بغداد 35°C
دمشق 25°C
الإثنين 14 يونيو 2021
النخبوي السوري فقيهاً... - الحل نت

النخبوي السوري فقيهاً…


10834036_753066854762824_444791781_n

علي ديوب ـ الحياة

لم يستطع أيٌ من تشكيلات النخبة السورية، بكل تنويعاتها (الحداثية)، بناء سلطة موازية للسلطة الحاكمة، أو مستقلة عنها، طوال العقود التي أعقبت الاستقلال. وربما لم يسعَ أي منها جدياً إلى ذلك، فانتهت جميعها إلى مصيدة الديكتاتور. بل بدت جزءاً عضوياً من آلة نظامه الشمولي، أو سكتت عن قبضه على كافة مكونات المجتمع، وإلحاقها به.

وإذا قصرنا القول على المثقف، قومياً يسارياً أو إسلامياً، وتفحّصنا آليات اشتغاله، وجدنا أنه استخدم أدوات النظام الفكرية ذاتها، من وثوقية، وصراطية، وعصمة الخ…، فكان يمثّل نظاماً النظام الشمولي في الثقافة. وهذا يفسّر يُسْرَ تحوله إلى فقيه، من دون تغيّر يمس جوهره، فيمسّ قدسية نسقه الذهني، أو يزيل خطر الاقتراب من حدوده، أو يضعضع أسواره، اللهم إلا على عناصر النظام.

بدوره فالمثقف الشعبوي لم يؤسس ما يؤهله حتى لاحترام الشعب ذاته، فيما كان على الدوام يحصد الاحتقار على يد النظام. وتتسم ثقافة الاعتراض (الذهنية) لديه بالانتظارية، أو الاضطراديّة، فلا ينبس بكلمة إلا لتنخية الجموع، والتغني الصوفي بالشعب. فيعيش عمره آمناً، مؤمناً ومطمئنا، لا يفطن حتى الى أنه مثقف معني باجتراح الجديد، وإن عاد عليه بتكفير الكهنوت، ونفور الجماهير.

هذا لا يعني أن سورية خلت تماماً من مثقفين مستقلين أحراراً. أبداً. فمثل هؤلاء كانوا موجودين على الدوام، لكن لا شك بأن أثرهم بقي برّانياً، وتأثيرهم فردياً. فهم لم يسعوا إلى تشكيل سلطتهم الموازية للسلطة الغاشمة. ولعل عنوان ديوان ممدوح عدوان «يألفونك فانفر»، المهدى إلى علي الجندي، يترجم هذا المعنى تماماً. أي مقاومة الشاعر لمحاولات الترويض السياسية أو الاجتماعية.

الآن، جلّ فقهاء الثورة السورية من النخبة التي تلقت تعليمها الحديث (العلماني)، في مدارس النظام، أو كليات وجامعات الغرب. فمنهم من يستخدم السيف، اليوم، إلى جانب أحدث الأسلحة المنتجة في بلدان الكفر. ويسعمل اللغة الانكليزية، وهو يذبح أميركياً أو إنكليزياً، ذبحاً حلالاً. ومنهم من يحكّم النص الفقهي في جلد الناس، أو رجمهم، أو قطع رؤوسهم، لجريمة زنا بين عاشقين (لم يحللها فقيه)، أو ارتكاب فعل التدخين، أو العمل بغير صحيح الدين!

بعد الثورة، ظهرت البلاد، فجأة، كما لو انها غير بلاد. هل لأننا لم نكن تدرّبنا على شجاعة النظر والتبصر، في حقيقة أحوالنا؟ أم لأن ما حلّ بنا من مستجدات الزمان على مجتمعنا؟ أم اننا ندفع متأخرين فاتورة أجّلناها، فراكمت أمامنا العقبات، ورفعت حجم المستحقات. والفاتورة التي أعنيها هي التي نجمت عن الصدمة الحضارية، مع العلمانية الرشديّة (بمعنى إباحة التفكير الفلسفي للعامة)، التي انتزعت احتكار النص من رجال الكهنوت (مالكي مفاتيح المعرفة)، واستتبعت نزع القداسة عنه. وهي فاتورة دفعها الغرب، في حينه، بشجاعة، سبق أن تفاديناها نحن، عبر تقديم الفكر الرشدي قرباناً للمقدس ذاته؟

هذا التسونامي، غير المسبوق، أشاع قناعة مفاجئة بأن التعايش الاجتماعي السلمي، واستمرار التنوع في بلدنا، كانا بفعل استقرار نظام حديدي شمولي، وليس بفضل استمرار تقاليد عريقة في هذا الشرق، مهما اختلفنا حول تفسيراتها. والصادم أن النخبة القابضة اليوم على الواقع تتسبب في تبديد هذه التقاليد التي تعود إلى ما قبل الإسلام!

يبدو الحال، كما لو ان الاسلام ينجز نقلته الثانية، بعد أربعة عشر قرناً ونيف، من قطع الطريق على ولادة سلطة عدالة وتكافل محلية (حلف الفضول/ نخبة من قبائل متعددة)، لا تقوم على تصدير عقيدتها، وتتبنى خدمة الجماعة، بإقامة العدل، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، بلا مقابل، وفرض بديلٍ ( دستور المدينة- العام الأول للهجرة)، يجند المجتمع للدفاع عن الدولة الجديدة، مقابل حقهم في الحياة، فقط.

ما يميّز الاسلاميين أنهم لا يعتبرون من دروس التاريخ، ذلك أن مرجعهم يقبع فوقه ويفعل كل شيء لغاية تخصّه. وحين يتسببون في فناء أجيال من الأبرياء، فهذه مشيئته، عدا أنهم مكلَّفون بتنفيذ أوامره. وهنا تتقاطع تطلعات المثقف العلماني مع إيمان الفقيه، للفوز بإحدى الدارين.


التعليقات