الإيراني وحده، بل تضع شبكة واسعة من الشركاء التجاريين أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على مصالحها مع طهران وتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية الثانوية.

النفط والمال في مرمى واشنطن

يأتي التصعيد في وقت تحاول فيه إدارة ترامب تشديد الخناق على مصادر تمويل إيران، خصوصاً تجارة النفط والأنظمة المالية التي تساعدها على تجاوز العقوبات.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد استهدفت خلال الأشهر الماضية أكثر من ألف فرد وكيان مرتبطين بإيران، فيما تبحث واشنطن خيارات إضافية تشمل الضغط على المصافي الصينية المستقلة التي تشتري النفط الإيراني، وربما توسيع العقوبات لتطال مؤسسات مالية أكبر.

وفي قلب هذه الشبكة تأتي الصين، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أهم منفذ تجاري واقتصادي لإيران، ولا سيما في سوق النفط، وتشير تقديرات شركة “كبلر” إلى أن الصين اشترت في المتوسط نحو 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني خلال 2025، فيما ذهبت أكثر من 80 بالمئة من شحنات النفط الإيراني إلى السوق الصينية.

 ويتركز جزء كبير من هذه التجارة لدى المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم “تي بوتس”، التي تستفيد من الخصومات الكبيرة على الخام الإيراني الخاضع للعقوبات.

نفط إيراني بواجهات مختلفة

لا تقوم هذه التجارة دائماً عبر القنوات التقليدية، فبحسب مصادر في قطاع التكرير والتجارة نقلت عنها “رويترز”، يجري في بعض الحالات إعادة توصيف النفط الإيراني على أنه منشأه ماليزيا أو إندونيسيا، قبل أن يدخل في شبكة معقدة من الوسطاء، ويتم تسديد قيمته باليوان الصيني، بما يقلل تعرض أطراف العملية للنظام المالي الأميركي.

دفعت هذه الآليات واشنطن إلى زيادة الضغط على المصافي والجهات الصينية المتورطة، إذ فرضت وزارة الخزانة في نيسان/ أبريل عقوبات على مصفاة صينية مستقلة لشرائها النفط الإيراني، وحذرت البنوك الصينية من العقوبات الثانوية إذا سهلت هذه التجارة.

وإذا كانت الصين تمثل شريان النفط الرئيسي لطهران، فإن الإمارات شكلت تاريخياً شرياناً آخر بالغ الأهمية، خصوصاً في مجال الواردات وإعادة التصدير والخدمات المالية.

وتظهر بيانات منظمة التجارة العالمية أن الإمارات وفرت نحو 30.6 بالمئة من واردات إيران في 2024، بقيمة بلغت نحو 21 مليار دولار، فيما استحوذت على نحو 13 بالمئة من صادرات إيران في العام نفسه، كما بلغت التجارة الخارجية غير النفطية بين البلدين 6.6 مليار دولار في 2024، وكانت الغالبية العظمى منها عبارة عن إعادة تصدير.

تحول مفاجئ في العلاقة الإماراتية الإيرانية

لكن العلاقة الإماراتية الإيرانية شهدت تحولاً حاداً هذا الأسبوع، بعدما أعلنت أبوظبي تعليق جميع المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران حتى إشعار آخر، على خلفية تصعيد عسكري وتهديدات صاروخية نسبت إلى طهران، وهو ما يضرب إحدى أهم القنوات التجارية التي اعتمدت عليها إيران للحصول على السلع وإدارة جزء من تعاملاتها المالية.

وتكتسب الخطوة أهمية مضاعفة لأن الإمارات، ولا سيما دبي، لعبت لسنوات دور مركز لإعادة التصدير إلى السوق الإيرانية، فضلاً عن كونها نقطة مهمة في شبكات تمويل وتجارة مرتبطة بإيران.

أما تركيا، فتمثل نموذجاً مختلفاً؛ فهي لا تملك الوزن الصيني في تجارة النفط، لكنها ترتبط بإيران بعلاقة تجارية وطاقة مباشرة يصعب فصلها عن احتياجات السوق التركية.

