د.محمد حبش
ويسألونك عن داعش، وأبو محمد الليبيي وأبو حفصة التونسي وأبو هريرة البريطاني وأبو عائشة اليمني وأبو بكر البغدادي وأبو القعقاع البلجيكي….. ويخلق ما لا تعلمون..
هكذا قدّم وفد الحكومة السورية رؤيته للثورة في سوريا، مؤامرة كونية تشارك فيها بالضبط مائة دولة في العالم وفق تقارير موثقة صادرة عن الأمم المتحدة!!!!
قلت للسيد الجعفري… هناك بكل تأكيد آلاف من القادمين من الآفاق البعيدة للقتال في سوريا، يحملون هذه الرؤية الإيديولوجية للصراع، ولكن هل يسعنا أن ننكر أن أكثر من ثمانين بالمائة من المقاتلين في داعش والنصرة هم سوريّون أباً عن جد…
لقد رأينا وجوههم في الرقة وفي إدلب وفي بصرى واستمعنا حديثهم وخطابهم، إنهم في الغالب أبناء هذا الريف السوري، ومعظمهم درس في مدارس الحكومة السورية وقرأ مناهجها، وكثير منهم كانوا أعضاء في حزب البعث، يرددون الشعار كل يوم في مدارسهم وجامعاتهم وحتى في مراكز عملهم كموظفين، ومعظمهم لم يكونوا قد سمعوا بخطاب الجهاد والخلافة والغزو والحدود، ولم يكونوا يتعلمون في تورا بورا ولم يأتوا من بيشاور ولا وزيرستان…
فما الذي دفع السوري إلى إطلاق لحيته وحمل سلاحه والتحول إلى محارب شريد يعيش في الجبال والوديان، ويحمل على عاتقه سلاحه في مواجهة جيشه الوطني؟ ويختار عنوانه النصر أو الشهادة…
إنني لا أبرر العنف والدم، ولكنني أفسره، لقد صرحت في ألف موقع أنني ضد كل نضال عنيف، ولا شرف لبندقية، وكل قتل حرام، ولكننا مدعوون لفهم سبب هذا التحول الطاغي نحو العنف والانتقام.
في حواراته مع المعارضة في موسكو قدم النظام تفسيراً مدهشاً لصعود داعش وتطرفها، والسبب الحقيقي لظهور داعش كغول متوحش يبتلع سوريا وأهلها وسكانها.
قال الدكتور الجعفري: إن داعش وجدت عبر أسباب لا علاقة لسوريا بها، وإضافة إلى المؤامرة الكونية التي تشارك فيها مائة دولة في العالم ضد سوريا وشعبها، فإن السوريين الذين سافروا إلى السعودية قاموا بتدريس أولادهم في المدارس السعودية وتخرج منها نحو مائة ألف طالب كلهم يحملون فكراً إرهابياً وهابياً تكفيرياً، وبشكل تلقائي كانوا يبحثون عن برنامج خلافة وتكفير، وحين عادوا إلى سوريا انخرطوا فوراً في مشروع النصرة أو مشروع داعش.
قلت للسيد الجعفري أراهن أن ثمانين بالمائة من المقاتلين السوريين لم يركبوا طيارة، ولم يزوروا مطاراً، وإذا كان هذا النوع من التعليم كافياً لقيام حرب طاحنة كهذه التي تشهدها سوريا فلم لم تقم تلك الحرب في السعودية مثلاً، فالشعب كله يتلقى هذا التعليم، ولا أعتقد أن سلوك الحكام السعوديين يقنع شعوبهم في أنهم أهل تقى واستقامة…
التطرف ابن طبيعي للظلم والقهر، إنه نتيجة طبيعية لتغول النظام الأمني، وزوار الليل، وبطاقات المراجعة للفروع الأمنية، وهي سلوكيات قاسية تمارس منذ عقود بشكل ممنهج، تنبت ضغينة الكراهية والحقد، ثم انفجرت عبر سياسات النظام الخاطئة والدموية في مواجهة الثوار، فحين تنزل البراميل المتفجرة على أهلك وناسك وحين تشاهد بعينيك استخراج الأطفال من تحت الركام، وتعيش حياة الحصار والقهر والظلم والجوع فلا يوجد أحد يستطيع إقناعك بأفكار غاندي وجودت سعيد، وحين يغلي غضب الثأر في رأس السوري وهو يستلم جثث أولاده من فرع المخابرات فمن يستطيع أن يقنعه بخطاب الوطنية والتسامح والغفران.
لو جاء الخليفة البغدادي في عام 2010 ومعه العشرة المبشرون، ومعه طيلسان الخلافة وعباءة النبي وصولجان الجهاد ودولارات أمريكا، ليعلن الخلافة في دمشق، فكم عدد السوريين الذين سيلتحقون بهكذا مشروع ؟؟؟؟
إنني اجزم أنه لن يجد أدنى تأييد لمشروعه هذا، فالإسلام السوري إسلام متسامح متنور، وبكل تأكيد فإن سوريا التي قدمت للعالم رموز التسامح والاعتدال الصوفي الإسلامي كفتارو والبوطي والسلقيني الذين لا زالوا يعيشون في ضمائر السوريين رموز التزام واعتصام، لا يمكن على الإطلاق أن تجد مكاناً تنمو فيه هذه الأفكار المتوحشة في ذبح الناس وإحراقهم وقطع رؤوسهم باسم الدين.
إنني لا أجهل خطر ثقافة الكراهية الموجودة في مناهجنا الشرعية في السعودية وفي سوريا، ولكن هذه الثقافة يتم التعامل معها بالتأويل والحكمة، وهي على خطورتها غير كافية لتحويل المسلم إلى إرهابي يقاتل مجتمعه وأهله، لولا الظلم الذي يمارس على الناس.
يقولون إن كثيراً من المحاربين القادمين من الخارج لا يعانون من أية مظالم، ولديهم المال والسكن والتعليم والطبابة ومع ذلك يتحولون إلى مقاتلين إرهابيين..
بكل تأكيد هناك أشخاص يحملون أحقاداً مختلفة على العالم وعلى الإنسانية عموماً ولكنهم قلة محدودة في هذا العالم وهم موجودون في المجتمع الإسلامي والمسيحي واليهودي، ونذكر هنا الشاب النرويجي أندريس بريفيك الذي قتل بدم بارد سبعة وتسعين نرويجياً في جزيرة أوتايا صيف 2011 على خلفية قناعاته بتلوث المجتمع النرويجي بالغرباء، ولا يزال في السجن ولا يزال يقول إنه فعل الشيء الصحيح.
مثل هؤلاء وهم بالطبع قلة وموجودون في كل الشعوب وكل الأديان، ولكنهم عندما يفكرون بمشروعهم الجهادي التكفيري لا يطلقونه في بلاد العدالة والعافية إنهم يحتاجون لبلاد مظالم حتى يجدوا على الغضب أعواناً… إنهم يقومون بعمليات إرهابية هنا وهناك ولكنهم لا يستطيعون أن يوفروا حاضنة شعبية لتطرفهم، سيضربون ويهربون، في المترو والأنفاق، ولكنهم لن يجدوا حاضنتهم إلا في بلاد الحصار والجوع والبراميل والقهر والعنف، وهناك فقط سيجدون ألف سبب ليلتحق بهم الشباب الغاضب من الظلم والمشرئب إلى الثأر والانتقام.
في عام 1989 التقى وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر الرئيس حافظ الأسد، كانت المنطقة آنذاك تشهد الاجتياح الاسرائيلي للبنان، وما تبعه من مشاركة قوات المارينز وقصفها على جبال لبنان واعتقال اللبنانيين إلى سجون إسرائيل ومعتقلاتها في الجنوب وغزة والضفة، وكانت بالفعل فترة صعود حماس وحزب الله، وتحول المقاومة من النضال القومي إلى الجهاد الإسلامي ومن جيفارا إلى القسام، قال جيمس بيكر: يا سيادة الرئيس… نحن قلقون جداً من صعود التطرف الإسلامي في بلادكم، واللحى الإسلامية تخيفنا، ولا شك أنها تشكل خطراً على مجتمعاتكم ويجب أن تواجهوها….
قال له حافظ الأسد…. سيد بيكر وإذا استمرت أمريكا في سياساتها الدموية، واستمر قصف القرى والمدن بصواريخ المارينز وبراميل الطيران (البراميل هنا محض استعارة توضيحية)، وإذا استمر اعتقال الناس في لبنان وفلسطين وتعذيبهم في السجون وتسليم جثثهم إلى ذويهم، وإذا استمر إرهاب الدولة ضد الناس فإنك ستأتي مرة أخرى سيد بيكر وستجدني أنا أيضاً قد أطلقت لحيتي!! والتحقت بهؤلاء الذين تسمونهم بالإرهابيين!!
هل هناك تفسير للواقع المأساوي في سوريا أدق من هذا؟؟

