وائل عبدالله
منذ تم الاتفاق على خروج مسلحي المعارضة من #حمص القديمة في 12 /5/2014 والنظام يسوق لعودة السكان للمدينة المدمرة العائدة إلى حضن النظام، ولعل أكثر ما أثار اهتمام النظام والإعلام المؤيد وتاجر به هو التركيز على عودة الكنائس والسكان المسيحيين إلى حي الحميدية وبستان الديوان وهما من الأحياء ذات الغالبية المسيحية.
وبالفعل ركزت غالبية احتفالات النظام في الفترة اللاحقة على احتفالات الكنائس وقرع أجراسها كدلالة على عودة الحرية الدينية، وطمأنة المسيحيين والغرب، وإبراز النظام كحامي للأقليات على عادته.
ونجح النظام في استثارة واستفزاز الغالبية السنية التي تم منعها من العودة لبيوتها، حيث اكتفى بجعل السلمين السنة يتفرجون على جيرانهم المسيحيين يعودون لحيهم الذي كان يضم الكثير من السنة أيضاً.
وبعد أن اختفت الكاميرات من الشوارع حانت لحظة الحقيقة، فالحي غير قابل للحياة بالمعنى الخدمي.. صحيح أن بيوته لم تتهدم كما تهدمت باقي بيوت حمص القديمة، ولكن البنية التحتية مخربة وغير مؤهلة للعيش، إضافة لاستمرار الشبيحة بالعودة للبيوت وسرقة كل شيء حتى كابلات الكهرباء، فمن الذي بقي من أهل الحي؟
بجردة سريعة نجد أن من عاد لا يمثل أكثر من 1% من سكان الحي، جلهم من الشيوخ والعجائز والموظفين والفقراء والمحتاجين، فمما يقارب 150 ألف نسمة من سكان الحي لم يعد سوى 1800 شخص، غالبيتهم العظمى من المعدمين الذين آوتهم كنائس وادي النصارى ومدارسه، والذين أبلغتهم الكنائس والجمعيات بضرورة عودتهم للحي تحت مبررات الحفاظ على الوجود المسيحي في المدينة، مع التلميح بوقف استحقاقهم للإيواء.
وبالفعل عاد هؤلاء على أمل دعم الحكومة لتأهيل الحي بعد هذا التطبيل الإعلامي المحلي والدولي والعزف على أجراس الكنائس المبشرة بعودة الحياة، فما الذي حصل لاحقاً؟
يقف اليوم هؤلاء على أبواب الكنائس للحصول على وجبة الطعام اليومية في منظر يشابه طوابير العجائز في الحرب العالمية الثانية، فتكلفة تأهيل المنزل الواحد تصل إلى 250 ألف ليرة سورية لا يملكون منها شيئاً.. أين تلاشت وعود النظام ؟
يذهب العائدون لتأهيل الكهرباء فيطلب منهم 90 ألف ليرة سورية لإعادة الساعة وخط الكهرباء للمنزل، و80 ألف ليرة لعداد المياه، و50 ألف ليرة للهاتف، و20 ألف ليرة تكلفة سيارة الرمل أو البحص لترميم المنزل.. كومسيونات للحواجز التي تتحكم بمداخل الحي ومخارجه، ليجد سكان الحي أنفسهم أمام أزمة مالية مخارجها أسوء من بقائهم في قرى الوادي، فالحواجز الأمنية تمنع حركة الأهالي وتفرض حظراً للتجوال بعد الساعة السادسة مساء بين شطري الحي، حيث يتحكم الأمن العسكري بمدخل الحي حتى مفرق الأظن وكنيسة الموارنة، وتتحكم المخابرات الجوية بباقي الشارع وصولاً لمؤسسة المياه، والحي معتم تماماً ليلاً، فلا أعمدة إنارة تضيئ في ساعات عودة الكهرباء ضمن برنامج التقنين ولا بيوت تنير أضواءها للمارة.
الكنائس الغنية نسبياً استطاعت أن ترمم أبنيتها من مصادر تمويلها بسرعة، بينما بقيت الكنائس الفقيرة تنتظر حتى الآن تبرعات المحسنين في المهجر لتعيل على الأقل العجائز والمسنين وتؤمن لهم وجبات الطعام، حيث لم يقدم النظام ولا وزاراته أي دعم مالي للكنائس ولا لسكان الحي، وسط صمت الجميع وصدمتهم.
نجح النظام في الاستفادة من الورقة المسيحية ببعدها العالمي، ونجح في إرضاء المصطفين إلى جانبه من المسيحيين ورجال الدين المسيحي، وكعادته لا زال يسوق نفسه في كل مناسبة دينية في الحي بأنه من أعاد الأجراس للعمل، وهو الذي أعاد بابا نويل للحي.. ولكن هذه المرة وبعد انقضاء سنة ونصف لم يجد العائدون للحي في جعبة بابا نويل سوى المزيد من الفقر والاستغلال، فلا هدايا في كيسه، بل سرقة موصوفة لعدادات المياه والكهرباء من عفيشة النظام يدفع ثمنها العائدون، ولا عربة بابا نويل تجوب الحي فحواجز الأمن العسكري والجوية تستبيح الحي بساكنيه والمارين بأتاوات لا يمكن تسميتها بأقل من الجزية، ولكن تحت ظلال علم النظام ودولته العلمانية.