وتدور التجارة الثنائية حول 5 إلى 6 مليارات دولار سنوياً، مع صادرات تركية إلى إيران تقارب 3 مليارات دولار، فيما تستورد أنقرة الغاز الطبيعي الإيراني، وتوفر إيران نحو 13 بالمئة من إجمالي واردات تركيا من الغاز، الأمر الذي يجعل أي عقوبات تستهدف التجارة بين البلدين ذات تكلفة محتملة على الاقتصاد التركي نفسه.

وتزداد حساسية الموقف التركي بسبب الموقع الجغرافي والعلاقات التجارية الواسعة مع إيران، فضلاً عن حاجة أنقرة إلى الحفاظ على مرونة في سياستها الخارجية، ولذلك لا تظهر حتى الآن مؤشرات على استعداد تركيا لتقليص تجارتها مع طهران، ما يجعلها واحدة من الدول التي قد تواجه ضغوطاً أميركية متزايدة إذا انتقلت واشنطن من استهداف إيران مباشرة إلى معاقبة الأطراف التي تساعدها على استمرار تجارتها.

العراق.. تجارة تتجاوز السلع

في العراق، تصبح المعادلة أكثر تعقيداً، لأن العلاقة الاقتصادية مع إيران لا تقتصر على السلع، وإنما تمتد إلى قطاع الطاقة الذي يرتبط مباشرة باستقرار شبكة الكهرباء العراقية، فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين 10 مليارات دولار في 2025، مدفوعاً بدرجة كبيرة بصادرات السلع الغذائية والاستهلاكية الإيرانية إلى السوق العراقية، إلا أن التجارة تراجعت خلال 2026 بفعل الحرب والمخاطر الأمنية واضطرابات المعابر وارتفاع تكاليف النقل.

وتظل الطاقة هي الحلقة الأكثر حساسية في هذه العلاقة، فالعراق يدفع لإيران ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الطبيعي، الذي يستخدم في توليد الكهرباء.

كانت بغداد قد واجهت بالفعل ضغوطاً أميركية مرتبطة بمدفوعات الطاقة الإيرانية، واضطرت في مراحل سابقة إلى الاعتماد على حسابات مقيدة لتسوية المدفوعات، كما دفعت الضغوط الأميركية العراق إلى البحث عن بدائل للغاز الإيراني، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال من قطر وعُمان وتطوير الإنتاج المحلي.

وتختلف حالة عُمان، التي حافظت تاريخياً على علاقات ودية مع إيران، عن معظم دول المنطقة، فالعلاقة بين مسقط وطهران تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، كما لعبت السلطنة في مناسبات عديدة دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، وعلى المستوى التجاري، بلغ إجمالي تجارة السلع بين البلدين نحو 1.5 مليار دولار في 2025، فيما سجلت نحو 345 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026.

ولا تعني هذه الأرقام أن عُمان تمثل شريكاً تجارياً بحجم الصين أو الإمارات، لكنها تمنح العلاقة أهمية جيوسياسية تفوق قيمتها المالية، خصوصاً في ظل موقع السلطنة عند مدخل مضيق هرمز ودورها في قنوات التواصل بين واشنطن وطهران، ولهذا فإن أي ضغط أميركي على مسقط بسبب علاقتها مع إيران قد تكون له تداعيات تتجاوز التجارة المباشرة إلى ملف الوساطة الإقليمية وإدارة حركة الملاحة في الخليج.

باكستان.. تجارة على الحدود

أما باكستان، فتجد نفسها أمام معادلة أكثر صعوبة بسبب الحدود المشتركة والحاجة إلى استمرار التجارة الحدودية، وكانت إسلام آباد وطهران قد تعهدتا بتوسيع التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن التجارة الفعلية، بما فيها القنوات غير الرسمية، تصل إلى نحو 4 مليارات دولار، وتشمل السلع المتبادلة النفط والقمح والأرز والماشية والأدوية، وهي قطاعات تمس احتياجات أساسية في البلدين.

وفي الهند، تراجعت العلاقة التجارية مع إيران بصورة كبيرة بعد تشديد العقوبات الأميركية، فقد انخفضت التجارة الثنائية من نحو 17 مليار دولار في السنة المالية 2018-2019 إلى حوالي 4.8 مليار دولار في 2019-2020، ثم واصلت الانخفاض لتصل إلى 1.63 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026.

وتمثل الصادرات الهندية، التي بلغت نحو 1.3 مليار دولار، الجزء الأكبر من التجارة، وتشمل الحبوب والشاي والقهوة والتوابل، وتقول نيودلهي إن جزءاً من هذه الصادرات ذو طابع إنساني وينبغي ألا يخضع للعقوبات.

وفي القوقاز، تبدو أرمينيا وأذربيجان شريكين أصغر حجماً، لكنهما مهمان بالنسبة إلى إيران بسبب الجغرافيا والطاقة وحركة التجارة البرية، فقد بلغ حجم التجارة بين أرمينيا وإيران 768 مليون دولار في 2025، بما يمثل 3.6 بالمئة من إجمالي تجارة أرمينيا الخارجية.

 وارتفع حجم التجارة إلى 371.4 مليون دولار في النصف الأول من 2026، بزيادة 8.4 بالمئة على أساس سنوي، كما ترتبط الدولتان باتفاق لتبادل الغاز مقابل الكهرباء، تحصل بموجبه أرمينيا على الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء، ثم ترسل جزءاً من الكهرباء إلى إيران.

هل تنجح واشنطن في خنق طهران؟

أما أذربيجان، فقد ارتفع حجم تجارتها مع إيران بنسبة 4.5 بالمئة خلال النصف الأول من 2026 إلى 312.6 مليون دولار، مقارنة بـ299.1 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025،  وزادت واردات أذربيجان من إيران 1.5بالمئة إلى 297 مليون دولار، بينما قفزت صادراتها إلى إيران 2.4 مرة إلى 15.6 مليون دولار، ورغم أن هذه الأرقام تبدو محدودة مقارنة بالصين أو الإمارات، فإن استمرار نموها وسط الأزمة يعكس أهمية العلاقات الاقتصادية البرية بين إيران وجيرانها.

وبذلك، لا تواجه إيران تهديداً بالعزلة من جانب دولة واحدة، وإنما شبكة كاملة من الشركاء متفاوتي الأهمية والقدرة على تحمل الضغوط الأميركية، الصين تمثل العمود الفقري لصادرات النفط، والإمارات كانت منفذاً رئيسياً للواردات وإعادة التصدير والتمويل قبل قرارها الأخير، وتركيا شريك في الطاقة والتجارة، والعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الإيراني، بينما تمثل عُمان وباكستان والهند وأرمينيا وأذربيجان قنوات إضافية للتجارة والطاقة والنقل.

تكمن خطورة استراتيجية ترامب في أن نجاحها لا يتوقف على خفض التجارة الإيرانية فحسب، وإنما على قدرة واشنطن على إقناع هذه الدول بأن تكلفة التعامل مع طهران أصبحت أعلى من العائد الاقتصادي والسياسي.

وهذا تحديداً ما يجعل الصين الاختبار الأصعب؛ فاستهداف مصافيها أو بنوكها قد يضغط على إيران، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه جبهة اقتصادية جديدة بين واشنطن وبكين، أما الضغط على تركيا والعراق وباكستان وعُمان، فقد يصطدم باحتياجات جغرافية وأمنية وطاقة تجعل فك الارتباط مع إيران أكثر تعقيداً.

لذلك، فإن “الحرب الاقتصادية” التي يلوّح بها ترامب قد لا تكون مجرد جولة جديدة من العقوبات على طهران، بل محاولة لإعادة رسم شبكة التجارة الإيرانية نفسها.

وإذا نجحت واشنطن في إغلاق القنوات الرئيسية، وعلى رأسها النفط والتمويل وإعادة التصدير، فستواجه إيران صعوبة أكبر في الوصول إلى العملات الأجنبية وتمويل وارداتها، أما إذا تمكنت طهران من الحفاظ على قنواتها مع الصين وجيرانها، فقد تتحول العقوبات الجديدة إلى معركة طويلة ومكلفة، لا تؤدي بالضرورة إلى العزلة التي تريدها واشنطن.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم