رامز أنطاكي
منذ بدأت الاشتباكات في مدينة حلب بين قوات النظام والقوات المعارضة انعكس هذا التطور الأمني على البنى التحتية في المدينة، خاصة في ذاك القسم الذي بات مع الوقت تحت سيطرة المعارضة، فمن قطاع الاتصالات الخلوية إلى قطاع المياه والكهرباء مروراً بمشكلة القطاع الطبي دون أن ننسى أزمة الوقود بأنواعها.
مع استمرار تضرر هذه القطاعات الأساسية بدأت شيئاً فشيئاً الحلول الممكنة بالتوفر قدر الإمكان لتلبية طلب المواطنين، فعلى صعيد الكهرباء ظهرت البطاريات القابلة للشحن، وأنواع مختلفة من أجهزة الشحن والإضاءة وأيضاً المولدات الكهربائية المنزلية الصغيرة، ثم بدأت المولدات الكبيرة نسبياً بالتوفر لتستهدف خدمة عدد أكبر من المستفيدين فيما عرف بـ “الأمبيرات”.
تعتمد هذه الخدمة المدفوعة على أن يأتي أحدهم بمولد كهربائي كبير ويقوم بتأمين تشغيله وتوفير الوقود له والصيانة، ومد الكابلات اللازمة لرفد كل مشترك بالتيار الكهربائي تناسب حاجته وقدرته المادية، وقد ظهرت هذه الخدمة أولاً في المناطق “المحررة” المسيطر عليها من قبل المعارضة، لتنتقل مؤخراً إلى المناطق الأخرى في الجانب الآخر من مدينة حلب التي بقيت تحت سيطرة قوات النظام.
توفر هذه المولدات في المناطق “المحررة” حالياً التيار الكهربائي لعدد محدد من الساعات يومياً، تقارب الست ساعات، مقابل حوالي 450 ل.س. (دولارين ونص تقريباً) أسبوعياً لقاء الأمبير الواحد، وفي بعض الحالات تمدد فترات التزويد بالكهرباء حتى موعد السحور خلال شهر رمضان. ويقول حسن أحد المستفيدين من هذه “الأمبيرات”: “أدفع أكثر من 10000 ل.س. شهرياً لقاء 5 أمبيرات، وهذه الكلفة الإضافية ترهقني لكنها ضرورية فنحن نريد أن نحافظ على حد أدنى من الحياة الكريمة ضمن هذه الظروف”، ويعتبر حسن أن الطلب على هذه الخدمة يكثر في الصيف بسبب الحر وأيضاً بسبب سرعة فساد الأطعمة والمواد الغذائية دون تبريد، ولا ينسى ذكر تعلقه بمتابعة مباريات المونديال بين أسباب اشتراكه في هذه الخدمة، بينما يرى جاره أبو محمد أن “الأمبيرات” تبقى حلاً أفضل من المولدة المنزلية الخاصة التي تكون أكثر كلفة، إضافة إلى الضجيج الصادر عن المولدة، ويقول: “يكفي أنني ارتحت من هم الأعطال والصيانة”.
من يرغب في الاشتراك للاستفادة من خدمة “الأمبيرات” يقوم بدفع كلفة تمديد الكابل الواصل بين المولدة ومنزله أو محله، ويقوم صاحب المولدة بتركيب قاطع تفاضلي يقوم بقطع التيار تلقائياً عن المشترك حين يتجاوز استهلاكه عدد الأمبيرات الذي قام بالاشتراك فيه.
في المناطق المسيطر عليها من قبل قوات النظام يرى بدر أن المواطنين هناك صبروا على انقطاع الكهرباء طويلاً، لكن الأمر برأيه لم يعد محتملاً: “لقد خسرنا كل مؤننا المحفوظة في البرادات، وعانينا من الحر الشديد، كما أن عيوننا تعبت من الظلام فنحن لم نعتد على النوم مع غياب الشمس كما عاش أجدادنا”، ولا يخفي بدر سروره بتوفر هذه المولدات الكبيرة التي اراحت الناس من بعض الهموم، في الوقت الذي تبدي منال بعض الملاحظات حول هذه الخدمة: “باتت سماء أحيائنا مغطاة بشباك بشعة وعشوائية من الكابلات، والمولدات غير المزودة بكاتمات صوت بات ضجيجها جزء من حياتنا بالإضافة إلى التلوث الذي تطلقه في الهواء الذي نتنفسه”، وتستشهد أيضاً بحوادث حريق متكررة سببها ماس كهربائي سببه التمديدات العشوائية. من جهة أخرى تستغرب منال أن لا أحد من مالكي هذه المولدات ينتمي إلى المنطقة التي يبيع فيها “أمبيرات” مولدته، وتشير إلى أن أصحاب هذه المولدات لا بد أنهم يمتلكون نفوذاً ما وصلة بأصحاب القرار كي يتمكنوا من ممارسة نشاطهم هذا دون رقابة.
