ملف من جزأين، عن الانتهاكات بحق الصحفيين السوريين أعدّه بشّار يوسف
مع انطلاق الثورة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد منتصف شهر آذار من عام 2011، ومع تبني النظام السوري الحل الأمني للتعامل مع حركة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، قامت السلطات السورية بمنع وسائل الإعلام، العربية والأجنبية، من العمل داخل الأراضي السورية، وبشكلٍ خاص في المناطق التي شهدت مظاهرات وتحركات شعبية، ولاحقاً أعمالاً عسكرية، ليكون التواجد الإعلامي الوحيد هو للإعلام الرسمي المرتبط بالنظام أو بعض المحطات الإخبارية التابعة لجهات مقربة من النظام أو التي تقاتل إلى جانبه.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات والأعمال العسكرية تحوّلت سوريا إلى أخطر دولة في العالم على الإعلاميين، حيث أخذ الصحافيون على عاتقهم مسؤولية الدخول إلى المناطق الساخنة دون موافقة مسبقة من السلطات الأمنية. وتعرّض عددٌ كبير منهم للقتل خلال قصف قوات النظام للمدن والبلدات السورية، كما تعرّض قسم آخر للاعتقال أو الاختطاف على أيدي أجهزة الأمن السوري أو بعض الفصائل المعارضة التي برزت على الساحة.
نتيجةً لذلك اعتمدت وكالات الأنباء على الإعلاميين والناشطين الإعلاميين السوريين المعارضين كمصدر وحيد تقريباً لتغطية الأحداث الجارية في سوريا، في ظلّ غيابٍ تام لأية جهة إعلامية حيادية، ولذلك أصبحت أعداد القتلى والمخطوفين في صفوف الناشطين الإعلاميين السوريين هي الأكبر.
مشاكل وصعوبات في التوثيق
تختلف أرقام المنظمات الحقوقية أو المعنية بتوثيق الانتهاكات فيما يتعلق بأعداد ضحايا الحرب المستمرة في سوريا منذ أربع سنوات بشكلٍ عام، حيث تشير الأرقام إلى مقتل أكثر من 250 ألف شخص خلال نحو 48 شهراً، يضاف إليهم ما يزيد عن 200 ألف معتقل ومفقود؛ كذلك هو الأمر بالنسبة لعدد الانتهاكات التي طالت الإعلاميين.
المشكلة الأبرز في التوثيق تتمثّل في المعايير المستخدمة لاعتبار الشخص المعني إعلامياً أو ناشطاً إعلامياً. وقد استثنى موقع الحل السوري في إحصاءاته كافة الإعلاميين التابعين أو المرتبطين بالكتائب المقاتلة، وبشكلٍ خاص من شارك في النزاع المسلح بشكلٍ مباشر، لكن لم يتمّ استبعاد الإعلاميين الذين اضطروا إلى حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة؛ فطبيعة الصراع الدائر وعدم توفير الحماية للإعلاميين واستهدافهم بشكل مباشر من قبل قوات النظام حتّم على بعضهم حمل الأسلحة الفردية الخفيفة للدفاع عن النفس عند التعرض لأي هجوم. ولا بد من التنويه إلى أن الأرقام والاحصائيات تشمل الإعلاميين والناشطين الإعلاميين السوريين فقط دون الأجانب، وسيتم استخدام تعبير “إعلامي” للدلالة على الاثنين.
من جهةٍ أخرى، تدور شكوك حول مصير المفقودين في صفوف الإعلاميين، وذلك في ظلّ ضعف أو عدم القدرة على التأكد من الجهة التي تقوم بالاختطاف، وبالأخص في المناطق الخاضعة لسلطة المعارضة المسلحة أو التي تشهد معارك مستمرّة، حيث تم تسجيل اختفاء أو اغتيال عددٍ من الإعلاميين في عدة مناطق من سوريا دون أن تُعرف حيثيات الحوادث. كذلك هو الأمر بالنسبة للمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات النظام، حيث تتكتّم الأخيرة على أسماء المعتقلين وأعدادهم، كما لا تفصح عن مصيرهم وأماكن احتجازهم والتهم الموجّهة إليهم.
بالإضافة إلى ما سبق، تواجه عملية التوثيق صعوبات تتعلق بحالات الاعتقال والتغييب القسري تعود لتعذّر الوصول إلى كل المدن والبلدات والقرى في سوريا، وعدم وجود هيئات محلية تهتمّ بموضوع التوثيق بشكل جيد، إضافةً لاستخدام الإعلاميين أسماءً مستعارةً في معظم الأحيان، خوفاً من الملاحقة الأمنية أو من بعض الجهات في المعارضة المسلحة، وإخفاء حقيقة بعض الإعلاميين وطبيعة عملهم، خوفاً من تصفيتهم أو الاعتداء على عائلاتهم. بالنتيجة، يرجّح أن تكون الأرقام الحقيقة أكبر من الأرقام التي تمّ توثيقها.
القسم الأول: انتهاكات قوات النظام والميليشيات الموالية لها
أولاً- الإحصاءات
خلال الفترة الممتدة من منتصف آذار من عام 2011 وحتى نهاية شهر شباط من العام الحالي، تمكّن موقع الحل السوري من توثيق مقتل 292 إعلامياً في عمليات قصفٍ شنّتها قوات تابعة للجيش السوري النظامي على مناطق متفرّقة من البلاد، أو برصاص قوات النظام والميليشيات الموالية لها عبر استهدافهم بشكل مباشر خلال تغطيتهم للمظاهرات أو المعارك، وقد شهدت كل من دمشق وريفها وحلب وريفها تسجيل أكبر عددٍ من القتلى، بواقع سقوط 82 قتيلاً إعلامياً في دمشق وريفها و 69 آخرين في حلب وريفها.
كما تم توثيق مقتل 17 إعلامياً تحت التعذيب في سجون النظام، ومقتل اثنين آخرين في إعدامات ميدانية قامت بها قواته. فيما اعتقلت قوات النظام 34 إعلامياً، فضلاً عن جرح أكثر من 60 آخرين.
ثانياً- نماذج عن بعض الانتهاكات
1- اعتداءات على المقرات الإعلامية
دمّر القصف باستخدام البراميل المتفجرة من قبل الطيران المروحي التابع لقوات النظام كلاً من مكتب وكالة شهبا برس في حلب ومقرّ المكتب الإعلامي في داريا بريف دمشق، بالإضافة إلى تعرّض العديد من المقرات الإعلامية المعارضة للقصف من قبل قوات النظام، وذلك في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة. وتجدر الإشارة إلى قيام قوات النظام بمداهمة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، واعتقال طاقم العمل، وعلى رأسه مدير المركز مازن درويش وذلك في السادس عشر من شهر شباط من عام 2012.
2- قوات النظام تعتقل إعلامياً أربع مرات بتهمٍ مختلفة وتعذبه بطرق متنوعة
أبو زياد، ناشط إعلامي من مدينة حماة من مواليد 1994، طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي على الرغم من انتقاله للعيش خارج سوريا بعد أن تم اعتقاله أربع مرات من قبل أجهزة الأمن السورية، على خلفية عمله في مجالي الإعلام والتصوير، فضلاً عن مشاركته في المظاهرات المعارضة للنظام السوري.
تم اعتقال أبو زياد للمرة الأولى في العشرين من شهر تموز من عام 2012، بعد اعتقالات عشوائية قامت بها قوات النظام في أعقاب مظاهرة خرجت في مدينة حماة. ووجّه القضاء لأبو زياد تهمة “التظاهر”، حيث قضى ثلاثة أيام في مقرّ فرع الأمن العسكري بحماة، وسبعة أيام في سجن حماة المركزي، ليتم إطلاق سراحه بعدها.
بعد نحو شهرٍ ونصف تمّ اعتقاله للمرة الثانية في حملة اعتقالات عشوائية أيضاً بتهمة الانتماء إلى مجموعة إرهابية ومراقبة حاجزٍ لقوات النظام، لكن سرعان ما تم إطلاق سراحه في نفس اليوم بعد تدخل شخصٍ ذي صلة بضباط الأمن في حماة.
وفي الثامن والعشرين من شهر أيلول التالي داهمت عناصر من فرع الأمن الجوي منزل أبو زياد في حي البياض بحماة واعتُقل مجدّداً بتهمة تصوير المظاهرات، وصدر قرارٌ بتحويله إلى العاصمة دمشق بعد شهرٍ من اعتقاله، إلا أن أهله دفعوا لأحد الضباط في النظام مبلغ 900 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 15 ألف دولار أميركي حينذاك، ليتم إطلاق سراحه، لكن سرعان ما أعيد اعتقاله بعد أقل من أسبوع بعد أن تمّت ملاحقته في أحد أحياء المدينة وإصابته بطلق ناري في مؤخرته. وتم اقتياد الإعلامي إلى حاجز الكراج الغربي العسكري بتهمة الانتماء لجماعة مسلّحة، وبعد التأكد من براءته من التهمة تمّ الإفراج عنه دون أن تتم معالجته، فذهب إلى أحد المشافي في حماة ليرفض الأطباء معالجته خوفاً من أن يكون ملاحقاً، ليتلقى لاحقاً العلاج عن طريق أحد الأطباء من كتلة أحرار حماة المعارضة.
خلال فترات اعتقاله تعرض أبو زياد للتعذيب باستخدام عدة وسائل، من أبرزها “الشبح” أي ربط اليدين إلى الخلف وتعليق المعتقل في الهواء. وأكد الناشط أن هذه الطريقة في التعذيب كانت تسفر عن مقتل معتقل واحد على الأقل يومياً. كما تعرّض للضرب من قبل مجموعة عناصر أمن سوريين باستخدام “الكرباج” أي السوط و”الكبل الرباعي”، وذلك في ساحة مستوصف حولته قوات الأمن إلى معتقلٍ تابعٍ لفرع الأمن الجوي.
بالإضافة إلى ما سبق، لجأت عناصر قوات النظام لحرق العضو الذكري بالزيت المغلي والماء المغلي، والضرب بالكماشة والمطرقة على جميع أنحاء الجسم، فضلاً عن حرمان أبو زياد من الطعام والشراب وقضاء الحاجة.
3- التنكيل بالجثث
أقدم جنود في الجيش السوري النظامي على قتل الإعلامي خالد قبيشو في محافظة إدلب في السابع عشر من شهر نيسان من عام 2012، وقاموا بالتنكيل بجثته بعد أن دهست دبابة تابعة للجيش النظامي رأسه.
في التاسع عشر من شهر أيلول من العام نفسه، قُتل الإعلامي عبد الكريم القدّة في حي مشاع الأربعين بحماة حرقاً، بعد تطويق منزله من قبل قوات النظام.
كما أقدمت قوات النظام على إحراق جثة الناشط الإعلامي عماد العقايلة بعد قتله أثناء تغطيته للمعارك في بلدة الشيخ مسكين بدرعا بتاريخ 4 تشرين الثاني من العام الماضي.
بإمكانكم قراءة الجزء الثاني بالضغط على الرابط التالي


