نشرت الصحفية والمخرجة الأميركية ليندسي سنيل للمرة الأولى مقابلة مصورة أجرتها في تموز/يوليو 2016 مع محمد القناطري، القائم بالأعمال السوري في واشنطن حالياً، قبل أيام من اختطافها في ريف حلب، مؤكدة أن الرجل الذي كان يتحدث باسم “جبهة النصرة” آنذاك هو نفسه الذي يشغل اليوم منصب أعلى ممثل دبلوماسي لسوريا في الولايات المتحدة.
واتهمت سنيل القناطري بأنه كان أحد عناصر الجبهة الذين شاركوا في احتجازها، مستندة إلى معرفتها السابقة به وإلى ظهوره المتكرر خلال الأيام الأولى من أسرها، فيما لم يصدر أي تعليق من قناطري أو وزارة الخارجية السورية على هذه الاتهامات حتى الآن.
القناطري داخل جبهة النصرة
في الفيديو الذي نشرته عبر حسابها على موقع (إكس)، قالت سنيل إنها التقت القناطري خلال مهمة صحفية في ريف حلب، بعدما رافقها إلى عدد من المواقع التي كانت تنوي توثيقها، بينها مستشفيات ومواقع عسكرية، وأكد لها أن وجودها في المنطقة لن يواجه أي مشكلات مع جبهة النصرة. وأضافت أنها طلبت إجراء مقابلة معه فوافق بشرط تغطية وجهه، مشيرة إلى أنها تعرفت إليه لاحقاً من عينيه وصوته وطريقة حديثه، رغم إخفاء ملامحه. وأوضحت أنها اختصرت بعض التوقفات والتلعثم في التسجيل لتقليل مدته دون تغيير مضمونه.
وخلال المقابلة، قدم القناطري نفسه بوصفه أحد عناصر جبهة النصرة، ودافع عن مشروعها السياسي، قائلاً إن هدف الجماعة هو “إقامة دولة إسلامية في سوريا” تحكمها الشريعة الإسلامية، معتبراً أن هذا الهدف هو ما يميزها.
كما وصف القناطري الفصائل السورية التي تلقت دعماً أميركياً بأنها “غبية”، مدعياً أن الولايات المتحدة تسعى إلى السيطرة على سوريا وفرض دولة علمانية، وبرر العمليات الانتحارية التي تنفذها الجبهة، رافضاً وصفها بالانتحارية، ومعتبراً أنها “عمليات تضحية”، كما نفى أن تؤدي إلى مقتل مدنيين، وهو ما علقت عليه سنيل في الفيديو بالقول إن هذا الادعاء يناقض الوقائع الموثقة. وأضاف قناطري أن سبب انضمامه إلى جبهة النصرة يعود إلى وضوح هدفها المتمثل في إقامة دولة إسلامية، معتبراً أن هذا المشروع هو ما جعلها “مميزة” مقارنة بالفصائل الأخرى.
وبحسب سنيل، انتقل قناطري خلال السنوات اللاحقة من جبهة النصرة إلى إدارة الشؤون السياسية في هيئة تحرير الشام، ثم إلى مؤسسات حكومة الإنقاذ، قبل أن يتولى مناصب في وزارة الخارجية السورية ويُعيّن مطلع عام 2026 قائماً بالأعمال في السفارة السورية بواشنطن، ليصبح أول دبلوماسي سوري مقيم في الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد.
من المقابلة إلى الاحتجاز

وأعادت سنيل في الفيديو سرد ظروف اختطافها، موضحة أنها دخلت شمال سوريا في تموز/يوليو 2016 لتغطية الغارات الجوية على ريفي حلب وإدلب، بعدما حصل مرافِقوها من فصيل “ثوار الشام” على موافقة مسبقة من جبهة النصرة لدخول المنطقة. وقالت إن قناطري أكد لها شخصياً أن وجودها لن يثير أي مشكلة، وكان يرافقها أثناء التصوير، قبل أن تجري معه المقابلة المصورة.
إلا أن الوضع تغير بعد أيام قليلة، عندما اعتقلت جبهة النصرة المرافق الصحفي الذي كان يعمل معها، ثم بدأت البحث عنها قبل أن تقتادها إلى الاحتجاز بتهمة العمل لصالح الحكومة الأميركية أو أجهزة الاستخبارات الأميركية. وقالت سنيل إنها شاهدت قناطري عدة مرات خلال الأيام الأولى من احتجازها، مضيفة أن آخر ما قاله لها كان إبلاغها بأن عناصر الجبهة قرروا نقلها من الغرفة التي كانت محتجزة فيها إلى زنزانة في القبو، قبل أن تُنقل لاحقاً إلى سجن آخر.

وبحسب الرواية التي نشرتها سنيل سابقاً في صحيفة الغارديان ومجلة فورين بوليسي، خضعت بعد اختطافها لتحقيقات مطولة تناولت عملها الصحفي ودينها وعلاقاتها داخل سوريا، بعدما اتهمها عناصر جبهة النصرة بالعمل لصالح الحكومة الأميركية أو أجهزة الاستخبارات الأميركية بسبب جنسيتها وسفرها المتكرر إلى البلاد. وقالت إن عدداً من الأشخاص الذين حققوا معها لم يكونوا سوريين، بل من جنسيات أجنبية، بينهم عراقي وتونسي وألماني، قبل أن تُنقل من منزل معزول إلى سجن وصفته بأنه يشبه الكهف، حيث أمضت فترة في الحبس الانفرادي، معتقدة في الأيام الأولى أنها قد تبقى أسيرة لسنوات أو أنها لن تخرج حية.
رحلة الهروب

وتمكنت سنيل لاحقاً من الفرار بعد كسب ثقة نساء كن يقمن مع عائلات عناصر الجبهة، ورتبت بمساعدة شخص مرتبط بفصيل “أحرار الشام” عملية هروب أوصلتها إلى مناطق قريبة من الحدود التركية، إلا أن السلطات التركية اعتقلتها بعد عبورها الحدود، وأمضت 67 يوماً في السجون التركية، بينها 17 يوماً في الحبس الانفرادي، قبل ترحيلها إلى الولايات المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2016 بحسب وسائل إعلام أمريكية، في قضية أثارت آنذاك انتقادات منظمات معنية بحرية الصحافة.
ويعيد الفيديو الذي نشرته سنيل فتح النقاش حول انتقال شخصيات ارتبطت سابقاً بتنظيمات مصنفة إرهابية، وفي مقدمتها جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، إلى مواقع رسمية ودبلوماسية في مؤسسات الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع. كما يثير تساؤلات جدية حول آليات التدقيق التي تعتمدها السلطات السورية في تعيين ممثليها الدبلوماسيين، وحول مدى استعدادها للتعامل بشفافية مع ماضي بعض مسؤوليها عندما تحيط بهم اتهامات أو شهادات تتعلق بانتهاكات جسيمة خلال سنوات الحرب.
ولم تصدر الحكومة السورية أو وزارة الخارجية أو القائم بالأعمال محمد القناطري أي رد على الاتهامات التي وجهتها سنيل بعد، وهو صمت من شأنه أن يعمق الشكوك بدلاً من تبديدها، ويعزز المطالبات بتوضيحات رسمية وتحقيق مستقل في المزاعم، ولا سيما أنها تستهدف أحد أبرز ممثلي سوريا الدبلوماسيين في الولايات المتحدة.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