مواطن آخر في المنطقة عينها رفض الكشف عن اسمه يشير إلى أن عملية حسابية بسيطة تظهر مدى الربح الفاحش المحصل من قبل أصحاب المولدات على حساب المواطنين، فبرأيه أن خمس أو ست أشهر من تشغيل المولدة يكفي صاحبها لاسترداد كامل كلفتها بما في ذلك كلفة الصيانة والوقود، ولا يخفي هذا المواطن شكوكه حول إمكانية تواطئ المسؤولين الرسميين عن قطاع الكهرباء في حلب مع أصحاب المولدات قائلاً: “ما السر إذن خلف توفر الكهرباء لساعات طويلة في مناطق واسعة من حلب أثناء أداء بشار الأسد القسم والخطاب الذي تلاه على خلاف العادة؟ وما السر أيضاً وراء قطع كهرباء الدولة، النادرة أصلاً، طول ساعات خدمة المولدات”، لا تفسير لذلك لدى هذا المواطن سوى أن المسؤولين عن القطاع الكهربائي مستفيدين مادياً من انقطاعه عن طريق أصحاب المولدات.
كيفورك مواطن حلبي يقيم في منطقة السليمانية، لديه خبرة واسعة في صيانة وتشغل هذا النوع من المولدات بحكم عمله السابق، وبعض أن عرض خدماته على صاحب المولدة الموجودة في منطقته استفاد من كلفة مخفضة للاشتراك الكهربائي الواصل إلى منزله، يتحدث كيفورك عن هذه المولدات: “أغلب المولدات المتوفرة تترواح استطاعتها بين 50 إلى 300 ك ف أ، أي ما بين 150 إلى 900 أمبير، وهي كلها مولدات مستعملة، بعضها مجدد، من نوع بيركنز وليستر وفولفو غالب الأمر”.
يقول كيفورك أن الكابلات الخارجة من المولدة تتفرع إلى علب، توزيع كل واحدة منها مسؤولة عن تغذية عدة مشتركين، وتحتوي العلبة على مجموعة قواطع تفاضلية يتناسب كل واحد منها مع سعة اشتراك المواطن، الذي يقوم عادة في حال فصل الكهرباء عنه تلقائياً بسبب الاستجرار الزائد، بالاتصال بالمسؤول عن تشغيل المولدة ليعيد تشغيل القاطع بعد أن يقوم المشترك بتخفيف استجراره للتيار.
تبدو كلفة “الأمبيرات” في مناطق حلب الشرقية أرخص من تلك في المناطق الغربية إذ إن كلفة الأمبير الواحد أسبوعياً في المناطق الأخيرة تتراوح بين 500 و700 ل.س. وتوفر المولدات الذي يخضع لحجم الطلب يبدو واسعاً في أغلب المناطق، ويفسر بعض أصحاب المولدات سبب ارتفاع أسعارهم بأن أصحاب المولدات في المقلب الآخر من المدينة قاموا بسرقة المولدات التي يشغلونها من المعامل الصناعية التي نهبت من مدينة الشيخ نجار الصناعية، ولذا فإنهم يستثمرون مولدات منخفضة أو معدومة الكلفة بعكسهم، مما ينعكس على الأسعار.
مهما كان أمر هذه المولدات وأصحابها، لا يملك سكان مدينة حلب بشطريها بديلاً فعالاً في مواجهة الانقطاع الطويل جداً للتيار الكهربائي الذي يشل حياتهم ونشاطهم، ولا يبدو أنهم سيحجمون عن الاشتراك في خدمة “الأمبيرات” هذه، إلا حين توفر بديل حقيقي ومستقر.

