تزامنت إقالة يوسف قبلاوي من رئاسة الشركة السورية للبترول مع تصاعد تداعيات أزمة البنزين غير المطابق للمواصفات، التي ألحقت أضراراً بمركبات مواطنين وأعادت فتح ملف الرقابة والمساءلة داخل قطاع المحروقات.
لكن السؤال الذي يتجاوز التغيير الإداري هو ما إذا كانت الأزمة السبب الحاسم في إنهاء مهامه، أم أنها عجّلت بحسم خلافات إدارية وصراعات نفوذ كانت تتصاعد داخل المؤسسة.
هل أطاح البنزين المغشوش بقبلاوي؟
أمس الأحد، أصدر الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 190، القاضي بتعيين المهندس ماهر خليل الحسن رئيساً تنفيذياً للشركة خلفاً لقبلاوي، بعد أيام من إعلان الأخير تقديم استقالته، وسط مطالبات شعبية وبرلمانية بمحاسبة المسؤولين عن أزمة الوقود.
وأفادت تقارير إعلامية، نقلاً عن مصادر حكومية، بأن تداعيات الأزمة كانت عاملاً أساسياً في قرار التغيير، فيما لم يتضمن المرسوم الرئاسي المنشور تفصيلاً للأسباب التي استند إليها إنهاء المهام.

وكانت وزارة الطاقة السورية قد أعلنت، الأسبوع الماضي، نتائج التحقيق الفني في القضية، موضحة أن شحنة بنزين مخالفة للمواصفات القياسية والفنية فُرّغت في مستودعات الشركة السورية للبترول، قبل أن تقرر المؤسسة إعادتها إلى مصدرها لعدم صلاحيتها للاستهلاك المحلي، لكن خطأً تشغيلياً وقع أثناء نقل الشحنة عبر شبكة الأنابيب، أدى إلى اختلاطها ببنزين مطابق للمواصفات ووصول جزء من الخليط إلى الأسواق، ما تسبب بأضرار في مركبات عدد من المواطنين.
وأعلنت الوزارة اتخاذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، كل بحسب مسؤوليته، وتكليف الشركة بوضع آلية لتعويض المتضررين على مراحل، إلى جانب مراجعة أوجه القصور في إجراءات التشغيل والرقابة.
غير أن إعلان نتائج التحقيق لم ينهِ الجدل، بل نقل النقاش إلى مستوى أوسع يتعلق بكيفية السماح بحدوث الخلل، ومدى كفاءة إجراءات استلام الوقود وفحصه وتخزينه وإعادة شحنه، والجهات التي تتحمل المسؤولية الإدارية والفنية عنه.
أزمة تتجاوز أضرار المركبات
تكتسب الأزمة أهمية اقتصادية تتجاوز الأضرار المباشرة التي لحقت بأصحاب المركبات، نظراً إلى اعتماد قطاعات النقل والإنتاج والخدمات على توافر المشتقات النفطية ومطابقتها للمواصفات، فالأعطال الناجمة عن الوقود الملوث تفرض أعباء إضافية على الأسر وأصحاب الأعمال، من تكاليف الإصلاح واستبدال القطع إلى تعطل المركبات وخسارة أيام العمل، فيما يؤدي ضعف الثقة بجودة الإمدادات الرسمية إلى زيادة الضغوط على مؤسسة تتولى إدارة مورد حيوي للاقتصاد.
لم تكن أزمة البنزين أولى محطات الجدل المحيطة بقبلاوي، فقد واجه انتقادات واسعة بسبب تصريحاته العلنية، ولا سيما حديثه عن رواتب موظفي الشركة التي قال إنها تتراوح بين 4 آلاف و10 آلاف دولار شهرياً، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر السورية تراجعاً حاداً في قدرتها الشرائية.
كما أثار غضباً بعد وصف منتقدي عقود النفط على منصات التواصل الاجتماعي بأنهم “يسيرون وراء فيسبوك كالقطيع”، قبل أن يعتذر عن التصريح عقب موجة انتقادات ومطالبات بإقالته.
صراع النفوذ.. رواية أخرى للإقالة
في هذا السياق، يطرح الباحث الاقتصادي محمد علبي قراءة مختلفة للخلافات التي أحاطت بقبلاوي، إذ يرى أن التغيير لا يمكن فهمه بمعزل عن صراعات النفوذ داخل المؤسسات العامة.
وقال علبي، في منشور عبر منصة “فيسبوك”، إن قبلاوي دخل منذ البداية في صراع مع شخصيات نافذة داخل الهيئة، أولاً بسبب عدم انتمائه إليها، ثم على خلفية إدارة مرفأ بانياس؛ إذ تمسك، بحسب روايته، ببقاء المرفأ تحت إدارة الشركة السورية للبترول، فيما أراد مدير الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية، قتيبة بدوي إخضاعه لجهة أخرى، مضيفاً أن سيارة قبلاوي تعرضت لاحقاً لإطلاق نار وصفه بالتحذيري في منطقة المزة.
وبحسب علبي، تصاعدت الضغوط على قبلاوي داخل مجلس إدارة الشركة، مع استقالة جماعية لأعضاء قال إنهم محسوبون على الهيئة، بينهم نائبا وزيري الاقتصاد والمالية، إلى جانب قتيبة بدوي، ما أدى إلى تعطيل عمل المجلس.
واعتبر أن أسلوب قبلاوي الصدامي ساهم في إضعاف موقفه وتقليص دائرة الداعمين له، لكنه شدد على أن ذلك لا يعفيه من المسؤولية عن الأخطاء والقرارات والمخالفات التي أشار إليها.
ورأى الباحث أن ما شهدته المؤسسات العامة مؤخراً لا يرتبط بالضرورة بمطالب المحتجين، بل يعكس، وفق تقديره، تنافساً على النفوذ والموارد في ظل اتساع شبكات المصالح وشح الموارد، منتقداً غياب التفسيرات الرسمية الواضحة لأسباب تغيير المسؤولين، متسائلاً عما إذا كانت الإقالات تستند إلى إخفاقات محددة أو مخالفات تستوجب التحقيق، أم أنها نتيجة صراعات داخلية.
- من البنزين المغشوش إلى صراع النفوذ.. لماذا أُقيل رئيس “السورية للبترول”؟
- اتحاد الصحفيين العرب يطلق “إعلان دمشق” لحرية الصحافة والتضامن الإعلامي
- ما هو صندوق “ستارت” لإعمار سوريا؟ وما انعكاساته الاقتصادية المتوقعة؟
- مع تعثر المفاوضات.. هل تشن إسرائيل هجوماً منفرداً على إيران وأذرعها بدعم أميركي؟
- من مصر إلى الخليج.. تصريحات السيسي بشأن السعودية تشعل تفاعل الفنانين

