تفتح التعديلات الجديدة على التعريفة الجمركية في سوريا نقاشاً يتجاوز خفض الرسوم على المعدات والتجهيزات المستوردة إلى طبيعة صناعة القرار الاقتصادي، ودور مجلس الشعب في مناقشة السياسات التي تؤثر في إيرادات الدولة والمنتجين المحليين والمستهلكين، ولا سيما أن المرسوم الرئاسي الجديد صدر في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إعادة تأهيل البنية التحتية وتحفيز الاستثمار واستعادة النشاط الإنتاجي.
وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، الاثنين، المرسوم رقم 188 لعام 2026، متضمناً تعديلات على بعض بنود جدول التعريفة الجمركية المعتمد بالمرسوم رقم 110 لعام 2026، من حيث توصيف السلع وترميزها ومعدلات الرسوم والشروط التطبيقية.
تخفيضات لدعم الكهرباء والطاقة المتجددة
شملت التعديلات معدات وتجهيزات كهربائية ومولدات ومحولات وكابلات وأجهزة تحكم، إلى جانب مستلزمات مرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة، مع تخفيضات تصل إلى 91 بالمئة لبعض الأصناف، وفق البيانات الواردة في الجداول المرفقة بالمرسوم.

وتأتي الخطوة وفق ما أعلن في إطار مساعي إعادة تأهيل قطاع الكهرباء وتخفيف كلفة استيراد المعدات اللازمة لتطوير البنية التحتية وتوسيع مشروعات الطاقة، بعد سنوات من نقص الإمدادات والانقطاعات المتكررة.
وقال مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، إن التعديلات تستهدف أيضاً تخفيض الرسوم على بعض التجهيزات الطبية وأجزاء الآلات الصناعية، مؤكداً أن التخفيضات تخص أصنافاً محددة ولا تشمل جميع البضائع، وأن بعض البنود تخضع لشروط تطبيقية لضمان استخدامها في الأغراض المخصصة لها، بما يوازن بين تيسير الاستيراد وحماية المنتج الوطني.
تساؤلات حول دور مجلس الشعب
لكن صدور التعديلات بمرسوم رئاسي، رغم وجود مجلس الشعب، أثار تساؤلات بشأن دور السلطة التشريعية في مناقشة القرارات الاقتصادية ذات الأثر المالي والإنتاجي.
ويقول الباحث الاقتصادي محمد علبي إن قانون الجمارك صدر سابقاً بمرسوم، بحجة عدم وجود مجلس للشعب آنذاك، لكن إعادة تعديل التعريفة بالطريقة نفسها تطرح سؤالاً مشروعاً: “ما وظيفة مجلس الشعب إذا كانت القرارات الاقتصادية الأساسية تُتخذ من دون إحالتها إليه لمناقشتها وممارسة دوره الرقابي؟”.
ويضيف خلال منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن إحالة هذه التعديلات إلى المجلس لا ينبغي أن تكون عبئاً على السلطة التنفيذية، بل فرصة لاختبار مبرراتها أمام ممثلي المواطنين، وتعزيز الشفافية والمساءلة بشأن آثارها المحتملة.
كما يؤكد أن القرارات المتعلقة برفع الرسوم الجمركية أو خفضها أو إعفاء بعض السلع منها لا يمكن أن تستند إلى تقديرات عامة أو اعتبارات إدارية منفصلة عن واقع الاقتصاد، بل يجب أن تسبقها دراسات قطاعية واضحة تحدد أوضاع الصناعات المحلية وقدرتها التنافسية، وتقدّر انعكاس التعديلات على الخزينة العامة والإنتاج والتشغيل والأسعار.
مخاوف على الصناعة والإنتاج المحلي
تساءل علبي عن الأسس التي استندت إليها التعريفة الأصلية، والتغييرات التي طرأت على المعطيات الاقتصادية حتى بات تعديلها ضرورياً، فضلاً عن مدى مشاركة الجهات الفنية والاقتصادية المعنية في إعداد هذه القرارات.
ويحذر الباحث من أن خفض الرسوم على السلع المستوردة التي تنافس منتجات تُصنّع محلياً قد يمنح المستوردين والمنتجين الأجانب ميزة إضافية، في وقت تواجه فيه المنشآت السورية ارتفاع تكاليف الطاقة والتشغيل، وصعوبة الحصول على التمويل، ونقص السيولة اللازمة لاستمرار الإنتاج.
وقد يؤدي ذلك، بحسب تقديره، إلى تراجع مبيعات المصانع المحلية، وإغلاق بعض المنشآت، وتسريح العمال، وتقليص المساحات الزراعية المستثمرة، فضلاً عن زيادة الطلب على القطع الأجنبي لتمويل الواردات.
وفي المقابل، يوضح أن اعتراضه لا يشمل خفض الرسوم على الآلات والمعدات ومدخلات الإنتاج الضرورية، إذ يمكن لهذه الخطوة أن تخفف الأعباء عن المنتجين وتدعم قدرتهم على التوسع، شرط أن تأتي ضمن سياسة صناعية متكاملة.
هل تصل التخفيضات إلى المستهلك؟
يضيف علبي أن خفض الرسوم الجمركية لا يضمن بالضرورة انخفاض الأسعار في الأسواق، ما لم ترافقه آليات رقابة تضمن انتقال أثر التخفيض إلى المستهلك، بدلاً من تحوّله إلى هوامش ربح إضافية للمستوردين.
كما يطرح تساؤلات بشأن حجم الإيرادات التي قد تفقدها الخزينة العامة، والبدائل المتاحة لتعويضها، في ظل احتياجات الإنفاق الحكومي ومتطلبات تمويل الخدمات العامة، محذراً من أن تتحمل الأسر أعباء هذه القرارات بصورة غير مباشرة.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية في ضوء الإعلان الدستوري السوري، الذي ينص في المادة 30 على اختصاص مجلس الشعب باقتراح القوانين وإقرارها وتعديلها أو إلغائها، وإقرار الموازنة العامة، وعقد جلسات استماع للوزراء.
غير أن تحديد مدى وجوب إحالة تعديل التعريفة الجمركية إلى المجلس يتطلب النظر في النصوص القانونية المنظمة لصلاحيات إصدار المراسيم وتعديل الرسوم، ولا يكفي صدور المرسوم وحده للجزم بوجود مخالفة قانونية.
من يتحمل كلفة القرارات الاقتصادية؟
يختم علبي بالتشكيك في اتساق التوجهات الاقتصادية للحكومة، قائلاً إن التوسع في الإنفاق، بالتزامن مع الضغط على المنتج المحلي وتسهيل منافسة الواردات، قد يفضي إلى خسارة مزدوجة تطال الإيرادات العامة وفرص العمل والقدرات الإنتاجية.
- تعديل الجمارك في سوريا بمرسوم رئاسي.. أين دور مجلس الشعب؟
- السلاح المنفلت يحوّل خلافات عائلية إلى مواجهات في حلب ودير الزور
- أزمة المازوت تضرب 4 محافظات سورية.. هل تكفي إمدادات “بانياس” لإنهاء الأزمة؟
- بريطانيا تتهم “الحرس الثوري الإيراني” بالتخطيط لاستهداف قاعدة فيرفورد الجوية
- “حزب الله” متهم.. شحنة متفجرات تختبر تعهدات الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة

