الكُرد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، أبطال أم أدوات؟

كوباني

محمد رشو
استراتيجية أوباما المؤسِّسة للتحالف الدولي كانت واضحة وصريحة (إضعاف تنظيم الدولة الإسلاميّة والقضاء عليه)، كما أنها كانت أكثر وضوحاً من ناحية عدم التورط بريّاً والاقتصار على الدعم اللوجستي والقصف الجوي، وبما أنّه لا يمكن أبداً حسم أي معركة عن طريق الجو، خاصةً عندما تكون بمواجهة تنظيم قوي واسع الامتداد الجغرافي ويمتلك حاضنة شعبية لا بأس بها كالدولة الإسلاميّة، بالتالي كان لا بد من استخدام قوات برية تستكمل العمل الجوي، فالقوات العراقية كانت مهزومة ولا يُعتمَد عليها وبحاجة إلى إعادة هيكلة وتأهيل كاملة، أمّا المعارضة السوريّة فهناك شكوك حول “اعتدالها” من جهة، بالإضافة إلى أنّها تحتاج إلى فترة تدريب غير متاحة، وتركيا اشترطت استهداف النظام السوريَ حتّى تُدخل قواتها، الأمر غير الموجود في حسابات دول التحالف الدولي في ظل انعدام البديل والاختلاف على مصير النظام. هنا برز دور الكُرد كقوة وحيدة بين كل قوى المنطقة تتصف بـ”الاعتدال” الذي يُعتبر الشرط الرئيسي الأمريكي للدعم والتدريب، وما زاد من تورّط الكُرد في هذه المعركة هو التهديد المباشر لهم باحتلال الدولة الإسلاميّة لسنجار ووصولها إلى بعد /20/ كم جنوب أربيل، ولاحقاً هجومها على كوباني (عين العرب).

بالمقابل لم يتوانَ الكُرد عن الدخول في هذه المعركة، فبالإضافة إلى التهديد المباشر الذي شكّلته الدولة الإسلاميّة لمدنهم وقراهم، وضرورة التحرّك في ظل تقهقر القوات العراقية وانسحاباتها المتتالية بوجه التنظيم، كانت هناك عقدة الشرعيّة الدوليّة والطموح القوميّ، حيث أن دخول قوات البيشمركة التابعة لإقليم كُردستان العراق ضمن قوات التحالف سيزيد من الاعتراف بالإقليم الكُردي في المحافل الدوليّة، وسيُرضي الحليف الأمريكي، وسيرفع سقف المطالب الكُردية إلى حد الاستقلال.
أما في سوريا فتدخّل قوات حماية الشعب الكُردية سيحقق – بالإضافة إلى حماية وتحرير المدن الكُردية- توسّع في الشرعية الشعبية إلى شرائح كُردية كانت مناهضة للفكر الذي تتبعه هذه القوات، وتحقيق مكسب إضافي في ضرورة طرح ملف القضية الكُردية في سوريا بشكل قويّ في أيّ شكل مستقبلي للحل السوريّ، وفرض الكُرد لشروطهم المدعومة بتوافق دولي عليها، ثناءً لهم لما قدموه من تضحيات وتنسيق لمواجهة العدو المشترك.
من ناحيتها قوات التحالف على ما يبدو تعلمت درسها من حربي أفغانستان والعراق، وتقديمها فواتير ضخمة بشريّاً وماديّاً دون الحصول على النتائج المتوخّاة أساساً من التدخّل، فلقد رأت في القوات الكُرديّة من يمكن أن يخفّف تكاليفها إلى الصفر من الناحية البشرية، ويقلّل من مصاريفها المادية، حيث أن السلاح الغربيّ المقدّم للقوات الأرضية غالباً يكون مدفوع الأجر بالعملة الصعبة، أو عن طريق حماية وتعزيز المصالح الحالية، أو على شكل ديون وعقود استثمار مستقبلية، وحتى إن كان على شكل هبات فهي أقل تكلفة بكثير بالمقارنة مع الحروب السابقة التي شنّتها باسم محاربة الإرهاب.
أما الطموح القومي الكُردي فلقد كان الرئيس البرزاني واضحاً تماماً حياله في إحدى لقاءاته على هامش مؤتمر ميونخ للأمن حيث قال “الخرائط تُرسم بالدم” في إشارة واضحة إلى أنّ ما يتم تحريره من الدولة الإسلاميّة بدماء الكُرد هو حق شرعي للكُرد ضمن سياق الكيان الكُردي الحلم، كأُولى تجلّيات الشرق الأوسط الجديد وفق الرؤية الأمريكية، وربما هذا يفسّر إلى حدّ ما اقتصار انتشار القوات الكُردية في العراق وسوريا على المناطق الكُردية ديموغرافياً فقط، دون المبالغة في قتال تنظيم الدولة الإسلاميّة إلى المناطق العربية تاريخياً.
إن صحّ هذا التفسير لمقولة البرزاني فهذا يعني أن الكُرد لأول مرة في تاريخهم الحديث يدخلون لعبة المصالح الدولية كمستفيد بدلاً من أن يكونوا بيادقاً، ولكن أيضاً لا بد من تقديم الضريبة التي تُدفع كُرديا بالدم.